الأديب والناقد جابر عصفور لـ (المدى):  الريادة الشعرية في الوطن العربي كانت ومازالت للعراقيين

الأديب والناقد جابر عصفور لـ (المدى): الريادة الشعرية في الوطن العربي كانت ومازالت للعراقيين

عرفت من خلاله أن التواضع من شيم الكبار، والصراحة مهما كان ثمنها هي رداء العقلاء، ومحاورة أو محاولة نقد شخصية تعد من أبرز النقاد العرب، لا أجدها إلا مغامرة يسورها القلق والخشية من ضبابية النتائج،لكني حين طلبت منه إجراء الحوار في المكان الذي يريد،

 ردّ أن السكن بعيد وسأقصدك أنا في المكان الذي تريده،فكان اللقاء داخل ممثيلة العراق في الجامعة العربية وهذا ما أزال عني حاجز الخشية من مشاكسة هذا المتواضع الكبير إنه الدكتور جابر عصفور آخر وزير لثقافة مصر في حقبة حسني مبارك، ترأس العديد من المناصب التي لا تعدل شيئاً أمام إبداعه الأدبي، موضحاً لـ (المدى) إنه لن يتردد عن تلبية أية دعوة لزيارة بغداد، التي من خلالها -كما يقول- عرف كناقد على مستوى الوطن العربي بعد نشره أول مقالاته وترجماته في مجلة أقلام العراقية في أوائل سبعينات القرن الماضي، واصفاً الدكتور علي جواد الطاهر بأستاذ الجميع، ومؤكداً أن الريادة الشعرية كانت ومازالت للشعر العراقي وأن الشاعر حسب الشيخ جعفر قلب الدنيا في مصر بقصيدته المدورة.

* من جابر عصفور؟

- ولدت عام 1944 لأسرة فقيرة في مدينة المحلة الكبرى الصناعية، وفيها تلقيت تعليمي الأول ومن حسن حظي وجدت فيها مكتبة عامرة جداً هي مكتبة البلديات، ومنها انطلقت لعالم القراءة وصادف أن تقع عيني على كتاب الأيام لطه حسين، هذا الكتاب أسهم في تغيير حياتي جذرياً، ومنذ قراءتي له حلمت أن أكون مثل طه حسين، واتخذت قراري بالإطلاع على جميع ما كتبه طه حسين وفعلت ذلك، وأدخلتني كتبه في عمق الأدب العربي، الذي عشقته بقديمه وحديثه، من خلال تلك المكتبة أو من خلال الكتب المستخدمة التي كانت تباع بالعربات المدفوعة باليد في وسط المدينة.

طه حسين هو الأثير لنفسي

* كما هو الحال عندنا في شارع المتنبي بالعراق؟

- بالضبط..ومن كتب العربات والمكتبة وما سُمي بعد ذلك بالجامعة الشعبية التي فيها مكتبة أصبحت في ما بعد قصراً للثقافة، طرقت جميع أبواب المعرفة التي أتيحت لي في مدينتي، وبعد انتهاء دراستي الثانوية العامة وجدت نفسي قد انتهيت من قراءة جميع كتب طه حسين وأقرانه، كالعقاد وغيره من كبار الأدباء والمفكرين في تلك الفترة، ولكن طه حسين ظل هو الأثير إلى نفسي، وعلى هذا الأساس حملت أوراقي في الثانوية العامة وقدمتها إلى مكتب التنسيق، وكتبت في جميع حقول الرغبات الموجودة في استمارة القبول، كلية الآداب جامعة القاهرة من أولها إلى آخرها، وبالفعل تحقق حلمي ودخلتها مختاراً قسم اللغة العربية، منتظراً أن أرى طه حسين الذي حلمت أن أشاهده وأتتلمذ على يده، ولكن للأسف في ذلك الوقت كان طه حسين مريضاً ولم يعد يأتي إلى الجامعة إلا في فترات نادرة.. كما قيل لي حينها..، المهم درست واجتهدت وكنت الأول ليس على قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، بل على جميع أقسام اللغة في الجامعات الأخرى، ولم أفرح بتفوقي بقدر فرحتي بأني سأكون تلميذا عند طه حسين في الدراسات العليا، ولكن للأسف تزايد المرض عليه ولم يستطع أن يواصل التدريس.

* يعني لم يتحقق حلم جابر عصفور برؤية العميد ورمزه في الأدب؟

- نعم لم يتحقق الحلم في مسألة تدريسي، ولكن بالنسبة لرؤيته تحقق، وذلك عندما أصبحت معيداً وسجلت أطروحتي للماجستير مع أستاذتي سهير القلماوي رحمها الله، وطلبت منها أن أزور طه حسين، وبالفعل وعدتني في ذلك وحققت رغبتي عندما زرت بيته في الهرم الذي أصبح بعد ذلك متحفاً من متاحف وزارة الثقافة.

السادات آخرجني من مهنة التدريس

* كيف كانت مشاعرك وأنت تقابل معلمك الأول؟

- كنت مضطرباً جداً، والغريب إنه أثناء الحديث معه، قال طه حسين للقلماوي يا سهير إن تلميذك هذا سوف ينبغ في مجال النقد الأدبي، ولا أدري كيف استنتج ذلك، لأنني أمامه كنت في غاية الارتباك وشعرت بأنني غير قادر على إتمام جملة مفيدة واحدة للرد عليه، وكلماته تلك وضعتني في بداية الطريق، وحملتني مسؤولية كبيرة جعلتني ألتهم جميع الكتب المعرفية لكي أكون عند حسن ظنه وقادراً على تحقيق نبوءته، فوجدت نفسي مواصلاً تعليمي في قسم اللغات الأجنبية متخصصاً باللغة الإنكليزية، واتيحت الفرصة لي للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاث مرات، لأصبح بعدها أستاذاً زائراً في الجامعة الأمريكية، وكذلك في جامعة القاهرة، حتى مجيء السادات الذي ابتدع عام 1981 ما يسمى بالفتنة الطائفية التي استغل أحداثها وتخلص من معارضيه في الداخل،لأجد نفسي مع (60) أستاذاً من الجامعات المصرية خارج أسوارها، ولكن بفضل بعض الأصدقاء سافرت إلى السويد، وعملت زائراً في جامعة ستوكهولم، وهناك أكملت كتابي النقدي الذي أعتز به"المرايا المتجاورة"وهو دراسة في أدب طه حسين، بعدها عدت إلى القاهرة لأحصل على شهادة الترقية الى درجة الأستاذية التي حصلت عليها بسهولة، وأصبحت بعدها أستاذاً في جامعة القاهرة ولم أغادرها حتى سنة 1993، حين توليت منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وبقيت في هذا المنصب مدة عشر سنوات حتى أفلحت بتأسيس المركز القومي للترجمة لأكون مديراً له، وبقيت في المركز إلى يوم قيام ثورة (25/يناير)، بعدها عرض على أن أكون وزيراً للثقافة في عهد مبارك بوزارة أحمد شفيق، ووافقت على ذلك بعد أن قال لي أحمد شفيق، لا تتردد في إنقاذ مصر، ولكني فوجئت بأن الوزراء أغلبهم من رجال مبارك المفسدين وإنهم لن يفعلوا أي شيء للإصلاح وإنقاذ البلد، فقررت

نعم هناك أزمة نقد

* لننتقل إلى مناطق إبداعكم ونقول هل هناك أزمة نقد؟

- نعم هناك أزمة، لأن هناك تحديات أساسية يواجهها الناقد العربي أو المصري، ومنها يقع على الناقد نفسه الذي يجب عليه أن يعرف جميع العلوم والمعارف التي وصل إليها العصر وبالتحديد ما يتصل بالنقد الأدبي ويدعمه، لأن مشكلة النقد الأدبي أشبه بالنقطة الواقعة في وسط دوائر متعددة، دوائر تتصل بالعلوم الإنسانية والاجتماعية وحتى العلمية البحتة، لأن هناك خمس نقاط جميعها تتلاقى بمنطقة النقد الأدبي،فالناقد عليه أن يتقصى ويتابع جميع منابع المعرفة الدائرة حوله، وبطبيعتها لا تنتهي وتتقدم بسرعة، وربما المفارقة الأساسية التي تسهم في تحديد هوية المثقف هو باطلاعه على وسائل الاتصالات الحديثة، فهناك عالم يعيش في أقصى درجات التطور، بينما مثقفنا يعيش في عالم يعيش أقصى درجات التخلف بسبب الاستبداد الذي تعيشه دولنا العربية، وهذا ما يمثل التحدي الأول، وهناك تحدٍ معرفي سبقنا العالم فيه هو التحدي المنهجي، لأن هناك مناهج عديدة وعليك أن تحدد المعايير التي تختار على ضوئه المنهج الذي تريد، وأنا شخصياً أرى أن الاختيار يحدده الوعي الاجتماعي، وعليه فالمنهج المفضل هو من يخدم انتماءك الاجتماعي وتحقيق مصالح الناس، فضلاً عن كون المنهج الاجتماعي هو سياسي أيضاً، والأمر الآخر، إضافة إلى الأزمة المعرفية التي يواجهها الناقد فإن هناك أزمة قيم، فالزمن الذي نعيشه اختلط فيه الحابل بالنابل، ونحن في ظل سياسة تبرز الكثير من الأدباء الذين لا يستحقون ذلك وتقتل من هم أهل للثقافة والأدب، وعلى سبيل المثال نحن في أيام الثورة مجرد صدور كتاب يعري فساد العصور الاستبدادية نجده يمنع من النشر، ويصبح صاحبه بطلاً، في حين أن الكتاب لا يساوي شيئاً من حيث القيمة الأدبية، ومثال ذلك علاء الأسواني الذي تنتمي روايته لما أسميه بالرواية الرائجة.

الرواج لروايات المسكوت عنه

* تقصد الرائجة التي تحاكي المسكوت عنه من المحرمات في الوطن العربي؟

- طبعاً، نحن لدينا في الوطن العربي ثلاثة محرمات، هي السياسة والجنس والدين، وعندنا الآن مجموعة من الروايات تستغل محرم الجنس فتجدها تباع وتنشر بالآلاف، مثال ذلك رواية سلوى النعيمي (بنات العصر)، فهذه الرواية طبعت ما لا يقل عن خمس طبعات متتالية وبيعت بأرقام قياسية مذهلة، مع أن الرواية من حيث القيمة الفنية (صفر) ولا تساوي شيئا، وأنا كتبت عن هذه الظاهرة.

* نستطيع أن نقول أن السرد بمناطق المسكوت عنه نجح عربياً وعالمياً؟

- هذه الظاهرة منتشرة عالمياً، ونحن جزء من هذا العالم، ومثال ذلك عندما ظهرت رواية (شفرة دافنشي)، ووزعت منها ملايين النسخ، وإذا ما قورنت برواية عظيمة ذات قيمة فنية عالية مثل (اسم الوردة) لـ (امبرتو ايكو) من حيث المبيعات لا تصل إلى (شفرة دافنشي)، لأنها دخلت عالم المسكوت عنه من حرمات الدين، وهنا قدم الكاتب للقارئ التوابل التي تثير شهيته، وخذ مثالاً آخر، هناك رواية (لوليتا) لـ (فلاديمير نابكوف) انظر كيف وزعت بشكل هائل وتحولت لفيلمين سينمائيين، لأنها رواية خاطبت الغرائز المكبوتة، وهي تتحدث عن فتاة صغيرة يفسدها من تزوج أمها وهي أصلاً كانت مؤهلة للفساد، ولـ(نابكوف) روايات عظيمة أهم من (لوليتا) ولكنها لم تطبع وتنتشر بمثل ما انتشرت تلك الرواية، ولأنها خاطبت المسكوت عنه لاقت هذا الرواج المذهل.

المشهد العراقي يشبه المصري إلى حد ما

* وهل نجح السرد العربي في ذلك؟

- نعم لدينا روايات ممتازة في هذا الجانب وخاطبت المسكوت عنه، لكنها وللأسف لم تستخدم التوابل الشهية للقارئ بالقدر الكبير، فمثلاً لدينا رواية (عمارة يعقوبيان) فيها الشذوذ الجنسي، وتجدها تتحدث عن رشوة الحكام ابتداءً من مبارك ومروراً برجاله، والتجارة بالجنس والناس والأموال، نعم فيها توابل ولكن ليس بالقدر المطلوب الذي يغري القارئ.

* ما تصوركم عن المشهد العراقي المعاصر، وهل من قراءة مستقبلية لما ينتجه هذا المشهد بالمقارنة مع ما حصل في مصر؟

- أنا برأيي إن المشهد العراقي المعاصر فيه شبه مع المشهد المصري، وربما يكون موقفكم انتم أصعب لكون التغيير الذي حصل عندكم جاء عن طريق الاحتلال، وهذا ما أفرز قوى فاسدة كثيرة كالقاعدة وغيرها، وزرع سموماً كثيرة، والاستعمار دائماً يقوم على مبدأ ثابت هو فرق تسد، والعراق الآن يعاني من مشاكل طائفية، وهذا ما أفرز ارتباكاً هائلاً في المشهد العراقي، نعم لدينا ارتباك في المشهد المصري لكنه بالمقارنة معكم قليل جداً، فكلنا الآن في مرحلة ارتباك، أي في مرحلة ما بين اللون الأبيض والأسود، ولكن برأيي إن نهاية هذا الارتباك سيكون للون الأبيض، لأن هناك مؤشرات إيجابية أفرزتها الثورات، لكن الثورة لابد من أن يتغير فيها كل شيء وهذا يتطلب جهداً ووقتاً من غير المنطقي أن نقفز عليه.

حسب الشيخ جعفر آخر الشعراء العظام

* برأيك هل ما يزال الشعر العراقي يحتفظ بريادته على مستوى الوطن العربي؟

- بالتأكيد. الشعر العراقي له الريادة وهذا شيء تاريخي لا يمكن لعاقل أن ينكره، فمن الذي ينكر أن الشعر العربي الحديث ولد في بغداد، على أيدي نازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، وفريق رائع من الشعراء العظام آخرهم حسب الشيخ جعفر.

* برأيك ما أسوأ خسارات الثقافة المصرية في حقبة مبارك؟

- أنا عندي نظرية تقول إن القمع ينعكس على المقموع، فيعيد المقموع إنتاجه على من حوله، فعندما تقوم السلطة بقمع الموظف مثلاً، سيعكس الموظف القمع على عائلته، ونفس الشيء عندما يقمع المثقف سيعكسه على المثقفين، ومن هنا برز مناخ من الخوف والتكفير، وأصبح المثقف المصري واقعاً ما بين مطرقة الجماعات الإسلامية التي تكفره، وسندان جماعات ثقافية معارضة تقوم بتخوينه، وفوق هذا وذاك تسلط سيف الاستبداد السياسي عليه.

 

نشر هذا الحوار عام 2012

في صحيفة المدى