ناجي السويدي رجل دولة.. وفقيه الدستور

ناجي السويدي رجل دولة.. وفقيه الدستور

عبد القادر البراك

لما طلعت علينا الصحف المحلية بنبأ تحقق الامنية الاخيرة لفخامة الراحل الكبير ناجي السويدي في ان تضم رفاته الارض التي انبتته، دهمتني سورة نفسية كتلك السورات التي تفجأ الشخص حين يواجه بمامله – بعد طول التحرق للفضى الى البأس – على غير ترقب ولا انتظار!

ذلك لانني اعتبر عدم قيام الكتاب والساسة بتعريف الجيل الطالع بمقومات فخامة ناجي السويدي – وسواء ممن ملكوا مثل مزاياه الشخصية ومؤهلاته العلمية، ودربته في مختلف مناحي الحياة التي ضرب بنشاطه فيها لخدمة بلده تهاون مخل بحق تاريخ العراق السياسي الحديث، فضلا عما فيه من بخس لجهود انسان ! جاهد – والجهاد عمل نبيل لذاته على ما يقول «جوت».

ولقد قلت لنفسي – وانا في غمرة ما دهمني حين اطلعت على خبر نقل رفات فخامة السويدي الى العراق – ان هذه هي الفرصة الاخيرة التي يجب ان يهتبلها رجال الفكر والسياسة والقلم لا يفاء حق هذا الفقيد الشهيد ان كان من وكدهم ايفاء حق العاملين، ومن هجيراهم نصفة المخلصين المغبونين، او شجب المجرمين المستعلين!! فان لم يحرك هذا النبأ الا القلة الضئيلة من هؤلاء فبالقيمة لحهود وبالرزية البلد العاق الكنود!

واردت لنفسي الاسهام في هذه المناسبة فوجدتني حيال رجل ذي حياة عريضة كما يقول ابن سيناء – لا يتسع للكاتب العجلان التبسط في التحدث عنها لسعتها وتباعد ما بين اطرافها، ولا يطبق اجمالها لانها بمجموعها فنية بالتحدث والتنويه.

ولن يتهيأ للكتاب استخلاص حقيقة السويدي دون الجلد الذي يقتضيه تتبع هذه الحوادث واستخلاص القليل الذي يدل على الكثير. استخلاصا يرضى الحق والتاريخ. ولكن كل ذلك لم يصدق عن ان اقصر موضوعي على ناحيتين هامتين من نواحي حياة هذا الفقيد يستطيع القارئ من خلالهما ادخال اي حادثة تتعلق به ضمن هاتين الناحيتين ليأمن الزلل ويتوقى الشطط.

واول هاتين الحقيقتين هي ان اعداد “الفتى” ناجي السويدي المنحدر من اصلاب العباسيين، والنامي في احضان رجال انقطعوا لخدمة العلم في ذلك الوقت كان اعداداً لخدمة دولة عظمى – هي الدولة العثمانية – وان الفتى السويدي قد ملك – بحكم البيت الذي ربى به يوحكم الامل الذي عقده ذووه على جهوده – كل ما يؤهله لان يكون على رأس العاملين في تثبيت كيان الدولة. فلما ان اعلنت الثورة العراقية وابلى يوسف السويدي وابناؤه الميامين الجهود في سبل تثبيت الحكم الوطني تحت ظل جلالة الملك فيصل كان الرجل ناجي الذي اعد لخدمة الدولة العثمانية في طليعة العاملين على خدمة الدولة العراقية الفنية برصده الذي ترسب في ذهنه ونفسه وقلبه يوم ارادوا اعداد. لخدمة الدولة العلية.. ! وطبيعي ان هذا الرصيد الضخم كفيل بان يحقق للدولة العراقية في ذلك الابان ما كانت تلتوي تحقيقه ولقد طغت “شخصية رجل الدولة” عليه فما تركت له لونا في السياسة الحزبية !! وايام استحواذ روح اليأس على كافة الساسة العراقيين بعد انتحار السعدون – رحمه الله – شخصت الابصار الى ناجي السويدي – لهذه الظاهرة فيه – لرأب الصدع وتجديد مارث من روح التطلع الى النهوض بالبلاد. ورددت الاوساط ما جهر به الاستاذ الجواهري.

ناجي لسان النثر قم واخطب بهم

واعن لسان الشعر يا “ميرابو»!

ولقد بلغ من اعتداد ناجي السويدي بشخصية (رجل الدولة) جدا يستطيع الكشف عنه من يرجع الى محاضر جلسات مجلس النواب والاعيان ليلمس في خطب هذا الفقيد حدة الذهن وسعة النفس والتقصي البعيد والادراك الصحيح مع البيان العذب الذي لا يرقى به الاعتداد الى النفج ولا تنحدر به الخصومة الى البذاء، مضافا الى ذلك براعة الاستعانة بالامثال الشوارد.

ومتى بلغ الانسان غاية ما يطمح اليه في التعبير عن كفاءاته دبت الى نفسه روح السخر، التي لا مجد متنفسا لها الا عند ذوي النفوس الكبيرة ولعل ابلغ سخرية للفقيد الغالي تلك الحادثة التي استشهد فيها ببيت رائع من الشعر يثنيك عن اكثر من جانب من جوانبه فقد حدثني بعض من اثق به قال:

حين التأت الامر على القائمين بحركة مايس 1941 التي كان السويدي من اقطابها قر رأي الوزارة القائمة انذاك على ايفاد الفقيد الى المملكة العربية السعودية فامتثل للامر على الرغم من “للعبة” التي كشفت له عدم توقعه توفيقها ونجاحها، وما ان وصل النجف حتى تصدى له من يسأل عن حقيقة الحال فلم يزد في جوابه على تمثله بالبيت المشهور:

اذا قلت لا ادري فتلك مصيبة

وان قلت ادري فالمصيبة اعظم!

وقد كان حرياً بي ان لا اصدق هذه الحادثة برغم يقبني الثابت بعدم استغراب وقوعها من رجل دولة مدرك ساخر كالسويدي. ولكن فخامة الاستاذ توفيق السويدي. اكد هذه الحادثة يوم اراد بعض النواب والاعيان الاعتذار عن بعض من ايدوا حركة مايس بأنهم كانوا مضطرين ومقسرين! لقد اجاب فخامة توفيق السويدي بان السياسة لا تعرف الاضطرار وان السياسيين الجادين لا يتذرعون بمثل هذه الذرائع التافهة!. قالها دون ان يفكر بان يشفع لاخيه الكبير وهو في منفاه الساحق الرهيب وذلك لادراكه حقيقة ما تنطوي عليه نفسية هذا الاخ!.

وثاني هاتين الحقيقتين ان ناجي السويدي ممن ساهموا في وضع اكثر القوانين والانظمة المعمول بها اليوم العراق وقد اعانه (دور اعداده) في الاسهام باعداد القوانين، كما مكنته عارضته القوية وبيانه السائغ من اليأس كل ما يراه ثوبا يقنع به معارضيه قناعة لا يعقبها الندم ولا يخشى عليها من المعاودة!

وهو في هذه الناحية قريب من المحامي الخطير والمجاهد الكبير ابراهيم بك الهلباوي. الذي يشهد له كل رجال القانون بقدرته على ان يلبس الرأيين المتعارضين من الاسباب الثبوتية ما يضمن لكليهما البقاء! وقد جرت هذه الذهنية على (الهلباوي) نقمة الاوساط الوطنية في مصر يوم تولى الدفاع عن (النيابة) في حادثة (دنشواي) كما جرت هذه الذهنية على الفقيد السويدي النهاية التي تمت فصولها بعودة الرفات الى البلاد.

رحم الله ناجي السويدي فلقد كان رجل دولة.. وفقيه دستور!

عن كتاب (اعلام من الشرق)