الكسندر سولجينتسين الطريق المؤدي الى دوستويفسكي

الكسندر سولجينتسين الطريق المؤدي الى دوستويفسكي

علي حسين

ستجذبك نظراته الهائمة ، يبدو لك خارجا من احدى روايات تولستوي ، يعترف ان الكُتاب الاكثر اهمية وتاثيرا في حياته هم بوشكين ودوستويفسكي وتولستوي . في سيرته الذاتية يخبرنا أنه قرأ رواية تولستوي" الحرب والسلم " عندما كان في العاشرة من عمره ، وما أن طوى الصفحة الأخيرة من الرواية حتى اتخذ قراره بان يصبح كاتبا . ظل سؤال تولستوي : ما القوة التي تحرك الشعوب ؟ يرافقه إلى ان عثر على دوستويفسكي فوجده فيه مرآة يشاهد فيها حياته منذ الطفولة ، فقد نشأ كليهما في عائلات متدينة .

كانت اولى قراءات دوستويفسكي هي كتب الاناجيل ، بينما تبنى الكسندر سولجنيتسين إيمانه من عائلته الشديدة التدين . درس كليهما في مجالات لا علاقة لها بالأدب ، حيث درس سولجينتسين ليصبح استاذا في الرياضيات ، ودوستويفسكي كان مقرر له ان يصبح مهندسا. ، قضى كلاهما عدة سنوات في معسكرات الاعتقال ، ولم تتكشف موهبتهما الأدبية بالكامل إلا بعد عودة كل منهما إلى المجتمع. تحولت تجاربهما الحياتية الى كنوز ادبية عشنا فيها مع شخصيات تكره وتحب وتموت ظلما وتَقتل وتُقتل . في السجن واجها أسئلة مهمة عن الوجود البشري. علمتهم الحياة الشاقة التي عاشوها أن البقاء على قيد الحياة كإنسان في ظل هذه الظروف وعدم الانغماس في الوحشية ، بحد ذاته يعد إنجازا بطوليا.

نتج عن سجن دوستويفسكي واحدة من اشهر الروايات التي تصف العذاب البشري :" ذكريات من منزل الاموات " ، واخرج لنا سولجينتسين رائعته " ارخبيل غولاغ " قدم من خلالها تاريخا لحياة طائفة من البشر عاش معهم ثماني سنوات . ورغم ان بعض النقاد يصنف عمل سولجينتسين بانه وثيقة تاريخية اكثر من كونه عملا روائيا ، ، لكن سولجينتسين سيسميه في خطاب جائزة نوبل بـ " تجربة في الاستقصاء الفني " ، فالمهمة الاساسية للادب كما تعلمها من اعمال دوستويفسكي هي الكشف عن التجربة الانسانية وكيف يواجه الانسان عاملا الخير والشر : " تبين لي ان الخط الفاصل بين الخير والشر لا يمر عبر الحكومات ولا بين الطبقات ولا بين الاحزاب السياسية ايضا ، بل اساسا عبر كل قلب انساني " ، في الخطاب الذي كتبه ليقرأ في احتفال تسلمه جائزة نوبل للاداب عام 1970 ( رفض الذهاب الى استوكولهم خوفا من منعه من العودة الى روسيا ) ، يتذكر سولجينتسين معلمه الروحي فيودور دوستويفسكي حيث كتب :" الأعمال الفنية التي استخلصت الحقيقة وقدمتها لنا كقوة حية ، تمسك بنا ، ولن يظهر أحد على الإطلاق ، ولا حتى في العصور القادمة ، لدحضها..في هذه الحالة ، لم تكن ملاحظة دوستويفسكي ، "الجمال سينقذ العالم" ، عبارة لا مبالية بل نبوءة ؟ " .

ولد الكسندر إيزيفيتش سولجينتسين في الحادي عشر من كانون الاول عام 1918 في مدينة كيسلوفودسك لاب من طبقة الفلاحين وام اوكرانية ابنة لواحد من الاثرياء ، توفي والده قبل ولادته باشهر قليله اثناء خدمته في الحرب العالمية الاولى ، خسرت عائلة والدته املاكها جراء التاميم الذي قامت به الحكومة السوفيتية فعاش مع امه حياة صعبة ، في المدرسة كان التلاميذ يسخرون منه بسبب ارتداءه الصليب ، كانت الام حريصة على ان تاخذ ابنها معها الى الكنيسة .. التحق عام 1936 بجامعة رستوف حيث درس الفيزياء والرياضيات، وفي الوقت بدأ اهتمامه بالفلسفة حيث اثارت اهتمامه كتابات كيركجارد وبرديائيف ، فيقرر التسجيل في معهد موسكو للدراسات الفلسفية .جاءت الحرب العالمية الثانية ليتم تجنيده في الثامن عشر من تشرين الاول عام 1941 ، حارب في مختلف الجبهات. وفي آب عام 1943، منح وسام الحرب الوطنية. واصل المشاركة في الحرب حتى شباط عام 1945 حيث اعتقل بسبب تبادله الرسائل مع احد الاصدقاء والتي تضمنت نقداً صريحاً لستالين. حكم عليه بالسجن في معسكر الاعتقال لمدة ثمانية أعوام، بعد خروجه من السجن تم نفيه الى كازخستان هناك عمل مدرسا .

عام 1953 اصيب بالسرطان ومر بتجربة الموت ، وفي نفس العام انتخب نيكيتا خروتشوف امينا عاما للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، يكتب عن تجربته مع المرض في رواية بعنوان " جناح السرطان " والتي حاول ان يقدم من خلالها صورة المجتمع الذي يعيش فيه والذي تتركز بنيته الرئيسية على قطبين ، هما الحرية والعبودية ، ومن خلال مستشفى لمعالجة امراض السرطان نتعرف على أطباء ومرضى يمثلون رموزا لحالات اجتماعية تتوزع بين الخير والشر، ويقدمون للقارئ رواية عن الحياة والموت ببعديهما الشخصي والاجتماعي . عام 1955 يكتشف الاطباء ورم ثان في جسمه ، ادرك حينها ان الموت يحاصره فقرر ان يقدم شهادته عن العصر الذي يعيش فيه لينشر عام 1962 روايته القصيرة "يوم من حياة ايفان دينيسوفتش" – ترجمة منذر حلوم - والتي احدثت انقلاباً في الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية، نشرت داخل الاتحاد السوفيتي بترخيص شخصي من خروتشوف الذي قال بعد ان قرأ الرواية :" هناك ستاليني في كل واحد منكم . حتى ان هناك ستاليني في داخلي . يجب ان نقتلع هذا الشر " – فيف غروسكوب دروس مستفادة من الادب الروسي- . بيع من الرواية اكثر من مئة الف نسخة ، عندما ظهرت اعتبرها الناقد " جورج لوكاتش " خطوة هامة على تجديد التقاليد العظيمة للواقعية الاشتراكية . ، فيما وصف النقد الرواية بانها احدثت تغيرا جذريا على المشهد العام للادب الروسي . شكلت الرواية صدمة للقراء ، فبرغم الادانة التي قدمها المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي الذي انعقد في شباط عام 1956 للممارسات القمعية وعبادة الفرد في زمن ستالين ، لكن احد لم يكن قد تحدث في الادب عن حلقات الجحيم التي اجتازها الملايين في معسكرات الاعتقال . كان سولجنستين اول من اطلق صرخته ، وقد شغلت رواية " يوم من حياة ايفان دينيسوفتش " القراء لانها تحدثت عن الممنوعات وعن مصير الانسان الذي سحب من فراشه ليلا واختفى في ظلام السجن ليطلق على عائلته لقب " عائلة عدو الشعب " ، إلا ان ايفان يصر رغم السجن والتعذيب أن يستمر في الحياة ، وان يسخر كل طاقات جسده كي لا يموت . فالعمر حسب مفهوم ايفان يتكون من الايام ، وعليه أن يعيشها ، لان هناك حياة ما بعد المعتقل ما زال يثق بها :" من لم يعد يثق بالمستقبل ، بمستقبله الشخصي يضيع ومع فقدانه للمستقبل يفقد محور ارتكازه الروحي ، يتحطم من الداخل ويتدهور جسديا وروحيا " - يوم من حياة ايفان دينيسوفتش – يصر بطل الروايه على ان يكون الانسان راغبا بالحياة حتى يتحقق لك ذلك فـ :" النزوع الشديد الى الحياة بغياب الحياة الروحية يقود فقط الى الانتحار " . يفهم ايفان الزمن على انه بحر وعلى الناس تجاوزه ، لذلك يقرر ان يركب قاربه ويجذف حتى يجتاز بحار المحنة والموت . انها قصة شخص يعاند الايام ، وجد طريقة للبقاء على قيد الحياة في الظروف الصعبة المحيطة به . من خلال ايفان ، يفتح سولجنستين عالم السجن السياسي . لا يوجد سبب ليكون ايفان دينيسوفتش في السجن . إنه يعرف ذلك ، ويدرك ان سجانيه يعرفون ذلك ايضا . رواية تختصر هذا العالم المخيف، من خلال نص ادبي ، يتكلّم بلسان الضحايا الذين لم يخرجوا أبداً من جحيم المعتقلات . ان القوة الكبرى لـ " يوم من حياة ايفان دينيسوفتش " انها تاخذ بايدينا مباشرة الى عالم دانتي ، عالم قائم على ثوابت اخلاقية ، يجب ان يتخذ ساكنوه قرارات مصيرية : إما ان يخصعوا لمطالب نظام ينشر الشر ، او يبقوا على درجة من الحرية الداخلية .

رشحت رواية "يوم من حياة ايفان دينيسوفتش " لجائزة لينين ، إلا ان حملة من الانتقادات وجهت الى سولجنستين متهمة بطل الرواية بانه انسان سلبي ، ولم تسلم اعماله التي صدرت عام 1963 من النقد حيث وصفت روايتا " دار ماتريونا " و " حادثة في محطة كاتشيتوفكا " – ترجمهما الى العربية منذر حلوم - بانهما تقدمان ابطالا مهزومين ..كانت الحرية التي تمتع بها سولجنستين مرتبطة بشخص خروتشوف الذي ما ان تم اقصاءه عن المشهد السياسي حتى صدر قرار باعتبار سولجنستين " محروما من الحقوق " وكان ذلك عام 1965 . بدأت الرقابة تحاصراعماله ، وكانت طريقته للبقاء على قيد الحياة هي الانصراف الى العمل ، والكتابة كل يوم ، . في عام 1967 كتب " رسالة عن الرقابة" حاول من خلالها فضح الحصار الذي تتعرض له اعماله الادبية ، بعدها قرر ان يطبع روايته " الدائرة الاولى " عام 1968 في طبعات سرية ، في تلك السنوات تفرغ لعمله الروائي الكبير " أرخبيل غولاغ " – ترجمة نجم سلمان الحجار – وسيكتب في مقدمة الرواية هذه العبارة :" في زمن الدكتاتور المحاط بالاعداء من كل الجهات أبدينا الكثير من الليونة ، وطيبة القلب غير الضرورتين " .

لاحقت السلطات السوفيتية الرواية بعد ان عثرت على نسخة مطبوعة على الآلة الكاتبة ، يقررسولجينتسين اصدار طبعة بالفرنسية كان قد هربها الى خارج البلاد .عام 1976 صدرت الرواية بالروسية . وقد وصف بريجينيف الرواية بانها عمل " قذر معاد للبلاد " . في عام 1969 فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، عام 1970 منح جائزة نوبل للاداب تكريماً "للقوة المعنوية التي واصل بها التقاليد الأصيلة للأدب الروسي". سببت الجائزة حرجا كبيرا للسلطات السوفيتية التي طلبت من سولجنستين ان يرفضها مثلما فعل بوريس باسترناك عام 1958 ، لكنه يرفض ، قرر عدم السفر الى " ستوكهولم " خوفا من منعه من العودة الى روسيا . عام 1947 يطلق دعوة اسماها " نداء موسكو " داعيا الى السماح بحرية التعبير وانشاء الاحزاب غير الماركسية ، وعدم ملاحقة التيارات الدينية ، وقد تسبب البيان بطرده من الاتحاد السوفيتي ، حيث تم تسفيره مع عائلته الى فرانكفورت ، لتبدأ رحلة التشرد بين المانيا وسويسرا ليستقر في النهاية في الولايات المتحدة الامريكية ، وبعد عشرين عام يعود الى روسيا عام 1994 واستقبلته روسيا مثل " قديس " عاد الى موطنه .

رأى الغرب في سولجينتسين كاتباً مناوئا للانظمة الشمولية وخصوصا الشيوعية ، تتسابق وكالات الانباء والصحافة لاجراء حوار معه ، لكنه ترك كل ذلك وذهب الى بيته الريفي يعمل بصمت ، سيندد بالرأسمالية التي حوّلت العالم إلى" سوق تجاري كبير " ، مطالبا الغرب بالعودة الى القيم الاخلاقية المسيحية ، مشيدا بعظمة اسلافه الروس ..كان يأمل ان يؤدي دور المرشد للنظام الجديد الذي قام بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ، لكنه اصيب بالخيبة ليشن هجوما على بوريس يلتسن ،رفض ان يتسلم جائزة منه متهما اياه بانه احد زعماء المافيا الذي ساهموا بالقضاء على عظمة روسيا تمثل رواية " ارخبيل غولاغ " محاولة طموح لاحياء امور بقيت لزمن طويل مكبوتة . فهذه الرواية ليس اكثر من سجل لتلك الطائفة من البشر التي شاطرها المؤلف الحياة لمدة ثماني سنوات في معسكرات العمل . وهي مزيج من مذكرات شخصية وشهادات لأكثر من مائتي انسان ووثائق تاريخية ، وصفها سولجينتسين بانها محاولة للبحث عن مصادر الشر ، ليس فقط في الظروف الاجتماعية والعقائد السياسية ، بل وايضا في ذات الانسان .يلاحق الشر في روايته الملحمية " العجلة الحمراء " التي كتب اجزائها في مراحل متفرقة من حياته وتدور احداثها حول الثورة الروسية ، حيث نجد ان الشر الذي يصفه في " ارخبيل غولاغ " والمترسخ في النفس البشرية ، يتحول الى ايديولوجيا متعصبة ، يصفها بانها لا انسانية ، استوردت من خارج روسيا من قبل ثوريين متعصبين ، وقد تغلغلت بالجسم الروسي على خلفية ضعف القيصر الاخير وعرشه الفاسد حسب قوله .. كان سولجينتسين مهتما بقراءة المؤلفات الفلسفية ، في شبابه اعجب بماركس ، لكن التطبيق الثوري للماركسية جعله كارها لها ، يؤمن باقامة مجتمع بدون عنف ثوري وبدون ارهاب السلطة وبدون استبداد الاغلبية وظلمها للانسان المغاير لها ، وان يكون حق الاختيار مقدسا ومصانا لكل انسان ، وان الطريق الى الحقيقة لا يمر عبر توافق الانسان مع ضميره ، بل عبر التضحية .

ربما يطرح البعض سؤالا : لماذا نقرأ سولجينتسين الآن في الوقت الذي تهاوت فيه الانظمة التي كان يتصدى لها بكتاباته ؟ .. تكتب " فيف غروسكوب " ان لا احد يقرأ سولجينتسين من اجل المتعة ، وانما بدافع الاحساس بالواجب ، حيث يريد القراء ان يختبروا كيف يتحول الانسان الى ضحيىة للانظمة الشمولية . لم يكتب قط عن كيفية النجاة من المصاعب والمحن ، بل عاشها ، وقد دفع ثمن هائل من حياته الشخصية من اجل الحفاظ على مهمة الكاتب .

في الثالث من آب تعلن روسيا خبر وفاة كاتبها الكبير بعد اصابته بازمة قلبية عن عمر 89 عاما ، وبعد ايام اجريت له مراسم دفن شارك فيها الرئيس الروسي ورئيس الوزراء واعضاء الحكومة والالاف من المشيعين

عاش سولجنيتسين حياته ييكتب عن ضرورة تجنب كل من الاستبداد الديني والروحي ، من ناحية ، واستبداد الراسمالية الجشعة من ناحية أخرى. واقترح أن مملكة الله على الأرض لا يمكن أن تُفرض بالقوة ، عارض النظام الشيوعي، لكنه ظل يفتخر بالثقافة الروسية والتراث الروسي. انتقد الغرب لأنه يعادي كل ما هو روسي وقال مرة: " عادى الغربيون ثقافتنا لروسية، ولهذا، لم يفهموها" . وظل يؤكد أن البشر هم مزيج من الجسد والعقل والروح. رافضا لكل أشكال العنف والاستبداد . نقرأ سولجنيتسين لانه لا يزال مؤرخا لمصير الانسان وصديق حقيقي لـ "الحرية والكرامة الإنسانية "، ، علمنا حقائق عميقة ودائمة عن دراما الخير والشر في الروح البشرية. ولهذا سيظل معاصرا دائما .