عبود الهيمص : ذكرياتي عن الوصي عبد الإله

عبود الهيمص : ذكرياتي عن الوصي عبد الإله

عبود الهيمص

في احد الايام من شهر مايس سنة 1958 زارني في داري في محلة السعدون السيد محسن ابو طبيخ والسيد محمد صادق الصدر من اعضاء مجلس الاعيان وهي زيارة اعتيادية وفي الساعة الخامسة في عصر ذلك اليوم فوجئنا بزيارة (المستر فول) المستشار في السفارة البريطانية ببغداد فاستغربت جداً من زيارته المفاجئة هذه دون ان يسبق ذلك اتصال هاتفي حسب الاصول

وبعد مجاملات مختصرة انصرف السيدان محسن ابو طبيخ ومحمد صادق الصدر لتصورهما ان لدى الزائر الجديد موضوعاً خاصاً قد يتعذر عليه البحث فيه بوجودهما: وبعد مغادرة هذين الضيفين قال المستر فول: “بلغ المسؤولين في السفارة ان الوصي ياخذ الرشوة ممن يعينهم اعضاء في مجلس الاعيان او النواب، وقد طلب اليّ اركان السفارة التحري عن حقيقة ذلك».

وقد كانت مفاتحة هذا الرجل لي بهذا الموضوع مفاجأة، فابديت استغرابي من هذا السؤال الخطر الغريب فقلت له: ان موضوع الرشوة لا يستطيع ان يثبته احد لان القوانين العقابية في بلدنا (الراشي) و(المرتشي) و(الوسيط) يعدون مجرمين ويعاقبون جميعاً على جريمة الرشوة، ولهذا فلا يخبراحد عن الرشوة لانه يعتبر شريكا في الجريمة وفي ظني ورأيي الشخصي ان الوصي لا يأخذ الرشوة ولكن ربما يقع ذلك في مناسبة زواج او مناسبة رسمية عند قبوله بعض الهدايا من الخاصة وهذا مجرد ظن واحتمال وانا لم اطلع على شيء من ذلك ابداً فقال مستر فول: ان لدينا معلومات اكيدة عن ذلك فقلت اذا لماذا استشرتني بالذات؟

قال: اردت ان اتاكد، فقلت له لا علم لي بذلك ابداً.

فاجاب: بانكم لا تعلمون ان الامور العامة قد اصبحت على درجة من السوء الى الحد الذي يقال “ان النار تلتهب تحت الطابوق وسوف تستيقظون على صوت الانفجار الهائل فقلت له لا اظن ذلك ولا اظن ان الامور وصلت الى هذه الدرجة فاكد انها واصلة الى هذه الدرجة وان لديهم معلومات عن ذلك فقلت اذن لم لا تنصحون الحكومة او البلاط لتفادي وقوع الانفجار فاجاب ان الحكومة والبلاد متجهان اتجاهات اخرى ولا يسمعون رأينا واستشاراتنا. وكرر القول انكم عن قرب سوف ترون الانفجار الهائل، وودعني وانصرف اني لم اصدق في حينه ما قاله المستر فول فقد استكثرت ان الانكليز يتصرفون بهذا الشكل تجاه سلوك وتصرفات الوصي. هذا ما جرى فعلاً وان ربط الاحداث ببعضها يمكن ان يلقي بعض التفاسير للوقائع والاحداث التي حصلت بعد ذلك.

زوج الاميرة بديعة

وقد صادف ان زارني في داري الشريف حسين وكان بصحبته احد موظفي السفارة البريطانية من ذوي الاتصال الشخصي الوثيق مع الساسة العراقيين، كان الشريف حسين على وشك السفر الى خارج العراق.

وبعد ان تناولا القهوة ذهبا لزيارة احد الاصدقاء من العراقيين وبعد نحو الساعة من انصرافهما اتصل الشريف حسين بي هاتفياً وقال اننا مدعوون الى وليمة عشاء في دار صديقنا العراقي يقيمها بمناسبة قرب سفري الى الخارج فارجو ان تحضر هذه الوليمة، فاعتذرت لانني لم اتلق دعوة بذلك، وبعد هنيهة اتصل بي صاحب الدعوة ورجاني بالحضور، لان الدعوة كانت مستعجلة وتقتصر على عدد محدود من اصدقاء الشريف حسين. فقبلت الدعوة شاكراً.

وقد فوجئنا بحضور السفير البريطاني السير مايكل رايت وبصحبته مستشار السفارة البريطانية المستر بومنت- الذي عين سفيراً في العراق فيما بعد- وقد دارت احاديث شتى كان من بينها الاشاعات التي كانت تدور في الاوساط عن قبول الوصي عبد الاله للرشوة، وكان كل من السفير البريطاني والمستشار يستفسران عن مدى صحة ذلك، وقد ربطت بين اقوال السفير واقوال الموظف البريطاني.

حدثني الشيخ علي الشرقي مرة عن حساسية الوصي عبد الاله وخشيته من لقاء أي مسؤول بريطاني، ولو كان الوصي يعلم بلقاء الشريف حسين والسفير البريطاني لاقام الدنيا واقعدها لان الشك والريبة هما الظاهرة المتبادلة بين الوصي من جهة والسفارة البريطانية من جهة اخرى ويمكن للمرء المواكب للاحداث ان يجد اكثر من دليل على شعور المسؤولين بان حكمهم آيل الى الانهدام ومائل الى الغروب!

وبالرغم من ان المجالس النيابية الاخيرة التي سبقت انهيار الحكم الملكي بقليل كانت من مجالس (التزكية) التي يطمئن نوري السعد لها فقد ظهر ان (دار السيد لم تكن مامونة) بالنسبة له فقد لوحظ وجود تكتلات ضيقة بين بعض النواب تدل على التحول مع الرياح التي قد تكون غير ملائمة لنوري السعيد.

فان حل المجلس الذي اجرى انتخابه ارشد العمري لضمان اكثرية كبيرة مؤيدة للوصي وضغط الانكليز عليه بفعل تهويلات نوري السعيد لمخاطبة المجلس الجديد المنتخب ترك غضاضة في نفس الوصي ولكن ما الذي يفعله بعد ان فرض عليه حل المجلس وانتخاب مجلس جديد عزز من نفوذ نوري السعيد لدى الانكليز والمجلس على حد سواء.

والحقيقة ان بعض النواب كانوا يتلقون ايعازات لمعارضة مشاريع نوري السعيد في الفترات التي يتضايق فيها الوصي من استمرار حكمه، او حصول خلاف معه فكان بعض موظفي البلاد ينقلون هذه الايعازات ولكن لا يعرف هل انها صادرة عن الوصي بالذات او من بعض حاشيته الكبار او من جهات اخرى والذي ظهرت بوادره منها قيام معارضة جزئية مفتعلة ضد نوري السعيد محسوسة في اوساط ضيقة واذكر يوماً كنت في البلاد واذا بالامير عبد الاله يمسك سترتي بشكل عصبي عنيف ويقول: يا شيخ عبود اكاد انفجر من الغيض وكررها ثلاث مرات فقلت له لماذا يا سمو الامير؟ قال لقد بلانا الله بنوري السعيد انه يريد ترقية عدد من الضباط بدون استحقاق، فهونت عليه الامر وقلت له ان مثل هذه الامور تحل بالتفاهم ونوري يعتبر نفسه من مؤسسي الجيش والحريصين على كيانه، وقد كرر تذمره من تصرفات نوري السعيد وكنت اهون عليه فتارة يهدأ وتارة يظهر الانزعاج والالم

وكان السائد يومذاك ان بعض كبار الضباط احيلوا على التقاعد لاحلال اخرين بلدهم محسوبين على الوصي او على السعيد اذكر منهم (غازي الداغستاني) و(محمد رفيق عارف) ولهذا فاني لم اقدر بالضبط من هم الضباط الذي عناهم الوصي بكلامه، ولم يكن عبد الاله من الذين يستطيعون اخفاء حقده على خصومه المتربصين به والذين يشعر بمعاداتهم له، واني لا اذكر انه كان يجاهر بانه من الحاقدين، فقد سمعت منه في احدى المرات التي زارنا في الشوملي وجرى ذكر بعض الاوضاع قوله: “ان الحقد يكون واجباً في بعض الاحيان» فقلت له: هذا رأي ولكن الشاعر يقول:

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب

ولا ينال العلى من طبعه الغضب

ولكن يبدو انه اخذ هذا على انه من اقوال الشعراء ممن لا يصلحون للحكم..

عن مذكرات عبود الهيمص