100 عام على تأسيس الشرطة العراقية..بريطاني يكتب عن بدايات الشرطة في العراق

100 عام على تأسيس الشرطة العراقية..بريطاني يكتب عن بدايات الشرطة في العراق

ترجمة : د. أكرم عبد الرزاق المشهداني

عند احتلال البصرة، قام الضابط السياسي الأقدم (السير بي. زد. كوكس) قائد الحملة البريطانية القادمة من بومباي باستصحاب عدد من ضباط وأفراد الشرطة الهنود المتمرسين مع عدد آخر من المساعدين القديرين اغلبهم سحبوا من مقاطعات الشمال الغربية، لكونهم علي مقدرة بالتكلم بالعربية والفارسية الدارجة.

  وخلال أسبوع من إحتلال البصرة، أصدرت قيادة قوات الإحتلال أمراً بتعيين الرائد غريغسون مديراً عاماً للشرطة في المناطق العراقية المحتلة، وتم تخويله صلاحية تعيين أفراد شرطة (كونستابل) وتشكيل مخافر شرطة في جميع النقاط المهمة.

 وقد اعترضت دائرة الشؤون الخارجية البريطانية على إطلاق تسمية (القوموسير) (الكومشنور Commissioner )على مدير شرطة المناطق المحتلة، لأن هذه التسمية وفقا للأعراف البريطانية لاتطلق إلا على (مدير الشرطة) في المدن الكبري (في بريطانيا حالياً يطلق اللقب هذا فقط علي مدير شرطة العاصمة الميتروبوليتان لندن و على مدير شرطة أيرلندا الشمالية فقط) ويعادل رتبة فريق، بينما باقي مدراء شرطة المقاطعات (الشاير) هم جيف كونستابل ويعادل لواء.

 لقد كان المبدأ التي تبنته سلطات الاحتلال هو تشكيل وتوحيد وضبط قوة الشرطة في المدن الكبيرة فوراً بعد الاحتلال من قبل الجيش البريطاني، أما المدن الصغري فتم تعيين مجندين محليين (قوات الليفي) لهذا الغرض مستقلين عن الشرطة النظامية.

كان مديرو الشرطة خلال السنوات الثلاث الأولي من البريطانيين والهنود وعند احتلال بغداد أضيفت أعداد من الجنود البريطانيين مع شرطة متمرسين من بريطانيا إلي القوة كمعلمين، وكضباط مراكز، وقد تآلف الناس معهم لأنهم وجدوهم أفضل منطقاً واحتراماً من ضباط الشرطة العثمانيين الذين كانوا يضربون الناس ويضطهدونهم.

 لقد وجد ضباط الصف العرب أنفسهم منساقين للالتزام بالزي الرسمي الموحد للشرطة وخاصة من حيث السراويل القصيرة والركب العارية التي كانت مصدراً للمرح الممزوج بالاشمئزاز، وسرعان ما استوعب العرب الإيعاز والحركات مثل زملائهم البريطانيين والهنود، وانعكس ذلك في تصرفهم مع الجمهور ونظرة الاحترام التي يلقونها منهم.

وكان أهم نتيجة مباشرة لهذه البداية الطيبة أنه في مستهل سنة 1919 صار من الممكن إدراج قليل من العرب المناسبين المتحدرين من أسر كريمة للتدريب في سلك الشرطة الجديدة ليكونوا ضباط شرطة. وتم تأسيس مدرسة لتدريب المفوضين تدرس فيها مواد القانون وأنظمة الشرطة والتدريب العسكري وركوب الخيل واستخدام السلاح... الخ.

 كما تم إرسال عدد من العراقيين إلي الهند لدراسة نظام طبعات الأصابع، وقد أثبت هذا التطور نقطة انعطاف إيجابية في نمو منظمة الشرطة العراقية. لقد كان للشرطة العثمانية سمعة سيئة لذا كانت الأسر المرموقة لا ترسل أبنائها للخدمة في الشرطة، كما أنه لم ينصح بإعتماد عناصر شرطة ممن كانوا مستخدمين لدي الشرطة التركية. ولقد إستعانت سلطة الإحتلال بأعداد من رجال الشرطة الصوماليين المدربين سابقا لدي الشرطة البريطانية في (محمية عدن). وإلي حد عام 1918 كان الهرم المسؤول عن قوة الشرطة هم من البريطانيين والهنود بصورة كلية تقريباً.وفي عام 1919 بدأت العناصر العربية بالدخول في مسؤوليات الشرطة، ومع قدوم عام 1920 بدأت قوة الشرطة تفتح سجلاتها باللغة العربية، وبدأ ممثلو الإدعاء العام من الشرطة يظهرون في المحاكم دون مساعدة من البريطانيين، وتم خفض عدد عرفاء الشرطة البريطانيين وحل محلهم العرب المدربون.

أما مديرية شرطة التحقيقات الجنائية  (السي آي دي) فقد تأسست عام 1917 بالبصرة إبتداءً، وكانت تدعى مكتب طبعات الأصابع، ثم نقلت إلي بغداد، وكانت تضم قسم طبعات الأصابع، ومديرية للجوازات وكان البلد يدين لأنشطتها كثيراً، أما شرطة السكك التي تمتد أنشطتها إلي جميع منظومة قطارات سكك الحديد، فإنها جزء لا يتجزأ من المنظومة، وتتمتع بثقة معروفة ولدرجة ملحوظة وكان لرجال شرطة السكك دور مهم في حماية خطوط السكك وكان وجودهم في القطارات يبعث على الإرتياح والطمأنينة خوفا من تعرّض القطارات للسلابة وقطاع الطرق.

 عند احتلال البصرة عام 1916 كان إجمالي قوة الشرطة العراقية الجديدة (400) عنصر، وعند إحتلال الموصل أصبح العدد (950)، وعند إكتمال إحتلال العاصمة بغداد بلغ عدد أفراد الشرطة العراقية (2000 عنصر تقريبا)، وجرت إضافات أخري عام 1920 علي مهمات وواجبات الشرطة وأصبح حجم قوتها يبلغ (2628) فرداً.

 تعيين نوري السعيد أول مدير

عام للشرطة العراقية عام 1921

وفي عام 1921 تم تعيين (المقدم بريسكوت) مفتشاً عاماً للشرطة خلفاً للمقدم غريغسون، ودعا بريسكوت إلي تطوير حجم قوة الشرطة فوصل إلي قرابة (6000) فرداً عام 1922 مع تنسيب مدير عام عربي لرئاسة الشرطة هو (العقيد نوري السعيد).

وفي عام 1928 وصل عدد قوة الشرطة (6800) بضمنهم (40) مدير ومعاون شرطة، و (182 مفوضاً عربياً) و (6500) فرد شرطة نصفهم تقريباً من الخيالة، وكان عدد المفتشين الاستشاريين البريطانيين (12) شخصاً.

عدد نفوس العراق كان آنذاك (750. 2 مليونان وسبعمائة وخمسون ألف) نسمة ومساحته (166 ألف) ميل مربع و ذو طبيعة جغرافية صعبة ومتنوعة مما فرض ضريبة ثقيلة علي عمل الشرطة، خاصة في مجال حماية خطوط الاتصال والتجارة داخل البلد، فلدي العراق زهاء (600) ميل من الأنهر الصالحة للملاحة و (600) ميل من خطوط سكك الحديد وحوالي (1000) ميل من طرق السيارات الداخلية خاصة أنها تستعمل بصورة واسعة من قبل 20 ألف ــ 40 ألف حاج من ست جنسيات سنوياً يعبرون العراق من الشمال والشرق باتجاه نجد والحجاز.

أما شرطة الكمارك لحماية الحدود الغربية، فقد جهزت بـ 3 سيارات مسلحة تحمل اللاسلكي تعمل من قبل مشغلين عراقيين تم تدريبهم في القوة الجوية الملكية RAF، واستخدمت هذه السيارات بمصاحبة الشرطة الراكبة المصاحبين لموظفي الكمارك. وكان هناك طريقان رئيسيان للتجارة الخارجية والمسافرين، الأول (طريق موصل ــ حلب) والثاني (طريق بغداد ــ دمشق) يغطيان مسافة 1200 ميل من طريق الصحراء يسافر عليهما ما يربو علي عشرة آلاف مسافر سنوياً بالسيارات أو علي الجمال.

 التشابه بين نظامي الشرطة في العراق والهند في فترة التأسيس:

  كان نموذج نظام شرطة العراق قريب الشبه بالنظام الهندي ولعل الشرطة هي المديرية الوحيدة من بين مديريات الحكومة في العراق من حيث اكتمال بنائها علي الخبرة العراقية الجديدة وبدأ المستشارون البريطانيون يغادرونها عاماً بعد عام وبدأ العمل بنظام إدارة مركزي مسيطر من بغداد، وأصبحت مديرية الشرطة العامة قادرة علي الدخول في تعاون ثنائي مع الإدارات المقابلة لها في الهند وفلسطين وإيران وسوريا وتركيا وبنتائج بالغة الرضا.

عدم تدخل السلطات السياسية  في مهمات الشرطة الادارية

  وفي العراق بالذات كانت الشرطة تقوم بواجباتها بصورة حرة دون أي تدخل في أمورها الإدارية من قبل السلطة السياسية.

يجب أن لا يغيب عن البال إن ضباط الشرطة البريطانيين الذين أرسلوا من الهند لم يتم اختيارهم بشكل خاص لزمن السلم، إنما أغلبهم لم يكن راغباً لسحبه من كتائب المشاة. ولكن لابد لنا من القول إننا فخورون تماماً عن الخدمة التي صنعت رجالاً قادرين في مثل هذه الظروف علي قلب الأمور نحو الأحسن لتحقيق هذه النتائج.

 إن سجل شرطة العراق قد وجد نظاماً جيداً ونموذجاً فريداً أوجده الموظفون البريطانيون علي خطوط ومسارات بريطانية ونجحوا أن يجعلوه عربياً، وبذلوا جهودا ملحوظة في صنع خدمة أكثر تحرراً من الفساد وسوء التصرف الذين كان منتشراً في أقطار الشرق آنذاك علي حد علم الكاتب.     ويختتم كاتب المقال بالقول: أقدم الشكر لضباط الصف العراقيين الذين أثبتوا أن منح راتب المعيشة (رغم ضآلته)، والدعم الرسمي، والتدريب المنظم، جعلهم قادرين علي أداء الواجب دون خوف أو محاباة أو تصنع. وأنه مع هذه الصفات الموسومة مع التطور فإن هناك أملاً للمستقبل أمام عراق عريق ذي جذور ضاربة في عمق التاريخ ومملكة فتية.

Iraqi Police: A notable Example of British Administrative Adaptability نشرت في The Police Journal عدد شهر آذار  1928.