رحيل منى السعودي: اتهمت بمحاولة اغتيال بن غوريون وصارعت الحجر والضجر

رحيل منى السعودي: اتهمت بمحاولة اغتيال بن غوريون وصارعت الحجر والضجر

في عام 1969 تم اعتقال الفنانة التشكيلية الأردنية من أصول فلسطينية (منى السعودي) في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بتهمة تورّطها في محاولة الاغتيال التي تعرّض لها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ديفيد بن غوريون في الدنمارك حين كان خارج منصبه، يقوم بجولة أوروبية لجلب الدعم لإسرائيل.

أدّى هذا الاتهام إلى منع إقامة معرض الفنانة التي كانت تبلغ من العمر 24 عاماً في المكتبة العامة في كوبنهاغن.. وإن كان قد أقيم في مكان آخر في المدينة نفسها، وفق ما ذكرت صحيفة (عمّان المساء)، التي ذكرت أيضاً أن هذا الاتهام قد أوقف جولة منى السعودي التي كانت تنوي أن تنتقل بمعرضها إلى هولندا والسويد.

وهكذا تكشف سيرة حياة هذه الفنانة التشكيلية الرائدة التي قارعت الحجر بإزميل أنثوي من حرير وصبر وعناد، عن نبوغ مبكر.. مكّن الفنانة التي لم تتم العقد الثالث من عمرها أن تقيم معارض تشكيلية لأعمالها في أرقى الدول الأوروبية.

وُلدت منى السعودي في عمّان عام 1945، وتلقّت علومها الأولى في مدرسة زين الشرف بعمان، ثم حصلت على الشهادة الثانوية من القاهرة في مطلع ستينات القرن العشرين، قبل أن تتوجه إلى باريس لتلتحلق بـ (المدرسة العليا للفنون الجميلة) وتتخصص في النحت بالحجر، وتقدّم أولى منحوتاتها في عام 1965 وكان موضوعها الأمومة.. أقامت معارضها الأولى في عمان عام 1963، وفي عام 1964 وكانت بيروت حينها منارة ثقافية عربية أقامت أول معرض لها في فندق الكابيتول في بيروت.

علاقة منى السعودي بالقضية الفلسطينية لم تتوقف عند ما حدث معها عام 1969 فقد تفتّح وعيها على النكبة الفلسطينية حين جاءت عمّتها وعائلتها مشرّدين من “مجدل غزة” إلى عمّان، أما بعد هزيمة حزيران عام 1967 التي سلّم فيها وزير الدفاع حافظ الأسد الجولان لإسرائيل التي تمكّن جيشها من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وصحراء سيناء، فقد نشطت منى السعودي في أوروبا لجمع التبرعات لللاجئين الفلسطينيين الذين انضمّوا لإخوانهم منكوبي عام 1948، كما أقامت معرضاً وباعت جميع لوحاته وتبرّعت بثمنها لمشرّدي وطنها بعد أن أرسلت ما جمعته عبر الصليب الأحمر الدولي، ثم عادت إلى الأردن واتجهت إلى المخيمات تعلّم الأطفال الرسم، ثم أقامت معرضاً في مخيم البقعة ضمّ رسوماتها مع رسومات أطفال المخيم.

تعدُّد المواهب والإسهامات

لم تكتفِ منى السعودي بموهبتي الرسم والنحت، إنما خطّت طريقها إلى الشعر أيضاً.. وبحكم وجودها في بيروت تعرّفت إلى نخبة من الشعراء الذي شكّلوا المناخ الثقافي الحداثي في تلك المرحلة.. كما نشرت قصائد عدة لها في مجلة (شعر) التي أسسها يوسف الخال، وقيل إن هدفها تخليص الشعر العربي من أوزانه وقوافيه وجموده.. وتبنّي قصيدة النثر.. وفي قصيدة لها نُشرت في مجلة (شعر) عام 1968 تحت عنوان: (سلاماً أيتها الطيور المسافرة) نقرأ:

سكرى بالهواء والليل والشجر

سكرى أطوي بحور النسيان

أرى الشواطئ فأميل عنها بشراعي

نحو لا نهاية المياه

أعدّ الأمواج واحدة.. واحدة

أصرخ بالبحر: مزيداً من البعد.. مزيداً من البعد

في الشواطئ الضجر!

شكّلت منى السعودي في مواهبها المتعددة جسراً بين الفنون، وإلى جانب كتابتها للشعر فقد رسمت من وحي أشعار محمود درويش وأنسي الحاج وسان جان برس ومُقلّده أدونيس. كما أصدرت قصائدها في مجموعتين الأولى: “رؤيا أولى” عام 1970 والثانية “محيط الحلم” عام 1993.

منحوتاتها جابت العالم

زيّنت منحوتات منى السعودي ميادين عامة عدة في العاصمة الأردنية عمّان منذ ستينات القرن العشرين، وأبزرها منحوتة الغرانيت (نمو) التي تنتصب في الدوار السادس بعمان منذ عام 1983.. ناهيك عن منحوتات أخرى في عواصم عربية وخليجية عدة.. أما منحوتتها الشهيرة (هندسة الروح) فقد زينت ساحة معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية. كما أقامت عبر مشوارها الممتدّ لأكثر من نصف قرن مع الفن التشكيلي معارض كثيرة لأعمالها في النحت والرسم في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا. في حين تم اقتناء أعمالها في (المتحف البريطاني) و (المتحف الوطني للفنون الجميلة) في الأردن، و(متحف غيغنهايم) و(معهد الفن) في شيكاغو، و(معهد الفن) في ديترويت في ولاية ميشغان الأمريكية.

سُئلت منى السعودي ذات مرة عن الفرق بين الرسم والنحت.. فقالت ببلاغة فنانة محترفة وشاعرة مرهفة: “هناك سرعة في الرسم وخفّة في الورقة، في حين أن النحت يتولّد من الحجر وفق عملية أخرى، فيمكن القول إنه في الرسم يثرثر الفنان، في حين أنه في النحت يجب تتبّع الحجر وقدرته على احتمال التفاصيل، ولهذا يكون النحت اختزالياً إلى الحد النهائي”. وبالفعل جسّدت منى السعودي في منحوتاتها هذا الحد الاختزالي النهائي، لامرأة صارعت عقوداً وهي تستنطق الحجر.