سولجينيتسن في الكفن الروسي المزركش

سولجينيتسن في الكفن الروسي المزركش

منذر بدر حلوم

كيف يمكن لريح الشمال أن لا تجتاح أصقاع الأرض! شعرت حين سماعي بموت سولجينيتسن كأن روسيا بجبالها وغاباتها وسهوبها وأنهارها وسككها الحديد و(جعبة زاخار) الدونكيشوتي، حارس الدم في كاليكوفا، والآلاف المحشورة في (الأرخبيل) وفي دوّامات (الدولاب الأحمر) ورفاق (إيفان دينيسوفيتش) وبقايا جلودهم المندغمة مع الطوب، وخوذ القتلى الخارجين أحياء من (محطة كوتشيتوفكا) وآلاف المحطات الأخرى لملاقاة الموت، الخوذ المنغرزة في الأرض الروسية، من موسكو إلى بريست، مملوءة ثقوبها بالطين والثلج، متكئة على جماجم أصحابها المثقوبة أو منشلعة عنها، منذ ستة عقود ونيف..

كأنّ هذه الروسيا كلّها كتاب عظيم هبطت صفحة منه في ليل الثاني إلى الثالث من آب لعام ثمانية وألفين، حين توقف عن النبض قلب سولجينيتسن، الرجل الذي كان لا يزال ممسكا بالحبر على عتبة روسيّاه وعتبة التسعين من عمره، حين تنافس الحبر مع الدم على القلب فأوقفاه. هبطتْ صفحة من تاريخ لا معنى له دون سولجينيتسين، إلا معنى إغماض العين عن عذابات البشر وعمّا يمارس عليهم من ألوان الشرور وأشكالها، هبطتْ فإذا بالكلام المضغوط بين الحبر والدم يولّد ريحا تنادي وسع الكون: ألا فلتنقذوا الإنسان أيها الأحرار، فالوحش يأتي على كل ما فيه! ألا أيتها الريح كيف لا يشعر بك المجوَّعون، المستغَّلون، المعذَّبون، المنتهكة كراماتهم الإنسانية.

نداء سولجينيتسن، على الرغم من تمسّكه بإيمانه المسيحي العميق، ليس نداء تولستوفيا يتكئ على الدين، إنّما هو ينطلق من فكرة العدالة التي لا قيمة لأي دين لا يقوم عليها، وفكرة الحق، وقيمة المجاهرة بالحقيقة، والعيش في مواجهة الرياء والكذب والادعاء وكل أشكال طمس الحقائق، الأشكال التي ينتجها الاستبداد ويقوم عليها، وبالمجاهرة بالحقيقة ننتصر للإنسان في دواخلنا، مبدأً لحيوات كريمة لا يعرف قيمتها إلا كل عزيز نفس، أو ننتصر للوحش مجمّلين ضعفنا وترددنا وخوفنا وطمعنا وتواطؤنا مع الظلم. وليس إنسان سولجينيتسن مسيحاً مرفوعا بأل تعريفٍ، تجعل منه كائنا افتراضيا لا يداخل نفسه تردد أو ضعف، إنّما هو إنسان من لحم ودم، هو ابن الجغرافيا والتاريخ، وهو ابن أمّه وأبيه، وهو الخارج من قومه وإلى قومه في معظم الأحيان، يقتِل ويُقتَل، لكنّه كائن عنيد في مقارعة الظلم، ينتصر لحريته وكرامته. وسولجينيتسن في بحثه عن صيرورة الإنسان نحو كائن لا يفرّط بحريته وكرامته، تجلّى مقاتلا غير هيّاب، يجاهر بما يراه حقيقة، متسلحا بقوة الكلمة في مواجهة الفولاذ، أو صار إلى هذا المقاتل مع كل قطرة حبر وقطرة عرق وقطرة دم، دون أن يتخاذل أو يضل الطريق.

لم يصب سولجينيتسن دائما في رحلته الطويلة مع الكلمة، لكن خطأه وصوابه كانا دائما في نزال مع الكذب والادعاء. لم يصب سولجينيتسن في رؤيته لكيفية ترتيب البيت الروسي حين بدأ هذا البيت يتداعى تحت هزّات أسئلة البيريسترويكا. فهو من منفاه راح يرى روسيا سلافية قبل كل شيء وللسلافيين قبل غيرهم، لكنه ما إن عاد إلى روسيا وفجع بما رآه من خراب خلّفته جائحة يلتسين وعائلته، عائلة اللصوص الأوليغارخيين التي تكالبت على إرث الامبراطورية المنهارة وأمسكت بخناق روسيا، ما إن عاد ورأى ذلك وغيره حتى عادت إليه ألوان الطيف، ألوان شعوب روسيا مع ألوان فجيعة الانهيار والفقر والعنف، فإذا بنداء وحدة شعوب روسيا يغلب على غيره من نداءات سولجينيتسن، وإذا بنداء الوقوف في وجه نهب شعوب روسيا وسلبهم إرادتهم وأسباب عيشهم الكريم يغلب، وإذا بنداء الوقوف في وجه الانهيار يغلب على كل نداء، وإذا بنزعته الإنسانية تخرج من تحت ملايين الجثث رافعة حبر المقاومة في وجه الجشع الذي ينبئ بموت أكبر وأكثر بشاعة.

تمسّك سولجينيتسن بندائه الإنساني غير واثق من قدرة هذا النداء على الوقوف في وجه الوحشية. »ضُرِبَ عرض الحائط بنداء النزعة الإنسانية، بصورةٍ مريعةٍ، مرّتين في القرن العشرين، في الحرب العالمية الأولى والثانية« يقول سولجينيتسن في أحد لقاءاته التلفزيونية! وبدا كأن أنهار الحبر المبذولة أعجز من أن تخرج الوحش من الإنسان، واليوم تعاني النزعة الإنسانية، الخارجة من مسيحيتها إلى ما يتجاوز حمولتها الدينية ويتجرد عنها، امتحانها وربما الأخير أمام تمسك المليار الذهبي الأبيض، من أميركا الشمالية إلى أوروبا إلى أستراليا، بنزعة التفوق العنصري على الجنوب وادعائه الحق بالسيطرة على خيرات العالم ونهب شعوبه وإبقائها تحت السيطرة. وقال سولجينيتسن، وكان الأسى يخالط البريق في عينيه قبيل موته بقليل، وربما يكون ذلك في آخر لقاء تلفزيوني أجري معه في بيته حيث أرشيف ملايين المعذَّبين: كل العالم جنوب أمام هذا المليار الذهبي. وما أفقر هذه الأرض وما أعجزها عن إشباع الشمال!! قال سولجينيتسن قوله محاولا البحث عن موقع لروسيا بين آسيا وأوروبا، السؤال الذي كثيرا ما تطرحه الثقافة الروسية على نفسها منذ عقود: روسيا ليست آسيا ولا أوروبا. روسيا أشبه بقارة مستقلة، وهي حضارة مكتملة، فكما هناك حضارة غربية وحضارة إسلامية، هناك حضارة روسية. لكن السؤال الآن ليس هنا. السؤال ـ عبّر سولجينيتسن بما معناه ـ في أنّ روسيا التي يراها ليست هي روسيا التي طالما سعى إليها ولا العالم الذي يراه هو العالم الذي طالما تاق إليه، السؤال عمّا نستطيع فعله لجعل العالم يغيّر وجهته. وكان واضحا في حوار الصحافة التلفزيونية مع الرجل الممسك بقلمه على العتبة الفاصلة بين الحياة والموت، أن مليار الشمال الذهبي دائم الحضور في ذهنه بوصفه مصدر الأخطار على شعوب الجنوب ومحدد مصائرهم، بل على مصير الكرة الأرضية التي بدا أنّها أصغر وأفقر من أن تلبي مطامعهم، وبالتالي فعلى محك هذا المليار الأبيض سيختبر نداء النزعة الإنسانية التي تنادي الثقافةَ لأن تشتغل عليها بصرف النظر عن كل الإخفاقات التي أثبتت هشاشة الثقافة الإنسانوية الأوروبية أمام المال ووسائل جنيه، اشتغالا على المشترك بين الشعوب والبشر بصرف النظر عن اختلاف معتقداتهم وألوانهم، بوصفهم ضحايا لمولوخ واحد يلوكهم، حتى لو بدا لبيض الشمال اليوم أنّهم بمنأى عنه.

ليس أكثر إثباتا للجهل من ادعاء امتلاك حقيقة منتهية! وما أكثر ما عبّر سولجينيتسن في حواراته الأخيرة عن ارتيابه بالأشياء التي رآها واضحة من قبل، إلاّ ضرورة مقاومة الدجل والكذب والرياء وما يخدمها وتخدمه ومن يقوم عليها وتقوم عليه، فأشياء لم يبدُ أن سولجينيتسن ارتاب في شأنها يوما. فكان منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه عن نفسه كاتبا، واضعا نفسه بين يدي شعبه إلى يومه الأخير، مقاوما أصيلا للاستبداد ولأدواته وركائزه.

وأمّا في ليل الثاني إلى الثالث من آب، ومع انطفاء ذينك المصباحين البراّقين في ذلك الوجه الحكيم المتطاول، فقد انطوت حقبة من التاريخ، وليس لكل رجل أن يتحدد بموته التاريخ، كما ليس لكل يوم أن يكون عتبة للتاريخ. قبيل موته وضع سولجينيتسن توقيعه على الطبعة الأخيرة التي طالما انتظرها من »الأرخبيل«، طبعة أضيفت إليها أسماء أولئك الذين سبق أن كُتمت أسماؤهم خوفا عليهم وعلى ذويهم من ملوك الأقبية ومعسكرات الموت، والذين من مصائرهم ومصائر أمثالهم قدّت الرواية.. واتجهت عينا الرجل نحو ثلاثين مجلدا تجمع ما كتبه في التاريخ والأدب والفكر، وإليها اتجه قلمه منقحا ومزيدا هنا وهناك، إلى أن زاحم حبرُ القلم دمَ القلب فأسكتا النبض وسكتا معا.

رحل سولجينيتسن.. تاركا لنا، نحن الذين نخال أنفسنا أحياء، السؤال عن إمكانية العيش بلا كذب ولا دجل ولا ادعاء، عن أصالة مناصرتنا للحرية والكرامة الإنسانية، وعن استعدادنا لدفع أثمان في سبيل ذلك، مؤكدا أن الكاتب الأصيل لا يمكن أن يكون بمنأى عن آلام شعبه، ومن يكنْ مع شعبه يكنْ له محل في قلب هذا الشعب، وهكذا هو سولجينيتسن في كفنه المزركش بألوان شعوب روسيا وطيوفها.

عن/السفير