في ذكراه العشرين..حسين جميل .. اسرته وبداياته

في ذكراه العشرين..حسين جميل .. اسرته وبداياته

رفعة عبد الرزاق محمد

في يوم الأثنين السابع من كانون الثاني 2002 الموافق لليوم الثالث والعشرين من شوال 1422 ، رحل عنا الاستاذ حسين جميل ، الشخصية الوطنية والديمقراطية الكبيرة التي واكبت الحركة الوطنية العراقية منذ نشوؤها في عشرينيات القرن الماضي .ولم يكن اسم حسين جميل مألوفا لدى مؤرخي السياسة العراقية الحديثة فحسب، بل كان اسماً بارزاً في الدراسات القانونية والدستورية، ثم البحث في تاريخ العراق الديمقراطي والنضال من اجل الديمقراطية ، فضلا عن كونه وجها اجتماعياً مرموقاً في الاوساط الثقافية العراقية والعربية.

ولم تزل سيرته السياسية والقانونية موضع الدراسة في اكثر من مؤسسة اكاديمية، وكانت طالبة الماجستير بشرى سكر الساعدي قد انجزت رسالتها عن حياة حسين جميل ودوره السياسي الى عام 1954 ونوقشت عام 2003، ثم تلتها دراسات اخرى جديرة بالنشر والتنويه ، ولكاتب هذه السطور صلة طيبة بالاستاذ الراحل حسين جميل، منذ اواخر السبعينيات من القرن المنصرم، وقد تعرف عليه في مجلسه بمكتبة المثنى واستمر الامر الى رحيله في الاسبوع الاول من عام 2002. والمقال التالي اطلالة سريعة على اسرة حسين جميل، ونشأته وتكوينه الفكري والارهاصات الاولى لنشاطه العام الذي استمر زهاء السبعين عاماً حتى اصابته أوصاب الشيخوخة في السنين الاخيرة من حياته.

ان اسرة (الجميل) من الاسر المعروفة ببغداد منذ القرن الثامن عشر، وقد نزحت من مدينة (حماه) السورية الى (عانه) ثم بغداد، وقد اكد حموية اسرة، الاستاذ منير القاضي نبض الوجدان في مقدمته لديوان الشاعر حافظ جميل نبض الوجدان ، بينما ذكر الصحفي والاديب خالد الدرة الصديق الحميم لأسرة الجميل ان هذه الاسرة شامية الأصل وان اول من عرف منها الشيخ عبد الجميل الذي عاش في دمشق في القرن السابع عشرن وكان معروفا بانتسابه الى البيت النبوي الكريم كما توجد اشارات عديدة الى هذا النسب الرفيع. اما اسرة الجميل، فتنتسب مباشرة الى جميل بن الملا عبد الجميل بن عبد الجليل وقد عاش في دمشق في خان الزيت مجاوراً لدار والي دمشق عبد الله باشا، وقد انتقل جميل هذا الى (حديثة) أو (عانة) ثم رحل الى بغداد واستقربها، وانجب هذا ولداً سماه (محمد) امتهن العمل التجاري ونجح فيه واصبح من تجار بغداد الكبار ولعله كان السبب الرئيس في ثراء هذه الاسرة وذيوعها فيما بعد.

توزع ميراث محمد جميل على اولاده الاربعة عبد المحسن وعبد الحميد وعبد الغني وعبد الجليل بعد وفاة ابنه الاكبر (محمد صالح) في حياته.. وقد اشتهر من هؤلاء الابناء الشيخ عبد الغني الجميل مفتي بغداد وقائد انتفاضتها ضد تسلط احد الولاة العثمانيين. انتهى عهد المماليك ببغداد بسقوط داود باشا الوالي المملوك الكبير، ورافق هذا السقوط حوادث مروعة شهدتها بغداد، وقد ذكرتها كتب التاريخ كثيرا، وتولى ولاية بغداد الوالي التركي الجديد (علي رضا الز) الذي اوقع بالمماليك مذبحة كبيرة بهدف استئصالهم وعدم الابقاء على بقية باقية منهم، وقد وقف مفتي بغداد الشيخ عبد الغني الجميل معارضاً لقسوة الوالي الجديد، وقاد انتفاضة شعبية ضد الحكم الجددي ووقعت معارك دامية بين الجيش العثماني واهالي بغداد، كان اهمها ما جرى يوم 28 مايس عام 1832 اذ ضربت محلة (قنبر علي) وهي المحلة التي تضم اسرةالجميل.. فهدمت دار المفتي ونهبت مكتبته واحرقت. واستطاع الجميل واسرته الفرار الى جانب الكرخ من بغداد واحتمى بعشيرة (عكيل) ثم هرب الى مدينة عانة وعاد فيما بعد.. كان عبد الغني الجميل مفتيا نزيها، وعالما مرموقا وشاعرا مجيدا، فضلا عن كونه من وجود المجتمع البغدادي في الصف الاول من القرن التاسع عشر، وقد ذكر لي الاستاذ حسين جميل، انه وان لم ينحدر من سلالة عبد الغني جميل.. فأنه كان مولعاً باخباره وجمعها والافتتان بها.

ذكرنا ان اسرة الجميل تنحدر من اولاد محمد جميل.. هم عبد الجليل وعبد المحسن وعبد الغني ..اما عبد الحميد فلم يكن له عقب.. وقد برز في هذه الاسرة العديد من الشخصيات البارزة والفاعلة في الحياة العراقية العامة. مثل محمد جميل الذي ذاع صيته في نهاية القرن التاسع عشر وولده عيسى وذريته ومنهم فخري الجميل.. كما بهذا اسم عبد الرحمن الجميل، وعبد الجبار الجميل وهما من رجال القانون قبل تأليف الدولة العراقية والشيخ عبد الجليل الجميل احد علماء بغداد المرموقين واولاده حافظ جميل الشاعر العراقي الكبير وشقيقه عبد القادر الجميل المدعي العام والموظف الرفيع في مجلس الوزراء.. ومنهم ايضا عبد المجيد جميل وهو من القضاة المعروفين وابو الاستاذ حسين جميل.

ولد الاستاذ حسين جميل..( حسين بن عبد المجيد بن احمد بن عبد الجليل بن محمد بن جميل بن عبد الجميل) في كربلاء يوم 8 شباط عام 1908 في دار جده احمد الذي كان يومذاك قاضيا في هذه المدينة المقدسة.. وهي الدار نفسها التي سكنها القاضي عبد المجيد جميل، ابو حسين جميل عندما عين قاضيا في كربلاء عام 1921. وفي بغداد ادخله ابوه الكتاتيب في محلة قنبر علي ثم ادخل المدرسة الابتدائية عام 1917 وهي (مدرسة الكرخ الابتدائية) وكان ينتقل مع ابيه القاضي، حتى دخل الثانوية (المركزية) ببغداد، وفي هذه الثانوية الشهيرة اخذت الخطوط العامة لتكوينه الفكري ترتسم وبدأ اسمه يعرف في اكثر من مناسبة ، فضلاً عن عشقه للقراءة منذ فترة مبكرة من حياته واستمر الامر الى النهاية، وكان يجد في داره مكتبة كبيرة هي مكتبة والده وتطغى عليها كتب الفقه والشريعة والقانون ، غير ان شقيقه الاكبر (مكي) وابن عمه (عبد العزيز) كانا يجلبان الكثير من الكتب الحديثة المطبوعة في القاهرة والشام ، وكان ذلك من اسباب تفتح حسين جميل على بعض الافكار الحديثة التي توسع في معرفتها والتأثر بها فيما بعد .( إضافة : التحق تلميذاً في الأول الابتدائي في السنة الدراسية 1917-1918، وذلك في مدرسة (باب الشيخ) الابتدائية، ثم انتقل في السنة الثانية إلى مدرسة الكرخ الابتدائية، أمَّا في السنة الثالثة 1919-1920 فقد انتقل مع والده إلى العمارة، حيث أكمل دراسته الابتدائية هناك. وفي السنة الدراسية 1922-1923، بعد ان حصل على نتيجة (ناجح باستحقاق) في الامتحانات الوزارية الابتدائية، انتقل حسين جميل إلى المرحلة الثانوية في بغداد ).

كان لحسين شقيق أكبر توفي صغيراً. أمَّا أشقائه الآخرون فهم: مكي وهاشم وطالب الجميل. وكانت طفولة حسين جميل غير مستقرّة، إذ رافق أسرته في تنقلاتها من منطقة إلى أخرى، بحكم طبيعة عمل والده، حيث انتقل من بغداد إلى النجف أولاً، ثم إلى بعقوبة، وبعدها إلى العمارة. وقد طبعت صورة تلك المناطق في ذاكرة حسين جميل، حيث كان يتذكّر أسواق تلك المناطق وشوارعها وطرقها وبعض حوادثها، كما يبدو ذلك واضحاً في مؤلَّفه المعروف «العراق شهادة سياسية» وفي مقابلاته وأحاديثه.لقد بقيت ذاكرة الاستاذ حسين جميل حية الى قبل نحو ثلاث سنوات من رحيله ، اذ بقيت بدوات النسيان للاحداث القريبة تضعف بينما بقيت ذاكرته للاحداق البعيدة وقادة .