فى وداع سيدة الأحجار والكلمات..

فى وداع سيدة الأحجار والكلمات..

د. محمد الناصر

رأت فى «الحجر» شريكها الحميم فى رحلة امتدت عقودا من الإبداع التشكيلي. وفى وصف علاقتها بالحجر، قالت يوما النحاتة الأردنية الكبيرة منى السعودي، التى شيع أهل الفنون التشكيلية ومحبوها بالوطن العربى قبل يومين جثمانها «فيه غنى هائل وتنوع كبير وعالم لا محدود،

ولهذا السبب اقتصر عمرى على صداقة الحجر بصلاباته المتنوعة وألوانه المتعددة (الأسود والأصفر والأبيض والأحمر و... ) وعادة ما تكون علاقتى معه عفوية، فأنا لا أجبر نفسى على العمل بمادة ثانية، فطبيعتى أننى كلما لمست الحجر وبدأت العمل به، أحس كأن هذا الأمر يحدث للمرة الأولى فهو مادة حيوية لها تشكّلاتها الدائمة…».

وتكمل الفنانة فى تصريحاتها الموثقة: «أنا لدى روحانية للعمل فالمواد من الطبيعة.. وعبر علاقتى بالحجر أشعر بانتمائى للأرض والإنسان بمعنى شمولي، فهى أرض واحدة وثمة إنسان واحد أيضا».

ولا عجب فى العلاقة الخاصة التى جمعت الفنانة بـ«الحجر» فقد تفتحت عيناها على الآثار الرومانية المنتشرة بمنطقة «سيل عمان» بوسط العاصمة الأردنية، بل كان بيتها يقارب ما تبقى من «سبيل الحوريات» ذلك النصب التذكارى الذى تم تشييده قديما للاحتفاء بالحوريات وفقا للميثولوجى الروماني. ومن «سبيل الحوريات» كانت منى السعودي، التى هاجر والدها قديما من الحجاز لتولد عام 1945 بأراضى الأردن، تقطع رحلتها الطويلة سيرا على الأقدام قاصدة مدرستها. وكان لهذه الرحلة اليومية الفضل فى توثيق صداقتها بالطبيعة، وتمنحها مساحة غالية للتأمل والحلم.

تكبر منى وتشب على الحلم بالسفر، وتخطط له تخطيطا بعد زيارتها مرسم الفنان مهنا الدرة العائد من رحلته لدراسة الرسم فى إيطاليا. زاد هذا الحلم لديها، ترددها على المعارض المحلية للفنان كمال بلاطة، الذى كان يدرس وقتها فى روما. وكما أدركت رغبتها فى السفر مبكرا، أدركت أيضا أن أدوات الرسم والألوان ليست غايتها. ووجدت نفسها مفتونة بالمنحوتات، بداية من تلك التى عاشت بينها أولى سنوات عمرها فى «سيل عمان».

تقول الفنانة الكبيرة فلسطينية الأصول فى حوار سابق نشرته مجلة «فوج» الأمريكية: «أعمالى تمثل شخصيتى وبصمتى وأفكاري، فأنا أرى نفسى أرسم وألوّن وأشكّل وأنحت، فلكى تكون نحاتا ينبغى أن تكون عاشقا للأرض وما عليها وأن تلمس نبضها الحى» .

تحقق لمنى السعودى حلمها بالسفر بعد أن جمعت ثمن تذكرته من عوائد أول معرض أقامته فى مقهى الصحافة فى لبنان، حيث انتقلت للدراسة الجامعية.

ورغم معاندة والدها، سافرت للدراسة بمدرسة الفنون الجميلة فى باريس «بوزار» خلال السنوات الأولى من عقد الستينيات. وزادت على ذلك بإقامة معرض فيما كانت طالبة هناك. ولكنها اختارت نهاية المطاف العودة إلى الأوطان العربية، فقد وجدت أن الرابط بينهما وثيق بحيث لا يكفى أن يراعى عن بعد. فالوطن بقضاياه أمسك بروحها التى احتفظت بذكرى استقبال بيت ابيها أسرة عمتها الهاربة من الأراضى الفلسطينية وبطش الاحتلال الإسرائيلى فى عام النكبة 1948. وزيارتها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فى الأردن وحواراتها مع أطفاله عن أحلامهم ورسوماتهم.

كانت باكورة إبداعها «أمومة الأرض» 1965، وعدًّته العمل «الأم» لكل منحوتاتها. ومن أشهر أعمالها لاحقا، منحوتة «هندسة الروح» التى أهدتها المملكة الأردنية لتزيين مدخل معهد العالم العربى بباريس، ويبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار.

امتد إبداع منى السعودي، التى اتخذت لاحقا من بيروت مستقرا بين أسفارها، إلى مجال الشعر. فتكشف فى كتابها «أربعون عاما من النحت» الصادر عام 2007، أن علاقتها بالشعر وثيقة وممتزجة بحبها الأصيل للنحت، فبعيدا عن نظمها الشعر نظما وطرحها ديوانين «رؤيا أولى» 1970 و«محيط حلم» 1993، فإنها استلهمت بعض منحوتاتها من قصائد الشاعر الفلسطينى محمود درويش، كما استلهمت البعد الفلسفى فى شعر أدونيس الذى ترجم للعربية كتابا مشتركا لها مع الشاعر الفرنسى «ميشيل بوتور» تزاوج فيه الشعر مع منحوتاتها.

كما عملت على مجموعة رسومات من أشعار لعرب وأجانب كتحية تقدير وامتنان لهم، أبرزهم محمود درويش، وأدونيس، والفرنسى سان جون بيرس، وحتى الشاعر الجاهلى أمرؤ القيس. رحلة ثرية لامرأة أدركت تماما ما أرادت