من أوراق حسين مردان السرية

من أوراق حسين مردان السرية

شوقي يوسف بهنام

في قصيدته المعنونة ” زرع الموت ” يصور لنا حسين مردان ساديته التي يتلذذ بها ومن خلال صراعه مع شبقه الذي لا يرتوي . ويقدم تعليقا على القصيدة فيقول:

للحب طعم واحد. ولكن

لكل امرأة أسلوبا في الحب

واللذة الكبرى ليست في الحب

نفسه ولكنها في الأسلوب.

معنى هذا ان الحب هو على شاكلة واحدة وان اختلفت المسميات. ويرى مردان ان لكل امرأة فهما خاصا للحب أو أسلوبا تعبر به عنه. فعدد الأساليب إذن مرهون بعدد النساء !!. وذو الحظ السعيد هو من يعرف الأكثر من الأساليب من خلال نساء كثيرات. هذا ما يريد ان يقوله الشاعر لنا. ولكن يبقى الحب في مضمونه واحدا.

ويقول في القصيدة:-

إبليس والكأس والماخور أصحابي

نذرت للشبق المحموم أعصابي

من كل ريانة الثديين ضامرة

تجيد فن الهوى بالضفر والناب

تلك هي فلسفة حسين مردان في الحب وتلك هي نظريته عنه. والحب ان لم يقترن بالجنس فلا يعد حبا بشكل من الأشكال. علاوة على الطابع العدواني له. فاللذة الجنسية ينبغي ان ترافق أو ترتبط بفعل الإيذاء على الشريك الجنسي. ونميل الى الظن ان الفعل السادي عند حسين مردان نتيجة لعدوانه أو لحقده أو ثورته على العالم وخصوصا النساء. ويرى الحفني ان الممارسات السادية ” قد ترتبط باتجاهات عنيفة ضد الجنس بوصفه فعلا خاطئا وعملا لا أخلاقيا، وقد يحتمي السادي بها ضد رفضه للجنس وعجزه عن فهم الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك، وهي تمكنه في نفس الوقت من تحقير ومعاقبة الشخص الآخر لتورطه في السلوك الجنسي... وقد ينمو السلوك السادي من خبرات سابقة ارتبطت فيها الإثارة الجنسية بالألم، وقد تقوم هذه الارتباطات في ظل ظروف متنوعة، فقد يحدث خلال عملية التطور الجنسي ان تكون للكثير من الأطفال أفكار خاطئة عن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة أو بين الذكر والأنثى عموما، يغذيها ما يشاهدونه في الطبيعة بين الحيوانات والطيور، والقصص والحوادث التي يقرأونها، والأفلام التي يشاهدونها في التلفزيون والحافلة بالتعديات على النساء، وما يرونه يوميا من مشاهد التعذيب والقسوة التي ينزلها بعض الأفراد بالحيوانات أو الناس، وما يثيره ذلك من انفعالات قوية واستثارات جنسية غيرة مقصودة. وقد يلجأ السادي إلى أفعال معينة تكون بمثابة الطقوس يأتيها لاإراديا ويراعيها حرفيا كلما أتى إحدى النساء، وقد تفقد هذه الطقوس فاعليتها بالتقادم فيقلع السادي عنها أو يلجأ مضطرا إلى ما هو اشد فاعلية منها ليحصل على الإشباع الجنسي الذي يحتاجه.. وفي هذا المقطع إشارة الى استخدام الضفر والناب في فعل الهوى.. أي الفعل الجنسي. تقول مارزانو عن رمزية الأسنان على وجه العموم ” هناك وظيفة استخدام مغايرة تماما ترى في الأسنان تتمثل في وسيلة للدفاع عن النفس والعدوان والتهديد. كتب شكسبير في ” هنري السادس ” قائلا:” إن لم نستطع استخدام حجارة، نلجأ إلى أسناننا ”. هناك كتاب عن الدفاع عن النفس حديث يذكرنا أنه ” في مشاجرة،،إذا وجدنا أن أيدينا مجمدة، ويجب أن نعض، ما دامت الأسنان تفيد في الدفاع عن النفس أيضا ” زد على ذلك، انه يقال ” بأنه مسلح حتى أسنانه ”، أي مدجج بالسلاح، وهناك تراث من الصور يصور عن طيب خاطر قرصانا وسكينة بين أسنانه. غالبا ما نجد الأسنان كأداة هجومية في الأعمال المنحرفة، هذه السلوكات التي ليست موجهة ضد الشخص الذي أثارها. والعدوانية المنحرفة هي المثال الأكثر معرفة عن ذلك: في هذه الحالة تحرف العدوانية نحو جسم الشخص وإذا كانت الارادة الجرحية الموجهة ضد الذات بإمكانها القيادة الى الانتحار، فيمكن للشخص في هذه الظاهرات الأبسط ان يعض بغضب شديد على شفته السفلى ” وفي المقطع التالي نرى ان حسين مردان يجسد تلك السادية بسلوك الضرب على الأرداف كوسيلة من وسائل الحصول على اللذة. يقول الشاعر:-

وقع السياط على إردافها نغم

يفجر الهول في أعراقها السود

تكاد ترتجف الجدران صارخة

إذا تعرت: أهذا الجسم للدود؟!

(

يقول نيتشه: ” آذاهب أنت إلى امرأة. إذن فلا تنسى السوط ”. في هذا القول سادية ما بعدها سادية تجاه المرأة. و لا ادري هل استلهم حسين مردان هذا القول ووظفه في عبارته هنا؟. الا ان حسين مردان يذهب ابعد من قول نيتشه هذا. السوط أصبح بمثابة إيقاع موسيقي نغمي يزيد من فعالية الإثارة الجنسية عند المرأة كما سوف نلاحظ في قصيدته المعنونة ” نهاية قبلة ” في ما بعد. تلك هي وجهة نظر حسين مردان في هذه المسألة. وحسين مردان يجعل من جدران غرفته ان ترتجف متسائلة حين تتعرى فتاته أو “عاهرته ” بعبارته هو نفسه، كما سنرى ذلك في مقطع تالي..هل هذا الجسم مآله الدود. انه سؤال مفعم بالألم والحزن. انه سؤال الحسرة والحيرة أمام مصير الجسد.. هذا الكائن الجميل العجيب. السياط، هنا، كما قلنا، أداة تفجير مهولة للغرائز والرغبات تعمل على شكل سلم موسيقي. ويستمر حسين مردان في وصفه لقسمات عاهرته فيقول:-

صفراء تصطرع الثارت في دمها

من كل عرق بسم الإثم محتقن

تمتص من شفتي الروح في نهم

وتزرع الموت أسنانا على بدني

لنرى ما يخبرنا به الباحث اللبناني الدكتور خليل احمد خليل عن رمزية اللون الأصفر.يقول هذا الباحث ” لون كثيف، عنفي وحاد حتى الإثارة ؛ هو الأكثر حرارة والتهابا بين الألوان ؛ يصعب إطفاؤه، ويخلع دائما الآخر الذي يراد حبسه. انه لون الشمس، شعاعها الذي يخترق أثير السماء، معبرا عن الالوهة. في الاصفر يتماهى الذهب والشمس، الذهب والأثير اللذان يتصارعان فوق أديم الأرض، أديمنا نحن الذي يغدو أصفر بدوره، مع اقترابنا من الموت.

في ثنائي الأصفر – الأزرق، النور – الحياة، يكون الأصفر ذكرا، ميالا الى الوضوح، الى شقشقه الأبيض. ويكون حمالا للشباب والقوة والخلود.انه لون الآلهة: زرادشت يعني النجم الذهبي الساطع، النجم الحي الحر.

النور الذهبي وسيلة اتصال في اتجاهين وسيط بين الناس والآلهة. حبل من الناس وحبل من الله.

تستعمل السكين الذهبية في الهند لذبح الحصان القرباني، وفي المكسيك يعتقد أن الأصفر هو لون الأرض، أديمها الجديد في بداية فصل الأمطار.

الأصفر لون الخلود، مثلما الذهب معدن الخلود. كلاهما أساس الشعائر المسيحية (الصليب الذهبي، يوحنا فم الذهب: الأصفر والأبيض في علم الفاتيكان).

رمز خصوبة الأرض، وأيضا رمز الانحلال والشيخوخة

تلك هي رمزيات اللون الأصفر في التراث الانساني على وجه العموم. ولكن حسين مردان قد يوظف هذا اللون للإشارة على ارتباك فتاته أثناء الفعل الجنسي بوصفه خارج إطار النسق الاجتماعي