حصار الكوت سنة 1916 برواية شاهد عيان

حصار الكوت سنة 1916 برواية شاهد عيان

 عبد الحميد الكنين

بلغنا الكوت عند الساعة الثانية بعد متصف الليلة الثامنة من ايلول عام 1928.وتلمس مكان للمبيت في ليل ادهم بين ازقة ضيقة نجوبها ونحن على متون الجياد ليس بالامر اليسير على خيالة لم يطرقوا تلك الازقة من قبل. وحتى في وضح النهار، وان كان بعضهم مر بالبلدة بطريق النهر، وعرف شيئا عن امتداد الساحل، ومسافة قصيرة تؤدي الى عمق السوق، حيث ليس للمستطرق ان يلم بما تشتمل عليه البلدة من ازقة وتعاريج ومنعطفات .

وبينا نحن نفكر فيما نتخذه من اهبة للتغلب على التعب والنعاس اثناء الشطر الباقي من الليل، اذ التقينا برجل لنساله ان يدلنا الى خان نأوى اليه او الى اصطبل – على الاقلم – نربط به الجياد، فاعتذر بلهجة تنم عن الخشونة والملام! مصرا على انه ليس بمقدوره ان يرشد اناسا الى مأوى في مثل تلك الساعة المتأخرة من اللل، وانه لو كان صاحب خان لما استطاع ان ياوينا اليه.

فمن حق هؤلاء المساكين المعاصرين للحصار ان تستولي العقد النفسية على نفوسهم بحيث تعود بهم ذكراه الاليمة الى احتقار البشرية والتقزز من كل ما تمت الى خدمة الانسان بصلة، وبحيث ينمو مركب الحقد والنقمة حتى بالاباء على الابناء، وبالابناء على الاباء، وهذه هي حقيقة فسيولوجية الجنس البشري، ما في ذلك ريب..  بعد انكسار جيش الجنرال طونزند في وقعة “سلمان باك” وانحداره على امتداد ساحل دجلة الايسر، لا اعرف كيف اختار قائده مدينة مكشوفة كالكوت لأن يرابط بها دون ان ينذر سكانها بالرحيل او ان يرحلهم عنوة للحفاظ على حياتهم التي كان بودهم دون شك ان تهدر عاجلا بما منتظر من طوارئ الطريق – خير من ان تبقى حياة يرون بها الموت بين ساعة واخرى في غضون اشهر الحصار، ومهما برز الجنرال طونزند ذلك الاهمال بما يملك من مبررات، ومعاذير، فلا يمكن ان تنسى الانسانية له ما ارتكبه من جريرة، تعتبر وصمة عار عليه كما امتد البصر الى تلك الواحات الملئ برفاة القتلى بسلاح الحرب والجوع!! دون ما التفات الى “التفخيمات الرسمية” التي والت بها “العاهلية” فرقة الحصار وعلى رأسها قائدها المكابر العنود!

وقع “حصار الكوت” بين 1/12/1915 و3/6/1916 واتخذ في خلاله الجنرال طونزند من بلدة اغلب مبانيها الطين، وهي مكتظة بسكان عزل، اتخذ منها “حصنا” يدافع به الاعداء، واتخذ من وجوه البلد رهائن حبسهم في سجن عسكري رهيب اشقاقا من انقلاب الاهالي عليه؟! وهدد باعدام الرهائن متى توجس خيفة من اي كان من السكان!!

اما ساحل دجلة الايمن المقابل للبلدة، فقد زرع بالربايا والخنادق التركية عدا موقع صغير لحامية انكليزية وضعت في “معمل السوس”، ويقول الجنرال طونزند انه باصراره على الحصار هناك اراد مشاغلة الترك لئلا يعودوا الى البصرة عن طريق الغراف بينما هو بانتظار المدد العسكري الموعود به من الهند لفك الحصار والزحف ثانية على بغداد! ويزعم ان قائد الحملة العام المرابط بالبصرة – وهو الجنرال نكسن – قد ايده فيما ذهب اليه..!

نفد الزاد من معسكر طونزند فصار يفتش بيوت السكان “بيتا بيتا!” ويصادر ما تبقى لديهم من اقوات، ثم لجأ الى ذبح خيول الجند وبغاله ليتخلص من علقها، وليطعم بلحومها “فرسانه!”. ودفعه شيء من الرأفة لان يتفضل على بعض السكان – الذين سلبهم اقواتهم – بما اسماه :( (حساء الفقراء) وهو مؤلف من مسحوق (التين) وقليل من (السحالة). وان يتلطف على البعض الآخر بما اسماه (الشعير المحمص!) وهو حب الشعير المحروق بالصاج ويسميه العامة (جلي!) وذلك في الوقت الذي كانت بغال الجيش الانكليزي في غير الكوت تاكل الحمص والزيت!

ورد في الحديث الشريف: “اللهم اعوذ بك من شر الافات، فقيل له (صلعم) ما هو “شر الافات” يا رسول الله؟ قال: “الجوع!” هذا ولما كان الجوع (كافرا) كما تصفه لغة الادب والاجتماع، فقد اضطر بعض اهالي الكوت تحت ضغط الجوع والارهاب – للهرب في سواد الليل . سابحين دجلة الى الضفة اليمنى، مفضلين الموت غرقا او برصاص الجيش المقابل على موت بطيء مصحوب بالخوف والهلع، ولكن سرعان ما ينصب عليهم رصاص الجيش التركي تارة، ورصاص الحامية الانكليزية في “معمل السوس” تارة اخرى، من حيث ان الترك يعتبرونهم من جواسيس الاعداء، وقد عبروا للتجسس ! وتعتبرهم حامية “معمل السوس” من الخونة الهاربين بقصد اطلاع الجيش التركي على ما تيسر لهم من معلومات عن القوة المحاصرة، واذا اتيح لاحدهم ان ينجو بنفسه ويعود سابحا الى الكوت تتلقاه حينئذ محكمة عسكرية فورية وتحكم عليه بالاعدام رميا بالرصاص بعد ان تدينه بـ “الخيانة العظمى!” وهكذا صح عليهم المثل بانهم اصبحوا بين “شفى رحا” او ينلظون “بين نارين».

هذا ولم تسلم حمير البلدة من الذبح ليتمكن الجنرال طونزند باطعام لحومها لجيشه من امتداد “صعوده!” على الحصار لخمسة ايام اخرى!. ولو نطقت الحمير لاثرت الذبح القصير على الجوع الطويل! وغير خاف ان هزيل اللحم يفقد كثيرا من مواد التغذية، ان صح ان للبشر اذ ذاك امتيازا على الحمير في مفاهيم الجنرال طونزند، بحيث من الممكن ان يتغذى البشر بهزيل لحومها..! وخير لقدمى الجنرال طونزند ان يطئأ جثث جياع البشر بدلا من جثث جياع الحمير!!

... واخيرا:-

1. اليس من حق (عابر السبيل) الذي التقينا به ليلة ادلجنا الى الكوت ان يمتنع عن ارشادنا الى خان نقضى به ما تبقى من الليل، وهو في معرض الذكرى لتلك الليالي السود!؟؟

2. اليس من باطل الجنرال طونزند ان يفتخر بحصاره الذي يقول بتفوقه على حصار (عثمان باشا) في بولاته” وان يشبه نفسه بنابليون عندما ينسب اليها اصالة التعبئة، وان يتبجح بكونه هو الذي مهد للهدنة، وعقد الصلح بين حكومته وحكومة “الرجل المريض” وهو اسير في عاصمة الامبراطورية العثمانية!؟؟ فانقذ البشرية من ازدياد اراقة الدماء..!!

وقد نشرت المستندات والوثائق وقرأناه في كتاب “تاريخ الحرب العظمى” ذلك الكتاب السميك، فلم نجد بينها ما يشير الى وساطة الجنرال الاسير بالهدنة وعقد الصلح، ولكننا عرفنا ان هناك من سفه رأيه في الحصار، وبالرغم من ان الجنرال منح وسام الحمام من درجة فارس، ووسام الاستحقاق، ثم تبوأ مقعدا في مجلس العموم لم ينعم به كثيرا اذ وفاه الاجل بعد قليل.. وربما كانت تلك المكافأت من أجل اتلافه ما يزيد على ثلاثين الف نسمة من “جنود النجدة” و”الاهلين” وذلك في سبيل الابقاء على فرقته التي تناقص عددها الى ادنى من عشرة الاف نفس، ثم اخذ العدد يتناقص في طريق الاسار من الكوت الى عاصمة العثمانيين الى ان اجهز الموت على نصفه!

وكانت النتيجة ان استسلم الجنرال المعاند للجيش التركي صاغرا هو وافراد فرقته الذين كانوا امواتا في قوبر احياء متحركة بعد ان طال اصراره على رغبة لم تنته بعرض جيشه الهزيل في احياء بغداد واخذه مأسورا – هو وقائده – الى استانبول وحسب، بل تعدت الى ان يقبض قائد الجيش التركي على افراد من وجهاء الكوت وان يعلقهم على اعواد المشانق بدعوى “التعاون مع العدو!” وكان منهم بالامس من هو رهينة لدى جيش طونزند، لمنع تعاون الاخرين مع العدو ايضا، فتجدد العويل وترملت الارامل وتيتمت الاطفال..!!!

فيالها من حكمة.. (!) ويالها من عبقرية... (!) لا نستحي ان نلصقها اعتباطا بالقائد الذي اعترف هو نفسه اثناء اساره بان اصابه مس من الجنون!!

مجلة القلم 1964

وبينا نحن نفكر فيما نتخذه من اهبة للتغلب على التعب والنعاس اثناء الشطر الباقي من الليل، اذ التقينا برجل لنساله ان يدلنا الى خان نأوى اليه او الى اصطبل – على الاقلم – نربط به الجياد، فاعتذر بلهجة تنم عن الخشونة والملام! مصرا على انه ليس بمقدوره ان يرشد اناسا الى مأوى في مثل تلك الساعة المتأخرة من اللل، وانه لو كان صاحب خان لما استطاع ان ياوينا اليه!!

التفت الى احد رفقاء السفر قائلا: “لا تعجب! فان اهل الكوت معروفون بقلة المرؤة!” فقلت له: “وانت ايضا لا تعجب! فان قلة المرؤة الملصقة بهم، مستمدة من قلة مرؤة الجنرال طونزند الذي اذاقهم الوان العذاب في اشهر الحصار الذي ما عرفه ابدا تاريخ الحروب!”. فمن حق هؤلاء المساكين المعاصرين للحصار ان تستولي العقد النفسية على نفوسهم بحيث تعود بهم ذكراه الاليمة الى احتقار البشرية والتقزز من كل ما تمت الى خدمة الانسان بصلة، وبحيث ينمو مركب الحقد والنقمة حتى بالاباء على الابناء، وبالابناء على الاباء، وهذه هي حقيقة فسيولوجية الجنس البشري، ما في ذلك ريب..  بعد انكسار جيش الجنرال طونزند في وقعة “سلمان باك” وانحداره على امتداد ساحل دجلة الايسر، لا اعرف كيف اختار قائده مدينة مكشوفة كالكوت لأن يرابط بها دون ان ينذر سكانها بالرحيل او ان يرحلهم عنوة للحفاظ على حياتهم التي كان بودهم دون شك ان تهدر عاجلا بما منتظر من طوارئ الطريق – خير من ان تبقى حياة يرون بها الموت بين ساعة واخرى في غضون اشهر الحصار، ومهما برز الجنرال طونزند ذلك الاهمال بما يملك من مبررات، ومعاذير، فلا يمكن ان تنسى الانسانية له ما ارتكبه من جريرة، تعتبر وصمة عار عليه كما امتد البصر الى تلك الواحات الملئ برفاة القتلى بسلاح الحرب والجوع!! دون ما التفات الى “التفخيمات الرسمية” التي والت بها “العاهلية” فرقة الحصار وعلى رأسها قائدها المكابر العنود!

وقع “حصار الكوت” بين 1/12/1915 و3/6/1916 واتخذ في خلاله الجنرال طونزند من بلدة اغلب مبانيها الطين، وهي مكتظة بسكان عزل، اتخذ منها “حصنا” يدافع به الاعداء، واتخذ من وجوه البلد رهائن حبسهم في سجن عسكري رهيب اشقاقا من انقلاب الاهالي عليه؟! وهدد باعدام الرهائن متى توجس خيفة من اي كان من السكان!!

علي حسين ان الجيش التركي احاط بجهات “الحصن!؟” الثلاث وصار يصب عليها وابلا من قنابل مدفعيته، وقذائق رشاشاته ورصاص بنادقه، مما يشيب لوقعه الرضعان!.

اما ساحل دجلة الايمن المقابل للبلدة، فقد زرع بالربايا والخنادق التركية عدا موقع صغير لحامية انكليزية وضعت في “معمل السوس”، ويقول الجنرال طونزند انه باصراره على الحصار هناك اراد مشاغلة الترك لئلا يعودوا الى البصرة عن طريق الغراف بينما هو بانتظار المدد العسكري الموعود به من الهند لفك الحصار والزحف ثانية على بغداد! ويزعم ان قائد الحملة العام المرابط بالبصرة – وهو الجنرال نكسن – قد ايده فيما ذهب اليه..!

نفد الزاد من معسكر طونزند فصار يفتش بيوت السكان “بيتا بيتا!” ويصادر ما تبقى لديهم من اقوات، ثم لجأ الى ذبح خيول الجند وبغاله ليتخلص من علقها، وليطعم بلحومها “فرسانه!”. ودفعه شيء من الرأفة لان يتفضل على بعض السكان – الذين سلبهم اقواتهم – بما اسماه :( (حساء الفقراء) وهو مؤلف من مسحوق (التين) وقليل من (السحالة). وان يتلطف على البعض الآخر بما اسماه (الشعير المحمص!) وهو حب الشعير المحروق بالصاج ويسميه العامة (جلي!) وذلك في الوقت الذي كانت بغال الجيش الانكليزي في غير الكوت تاكل الحمص والزيت!

ورد في الحديث الشريف: “اللهم اعوذ بك من شر الافات، فقيل له (صلعم) ما هو “شر الافات” يا رسول الله؟ قال: “الجوع!” هذا ولما كان الجوع (كافرا) كما تصفه لغة الادب والاجتماع، فقد اضطر بعض اهالي الكوت تحت ضغط الجوع والارهاب – للهرب في سواد الليل . سابحين دجلة الى الضفة اليمنى، مفضلين الموت غرقا او برصاص الجيش المقابل على موت بطيء مصحوب بالخوف والهلع، ولكن سرعان ما ينصب عليهم رصاص الجيش التركي تارة، ورصاص الحامية الانكليزية في “معمل السوس” تارة اخرى، من حيث ان الترك يعتبرونهم من جواسيس الاعداء، وقد عبروا للتجسس ! وتعتبرهم حامية “معمل السوس” من الخونة الهاربين بقصد اطلاع الجيش التركي على ما تيسر لهم من معلومات عن القوة المحاصرة، واذا اتيح لاحدهم ان ينجو بنفسه ويعود سابحا الى الكوت تتلقاه حينئذ محكمة عسكرية فورية وتحكم عليه بالاعدام رميا بالرصاص بعد ان تدينه بـ “الخيانة العظمى!” وهكذا صح عليهم المثل بانهم اصبحوا بين “شفى رحا” او ينلظون “بين نارين».

هذا ولم تسلم حمير البلدة من الذبح ليتمكن الجنرال طونزند باطعام لحومها لجيشه من امتداد “صعوده!” على الحصار لخمسة ايام اخرى!. ولو نطقت الحمير لاثرت الذبح القصير على الجوع الطويل! وغير خاف ان هزيل اللحم يفقد كثيرا من مواد التغذية، ان صح ان للبشر اذ ذاك امتيازا على الحمير في مفاهيم الجنرال طونزند، بحيث من الممكن ان يتغذى البشر بهزيل لحومها..! وخير لقدمى الجنرال طونزند ان يطئأ جثث جياع البشر بدلا من جثث جياع الحمير!!

ولسوف تظهر الحقائق حين ينشر الترك والانكليز مستنداتهم ووثائقهم الرسمية؟؟ وقد نشرت المستندات والوثائق وقرأناه في كتاب “تاريخ الحرب العظمى” ذلك الكتاب السميك، فلم نجد بينها ما يشير الى وساطة الجنرال الاسير بالهدنة وعقد الصلح، ولكننا عرفنا ان هناك من سفه رأيه في الحصار، وبالرغم من ان الجنرال منح وسام الحمام من درجة فارس، ووسام الاستحقاق، ثم تبوأ مقعدا في مجلس العموم لم ينعم به كثيرا اذ وفاه الاجل بعد قليل.. وربما كانت تلك المكافأت من أجل اتلافه ما يزيد على ثلاثين الف نسمة من “جنود النجدة” و”الاهلين” وذلك في سبيل الابقاء على فرقته التي تناقص عددها الى ادنى من عشرة الاف نفس، ثم اخذ العدد يتناقص في طريق الاسار من الكوت الى عاصمة العثمانيين الى ان اجهز الموت على نصفه!

وكانت النتيجة ان استسلم الجنرال المعاند للجيش التركي صاغرا هو وافراد فرقته الذين كانوا امواتا في قوبر احياء متحركة بعد ان طال اصراره على رغبة لم تنته بعرض جيشه الهزيل في احياء بغداد واخذه مأسورا – هو وقائده – الى استانبول وحسب، بل تعدت الى ان يقبض قائد الجيش التركي على افراد من وجهاء الكوت وان يعلقهم على اعواد المشانق بدعوى “التعاون مع العدو!” وكان منهم بالامس من هو رهينة لدى جيش طونزند، لمنع تعاون الاخرين مع العدو ايضا، فتجدد العويل وترملت الارامل وتيتمت الاطفال..!!!

فيالها من حكمة.. (!) ويالها من عبقرية... (!) لا نستحي ان نلصقها اعتباطا بالقائد الذي اعترف هو نفسه اثناء اساره بان اصابه مس من الجنون!!

مجلة ( الفكاهة ) 1963