سوليجنتسين غريب فـي كل الفصول

سوليجنتسين غريب فـي كل الفصول

عباس بيضون

حياة الكسندر سوليجنتسين تكاد توازي التاريخ الروسي الحديث. ولد ١٩١٨ بعد عام من قيام الثورة الشيوعية في العشرينيات كان على الجبهة في الحرب ضد المانيا الهتلرية، وطنيته وهي العنصر الاكثر ثباتاً في شخصيته دعته ليقاتل بشجاعة ولينال اوسمة على شجاعته. لكن العشريني لم ينخدع بايديولوجيا السلطة فقد بدأ من ذلك الحين نقده للنظام الشيوعي، كان من الجسارة بحيث صرح في رسائله باعتراضاته على رأس السلطة ستالين.

لم يكن من السهل على المرء ان ينشق في الزمن الستاليني. فالارجح ان الموت ينتظر كل من يجسر على ان يرفع اصبعاً في وجد النظام، لكن سوليجنتسين رفع اصبعه وربما لم يكن عندها بالاهمية التي يستحق عليها الإعدام، فالنظام الذي دفن مندلشتام لقاء ابيات ساخرة من ستالين ما كان ليتورع عن قص عنق اي معترض مهما كان عاليا.

بدأ سوليجنتسين وطنيا روسيا ونقد النظام الشيوعي كوطني روسي، تلك كانت بداية رحلة عذاب عاشها الكاتب بذلك الادمان الروسي للشقاء، كان يشبه في مظهره دوستويفسكي. والارجح ان شيئا كثيرا من دوستويفسكي يسكن في شخصية سوليجنتسين. رحلة اعتقال ورحلة مرض، فالرجل الذي تغلب على معسكرات العمل التي كان يساق إليها المعتقلون في العصر الستاليني وقلما يرجع منها المرء حياً تغلب ايضا على السرطان. روايات سوليجنتسين هي تقريبا سيرته الشخصية، ارخبيل الغولاغ كانت تقريبا رواية السجن ومعسكرات الاعتقال، جناح السرطان رواية المرض ولم تخرج »يوم في حياة ايفان دنيوسفيتش« عن هذا السياق انها مذكرات يوم في جحيم الغولاغ، لعل هذه المطابقة بين روايات الكاتب وحياته هي جزء من المطابقة بينه وبين تاريخ بلاده. كأنما ولد سوليجنتسين معارضا للشيوعية، كأنما وجد هذا في دمه فإن حياته التي وسمت منذ البداية بهذه المعارضة هي سجل تآكل النظام الشيوعي وانهياره المفاجئ، لكن هذه الروايات لم تكن بحال تحريضية، كانت التسجيل شبه الحرفي للمعاناة المرعبة للمعتقلين مكتوبة بدقة وفوتوغرافية تكاد تصل الى الحياد، اما مذكراته السوداء في جناح السرطان، فمفتوحة على امل غامض، روايات سوليجنتسين ليست ملحمية كما هي روايات شولوخوف، انها اقرب الى ان تكون تسجيلية، ثم ان هذه الروايات ليست بطولية بقدر ما هي روايات واقعية سوداء، مع كل هذا الحياد والقسوة والكتابة العارية (ذات الحرفة الآسرة والجملة المسننة) فإن سوليجنتسين يعلي بدون اي غنائية من قيمة الشجاعة والصمود ويكسر سواء بينه وبين المعتقل او بينه وبين المرض حافز الخوف، ان قارئه يخرج أقوى بعد قراءته وربما افضت به هذه القراءة الى التطهر من رعبه.

لم يكن سوليجنتسين الوحيد الذي جنى عليه إبعاده من روسيا، مثله مثل عديدين خرجوا من الاتحاد السوفياتي يومذاك لم يتلاءموا مع الصورة النمطية التي كونها الغرب عنهم، لم يتنازل سوليجنتسين عن نوبل كما فعل باسترتاك ورغم روسيته الصميمة قبل بأن يغادر روسيا لقاء نيله الجائزة، وبالفعل غادر الى المانيا الغربية وبعدها الى الولايات المتحدة.

في الولايات المتحدة عاش الكاتب في منطقة تذكره بالشتاء الروسي، وحيداً في قلعته كان يعمل بجنون كما فعل حتى آخر يوم من حياته. لكن الكاتب الذي غادر بلاده لم تكن له صورة المنشق التي يريدها له الغرب، كما لو ان دوستويفسكي غادر روسيا كان سوليجنتسين بلحيته الطويلة وجلبابه الروسي ارثوذكسيا وقيصريا، فوجئوا به وهو يدعو الى العودة الى التاريخ القيصري، فوجئوا به وهو يصر على ما سماه اسلافه الروائيون الروسي الروح الروسية، وهو يفرد هذه الروح ويفرزها من التاريخ الغربي المعاصر معليا خصائص »شرقية في هذه الروح طالما اعتبرت ظلامية وغير متحضرة«. لم يكن سوليجنتسين من أتباع الطريق الليبرالي ولا من دعاة تغريب روسيا. كانت هذه بالنسبة إليه كما كانت بالنسبة لكثيرين من المثقفين الروس قارة على حدة، كانت وحدة روسيا وخصوصيتها اهم عنده من اوربتها. ذلك نقاش طويل حول الهوية الروسية شغل المثقفين الروس طوال القرن التاسع عشر واختلفوا فيه على انتسابها لنفسها، او انتسابها للشرق او الغرب.

لم يقبل سوليجنتسين بسهولة بالطريق الغربي. لقد بدا الذين استقبلوه عائدا من جحيم التوتاليتارية روسيا متعصبا بل ورجعيا محافظا، اما ما فاجأ أكثر فهو النقد الذي وجهه سوليجنتسين الى الغرب وكان في جملته نقداً أخلاقياً ودينياً، لقد ندد بانحطاط الغرب وتدهوره وماديته، ولم يكن هذا النقد لدى كثيرين الا بقية مما قبل الرأسمالية وقبل العصر. لم يكن سوليجنتسين الوحيد الذي فاجأ الغرب من المثقفين الروس المنفيين. لقد تمسك البعض بقيم ما قبل غربية ودافع عن بلاده دفاعا كاد معه ان يلتقي مع الاستبداد الشيوعي.

لم يكتب سوليجنتسين روايات بعد خروجه من روسيا. اذا كانت رواياته موازية لسيرته وللتاريخ الروسي فقد قرر هذه المرة ان يتجه مباشرة الى التاريخ. كانت مجلدات »العجلة الحمراء« هي هذا التاريخ. في قراءته للتاريخ الروسي الحديث فاجأ الروس كما فاجأ غيرهم. لقد عاد الى فترة الاصلاح القيصري وطلب البدء من هنا، لقد وضع نفسه بعيداً جداً عن العصر، لم يقبل كثيرون بذلك ووجد البعض فيه مؤرخاً فاشلاً. بل رأى البعض في هذا الفشل مناسبة لإعادة النظر في قيمته الأدبية، وجد من قال ان سوليجنتسين صنيعة السياسة وان وزنه الأدبي اقل بكثير من شهرته، وقبل ان يعود سوليجنتسين الى روسيا كانت صورته قد نالها كثير من الكسوف، إذا كان متهماً بالمحافظة والتعصب واللاسامية ايضاً فقد رأى البعض ان في »العجلة الحمراء« جناية على اليهود. هكذا بعد المجد كان سوليجنتسين مهدداً بالتعتيم والإغفال.

كان سقوط الشيوعية هو ايضا سقوط اسطورة المنشقين. لقد انتهى الانشقاق وفقد مجده، راقب سوليجنتسين ما يجري داخل روسيا، ومن الولايات المتحدة كان يصرخ ضد ما يجري، ابهجه زوال الشيوعية بدون شك، لكن هاله تفكك روسيا. لم يحتمل بخاصة انفصال اوكرانيا عن روسيا وهو الذي يعلم ان الامبراطورية الروسية تأسست في كييف عاصمة اوكرانيا. وان اوكرانيا هي اصل روسيا، هاله اكثر ان يجد روسيا العظيمة تغدو تابعة للغرب ومؤسساتها تباع بالرخص للأميركيين وغيرهم. وطنيته المجروحة دعته الى ان ينتقد بشدة هذه التبعية، انتقدها بقوة ورفض وسام يلتسين لأنه باع روسيا للغرب، عاد الى روسيا أخيراً ليجد نفسه غريباً فيها، وليجد الكثيرون فيه رمزا قديما متجاوزا.

لقد أرعبته الرأسمالية المفلتة والتسيب والوحشية والهيمنة الأميركية بقدر ما كانت الشيوعية أرعبته في يوم آخر. استمر يعمل بجنون ومات بعد يوم عمل هانئاً في سريره، والذين قارنوه بدستويفسكي يمكنهم الآن ان يستمروا في المقارنة. لقد نال الاثنان السجن واجتازا الجحيم والرعب، ومعا لم يسعدهما شيء. لقد غدر بهما التقدم وغدرت بهما المحافظة وغدر بهما العصر، ولا نعرف اذا كان سيقدر لـ سوليجنتسين ما قدر لدستويفسكي، ان تضعه »رجعيته« في المستقبل.

عن/السفير