من أوراق الاستاذ نجيب محيي الدين..صديقي محمد حديد.. الديمقراطي الوطني الملتزم

من أوراق الاستاذ نجيب محيي الدين..صديقي محمد حديد.. الديمقراطي الوطني الملتزم

نجيب محيي الدين

عرفت المرحوم الاستاذ محمد حديد عن بعد منذ عام 1945 باعتباره أحد ابرز مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي واحد أبرز قادته منذ المؤتمر الاولى حيث أنتخب عضوا في لجنته المركزية ومكتبه السياسي، وكنت حينذاك طالبا بدار المعلمين العالية.. وقبل ذلك كنت أقرأ واتابع واعجب بما يكتب من مقالات في الشؤون الاقتصادية والمالية وهي تصدر الصفحة الاولى من جريدة (الاهالي) الذائعة الصيت في ذلك الزمن والتي صارت جريدة الحزب الوطني الديمقراطي بعد اجازته في شهر نيسان من عام 1945.

وبعد تخرجي من الدار تعرفت عليه شخصيا ثم أخذت معرفتي به تزداد تدريجيا كلما كنت ألتقيه خلال بعض زياراتي لهيئة تحرير الجريدة التي كان مقرها في نفس بناية الحزب خلال بعض زياراتي للمرحوم الاستاذ الجادرجي في مكتبه بمقر الحزب او في مجالسه الخاصة التي تكون في بيته. وقد أتاحت لي مقالاته ولقاءاته التعرف على ارائه حول كثير من شؤون الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحين  فصلت من الخدمة التعليمية في عام 1954، لاسباب سياسية مع من فصل في ذلك العام من اساتذة الجامعة والمدرسين والمعلمين من قبل الوزارة القائمة انذاك (وزارة نوري السعيد الاخيرة) لتمهد بذلك لانضمام العراق الى حلف بغداد الذي كانت ترفضه كل اطراف المعارضة الوطنية، ثم تعييني كيميائيا في شركة استخراج الزيوت النباتية التي كان المرحوم الاستاذ محمد حديد احد مؤسسيها والذي تولى مسؤولية ادارتها منذ تأسيسها وقد امتدت فترة عملي في هذه الشركة لاكثر من اربع سنوات وخلالها لمست وعرفت اي ذهنية وقادة وحية حقا.. ذهنية محمد حديد في اكفأ ادارة عرفها العراق لشركة صناعية عراقية تلتزم بالاسلوب العلمي وتتطور باستمرار وتقدم للمواطنين ما يحتاجون اليه من زيوت ومواد تنظيف بنوعيات جيدة وباسعار مناسبة، فشكلت بذلك ظاهرة من مظاهر البداية لنهضة صناعية عراقية انذاك مرتكزة على اسس علمية واقتصادية سليمة.

كانت علاقتي الشخصية به طيبة ومتينة طابعها الود والتقدير والاحترام على الدوام، وكانت تزداد وثوقا مع مرور الايام ولاسيما خلال السنوات التي اعقبت عام 1963وحتى وفاته في مطلع شهر اب عام 1999، وكنت احرص على زيارته حيثما يكون في بغداد او في خارج العراق حيثما يتيسر لي السفر الى تلك الجهة، وخلال السنوات الثلاث الاخيرة من حياته التي اقام خلالها في احد المصحات قرب لندن بسبب ما كان يعاني من الشيخوخة وامراضها، كنت احرص جدا على زيارته هناك عدة مرات خلال فترة وجودي في تلك المدينة بالاضافة الى الاتصالات التلفونية المتواصلة بيننا.

ولثقته بي فقد كلفني ان اجمع له جميع ما نشرت له جريدة “الاهالي” و”صوت الاهالي” و”صدى الاهالي” و”البيان” من مقالات كتبها بقلمه ويضمنها ايضا خطبه التي القاها في المجلس النيابي عندما كان نائبا في بعض دوراته وقد تعهدت له بذلك وانا مغمور بالفخر والسرور وقد وفقت الى انجاز القسم الاعظم مما تعهدت له به وما زلت ماضيا لاكمال كل ذلك.

وحين فاضت روحه الطاهرة الى رحمة الله تعالى وبلغني النبأ وانتابني الحزن والالم وكنت في ذلك الوقت في بريطانيا واقيم في مدينة بعيدة جدا عن مدينة لندن، فتحركت على اثر ذلك لاشارك في جميع مراسيم تشييع جثمانه من المسجد وحتى مثواه الاخير في المقبرة الاسلامية في لندن، وحضور مجلس الفاتحة المقام على روحه في احدى قاعات المسجد المذكور معبرا عن تقديري له وعن حزني والمي لفقدان هذه الشخصية الوطنية والفكرية المتسامية ذات الخلق الرفيع التي ساظل اكن لها فائق الود والتقدير والاعجاب.

كنت اتابع نشاط المرحوم الاستاذ محمد حديد السياسي والوطني منذ تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك على صفحات جريدة “الاهالي” حيث كان احد كتابها البارزين ولاسيما مقالاته فيها التي تمس مصالح العراق والبلاد العربية في المجالات الاقتصادية والمالية باسلوب علمي رصين يرقى بها الى مستوى محاضرات او دراسات متميزة، ومثل ذلك كان مستوى خطاباته واسئلته الموجهة للمسؤولين حيثما كان نائبا في المجلس النيابي خلال عدة دورات انتخابية، كان من العناصر المعارضة النشيطة والبارزة لسياسة الحكم الملكي في العراق وشارك في جميع فعالياته بما عرف عنه من دقة في تحليل المواقف واندفاع واخلاص في العمل، لهذا كان يحظى باحترام وثقة وتقدير جميع الفئات السياسية على اختلاف اتجاهاتها وتباين مواقفها.

وليس من السهولة تعداد كل نشاطات الاستاذ محمد حديد السياسية والوطنية، فهي قد بدأت منذ فجر شبابه في اوائل عقد الثلاثينات من القرن الماضي، حيث شارك مع لفيف من الشباب المثقفين التقدميين في ذلك الوقت بتأسيس “جماعة الاهالي” المعروفة باتجاهاتها الفكرية التقدمية الاصلاحية والتي تعتبر من اوائل الجمعيات الفكرية التقدمية ليس في العراق فحسب بل على نطاق الوطن العربي كله، واعتقد ان المطبوعات التي صدرت بشكل مقالات ومذكرات ودراسات تاريخية عن الفكر الديمقراطي الاشتراكي في العراق وعن جماعة “الاهالي” والحزب الوطني الديمقراطي وقائده المرحوم الاستاذ كامل الجادرجي وعن الحزب الوطني التقدمي الذي اسسه المرحوم الاستاذ محمد حديد قد غطت جانبا مما قام به من نشاطات سياسية ووطنية يمكن الرجوع اليها الا ان شخصيته لاتزال في تقديري من الدراسات العلمية الجادة لالقاء اضواء كافية عليها لتمكين الجيل الحاضر والاجيال اللاحقة في بلادنا من التعرف على صفحات مشرقة من تاريخ وطننا اسهم بها ابناء بررة واوفياء لهذا الوطن مثل استاذنا الراحل محمد حديد.

عُرف الاستاذ محمد حديد بالجد والمثابرة والتنظيم والصدق والنزاهة في القول والعمل، كما عرف بالحب لاصدقائه وزملائه والاهتمام باحوالهم والوفاء لهم. ملتزم غاية الالتزام بالوعود والمواعيد وبقواعد الادب الرفيع والاخلاق السامية في علاقاته مع الاشخاص ومع مختلف الهيئات والاتجاهات الفكرية والسياسية حتى في الحالات التي يختلف معهم، وان جاروا عليه وقسوا، مع اباء عال وترفع كبير وصبر جميل، دون ان يجد الانفعال والاستفزاز او الحقد الى نفسه سبيلا كان رجلا مثقفاً وظل متابعا للثقافة والمعرفة كما ظل متابعا ومتلهفا الى اخبار الوطن واحواله حتى في حالات ضعفه البدني في الاشهر الاخيرة من حياته فلا تفارقه اكتب والمجلات والصحف العربية والاجنبية، فهي على طاولة بجانبه وهو جالس على كرسي المقعدين. انه شخصية وطنية فذة جديرة بالتقدير والانصاف وكما قال عنه احد الكتاب: (.. انه علم جيلين مبادئ الديمقراطية ولأنه – اخيرا – ما ملك من الدنيا سوى شرفه الوطني) .

من اجابات كتبت للباحثة غصون مزهر عن الاستاذ محمد حديد تحتفظ ( ذاكرة عراقية ) بها