نص نادر..من مشاهير ظرفاء العراق في القرن التاسع عشر

نص نادر..من مشاهير ظرفاء العراق في القرن التاسع عشر

محمد بهجة الأثري

كان القرن الثالث عشر ثم هذا القرن الذي نحن فيه من احفل القرون التي مرت على العراق بعد سقوط الدولة العباسية بنوابغ الأدباء، وأكابر العلماء، وأمثال النبلاء؛ وقد مضى ردح من الزمن ولم أر من عني بتأليف كتاب يتكفل بشرح سيرهم ويوفيهم حقهم على اختلاف صنوفهم ومشاربهم - فحملني الكلف باجتلاء عرائس المأثور من المنظوم والمنثور.

وسير العظماء والمشاهير على تأليف كتاب جامع مانع يضم بين دفتيه تراجم من نبغ في هذين القرنين في العراق من مشاهير العلماء، ومجيدي الشعراء، وأخبار الأعيان والأمراء، وعظماء التجار والأغنياء، ومبرزي القراء والمغنين الظرفاء... الخ وظللت زمنا أتسقط أخبارهم من مختلف المصادر، واسأل عنهم من لقيت من الشيوخ الثقات حتى توفر لدي منها (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم).

وقد احب حضرة الأستاذ الكرملي أن انشر في كل جزء من لغة العرب نموذجا من ذلك يكون تحفة لقرائها، ومرجعا للباحثين عن تاريخ العراق. وهاأنا ذا محقق بغيته:

(نموذج من تراجم الظرفاء)..الملا طعمة بن عبد الوهاب

كان في بغداد من نوادر الإعصار يذكرك إذا سمعت أخباره أبا نواس في نوادره وغرائبه.

وهو ربيب الشيخ محمد سعيد الطبقجلي مفتي بغداد وجده صبيا يبكي عند باب جامع الحيدرية ضالا فسأله عن اسمه فقال: طعمة، وعن أبيه فقال: عبد الوهاب، فأخذه إلى داره وعني بتربيته وتهذيبه ووكل به من علمه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا، وتعلم الخط فجوده، ودرس اللغة العربية وشدا الأدب، وأتقن صناعة التجليد، وحذق ضروب الغناء والضرب على الكمنجة حتى اصبح في فنونه أعجوبة الدهر.

وكان مفرط الذكاء مجيدا في تقليد الحركات والحكايات والأصوات منقطع النظير في السباحة؛ يتصرف فيها تصرفا عجيبا ويأتي فيها ضروبا لا يكاد يقدر عليها إنسان فكان تارة يعوم على سطح الماء منتصبا حتى لكأنه جالس على كرسي أو فراش وثير ويضع على فخذه نارجيلة يدخن بها ذاهبا آئبا يمينا وشمالا. وتارة يقطع دجلة منكسا رأسه لا يبين منه سوى عجزه خارجا إلى غير ذلك مما يفتن الألباب من عجائب الألعاب.

ومن نوادره قصة مشهورة يذكرها الشيوخ فيما يذكرون في مجالسهم من النوادر والغرائب، وذلك أنه قبل أن يبقل عذاره ويطر شاربه صنع من الصوف لحية وشاربا ووضعهما في موضعهما من وجهه ولبس عمامة هندية كأنها العش، وهيأ له من حمل أمامه الفانوس (المصباح) وقت العشاء في الصيف فأستأذن على مربيه المفتي وكان مجلسه غاصا بأصحابه الفضلاء والأعيان قائلا: أنه من حكماء الهند وأطبائها فأذن له فلما دخل نهض المفتي واستقبله وجذبه إلى الصدر ورحب به وقد خفي عليه أمره فأخذ طعمة يتكلم بلهجة هندي تعلم العربية واظهر أن له اليد الطولى في الطب والحكمة، وكان في المفتي وفي كثير من جلسائه أمراض لا تخفى عليه لكثرة خدمته لهم ووقوفه على خافيهم وباديهم، فصار كل واحد منهم يتقدم إليه فيجس نبضه ويفحصه فحص الطبيب الحاذق فيخبره بما فيه ويصف له ما يناسبه من العقاقير حتى بهرهم وأخذتهم الدهشة من حذقه ومعرفته. فلما أستأذن للوداع شيعه المفتي وجماعته معجبين به راغبين إليه في الاجتماع به كثيرا حتى إذا بلغ السلم انحدر مسرعا كالبرق فضحك الخدام ضحكا عاليا سمعه المفتي وأصحابه في السطح فسألوا عن السبب فأخبروهم بالأمر فاستغرقوا في الضحك واعجبوا بنكتته.

وقد بدل اسمه أخيرا باسم (ناجح) فقال فيه الأديب محمد فهمي العمري على سبيل الممازحة:

هنئت يا (ناجح) في هذا اللقب... اسما سما جميع أسماء العرب

يا لك من اسم إذا سمعته... يهزني من حسن لفظه الطرب

لازلت يا (ناجح) تسمو في الورى... باسمك هذا رتبا فوق رتب

تفاؤلا بالخير في نجاحكم... به دعاك الناس يا أبا العجب

لم تر عيني كاتبا بين الورى... كناجح أن خط يوما أو كتب

وأن تغنى اسكت ابن معبد... وأخجل الحبر أبن هاني أن خطب

أجارك الله من اسم قد غدا... في قبحه كأنه داء الجرب

لا بارك الله بطعمة بلى... بارك عز شأنه في ذا اللقب

وجن طعمة في آخر عمره وتوفي سنة 1315هـ في بيت آل جابر أفندي في الحلة، وقد بلغني أن لديهم مجموعة من شعره ولم يصلني منه إلاَّ شيء قليل أوردته هنا؛ قال وقد سرقوا حذاءه وتركوا له عوضا عنه حذاء طويلا يفضل عن قدمه:

قطع الله يمينا... سرقت مني حذائي

عوضتني بحذاء... نصفه يمشي ورائي

ويروى (عوضتني فلك جسر... الخ.

وقال يهجو بيتا من بيوتات بغداد:

بسوء الفعل يا أبناء دلّة... تركتم كل قلب فيه علة

فما فيكم فتى يرعى ذماما... ولا حر يرى حق الاخلة

ترديتم ثياب اللؤم طبعا... وصرتم في البرايا شر ملة

فما شهد الزمان لكم بفضل... ولا ذكرت لكم في الخير خصلة

إذا طرق الضيوف لكم فناء... طلبتم من نساء الحي بوله

لتطفوا نار موقدكم سريعا... مخافة أن يحوم الضيف حوله

متى ترحم قلوبكم فقيرا... متى تسمح كفكم ببصلة

متى جدتم على عاف بشيء... يساوي قدره في الناس نملة

فمن يرجو شرابا من سراب... كمن يرجو ندى من آل دلّة

فقبح حيكم من حي قوم... متى ما حرك النباح ذيله

لكم في السؤ أخبار تجلت... كعين الشمس لم تحتج أدله

جراحات السنان لكم طباع... لها لسع أباد الجسم كله

فصور شخصهم قبرا بأرض... بها الأموات أضحت مضمحلة

ولا تأسف على قوم لئام... تبين لؤمهم عند الاجله

ولا تغتظ من الاردا ودعه... ودع في.... ستين جزله

وقال يمدح السيد عارف حكمة ابن العلامة السيد عبد الله الالوسي يوم كان (مدير المال) في السماوة، وقد وجدته بخط شيخنا العالم الجليل السيد علي علاء الدين الالوسي عليه رحمة الله:

زان السماوة عارف بوجوده... فحكت به روضا زها بورده

أو ما ترى أرجاءها بأريجه... طابت وأزهر روضها بوجوده

بوفوده أنحاؤها قد أشرقت... قد أشرقت أنحاؤها بوفوده

شهم سما الأقران فضلا ياله... فضل يحار العقل في تقليده

ما خاب من وافاه يطلب نيله... كم معدم أحياه وابل جوده

ورث المكارم كابرا عن كابر... والفضل عن آبائه وجدوده

لما مضى أسلافه خلق الندى... فسعى وايم الله في تجديده

وكذا الوفا لما وهت أركانه... أضحى شديد العزم في تشييده

اكرم به من أريحي دأبه... بذل الندى لعدوه وودوده

لازال في فلك السعادة كوكب... يبدي السنا لقريبه وبعيده

م. لغة العرب 1927