كانط بداية ونهاية الحداثة

كانط بداية ونهاية الحداثة

ناجح المعموري

داهمه الموت ، عندما كان يخطط للاحتفال بعيد ميلاده الثمانين . أنه مؤمن بأن الفلاسفة الحقيقيين يتدربون على الموت مثلما قال أفلاطون ، وأنهم البشر الوحيدون الذين لا يقلقهم الموت . عاش أفلاطون ثمانين عاماً إلا بضعة أيام .

تعلم أفلاطون من سقراط أن الفلسفة تطيل العمر وانتهاء العمر ، هي عبور هادئ يطبق فيه تعاليمهم

.

كتب الشاعر الالماني المعروف هايني « من العسير كتابة تاريخ حياة كانط ، لم تكن له حياة ولا تاريخ ، وإنما كانت حياته حياة أعزب عجوز ، مجردة ، آلية التنظيم ، في الشارع الهادئ منعزل ، ولستُ أعتقد أن الساعة الضخمة للكاتدرائية القائمة هناك كانت تؤدي عملها اليومي على نحو أكثر دأباً ونظاماً ، مما كان يؤديه مواطنها كانط . فقد كان يلتزم وقتاً محدداً في استيقاظه وشربه القهوة وفي كتاباته وقراءاته وأكله ومشربه ، وكان جيرانه يدركون أن الساعة قد بلغت الواحدة والنصف بالضبط عندما يعود كانط من الجامعة مرتدياً معطفه الرمادي ، وفي يده عصاه الخيزران ، وهو يسير في الشارع الذي أطلق عليه في ما بعد طريق الفيلسوف تخليداً لذكراه « / علي حسين / أحفاد سقراط / دار الرافدين / 2021 / ص60-61 .

لكل انسان كرامة أصيلة ملازمة له ، ينبغي احترامها ورعايتها . وكان أول شخص يتصور تأسيس هيئة عالمية قادرة على ضمان السلام في العالم وكانت هذه الفكرة التي طرحها كانط في كتابه « مشروع السلام الدائم « هي التي أوحت بتأسيس منظمة الأمم المتحدة . وتساهم شروحه العميقة عن المكان والزمان في أن يتوصل آينشتاين الى تحقيق نظريته النسبية .

لكل أنسان كرامة أصيلة . بيان فلسفي جريء وقوي للغاية منح الكائن الفرد ، الطاقة للدفاع عن حضوره الحياتي والتمتع بما هو مسموح له التمتع به . هو انسان وأصيل ، ولا بد من الدفاع عنه . وفي هذا الرأي المركز للغاية التماعات سقراط الأولى التي تضمنت حواراته مع الشباب في الشوارع والمقاهي والمطاعم . كان يرددها ، مؤكداً على أن حرية الكائن اكتمال لحياته وتعرف على سعادته والتعايش مع الدهشة التي تتصل بينه وبين حريات الكائن أو الأفراد . وتعامل سقراط بوعي ولقن الشباب أعراف فلسفته الخالدة التي أكدت على أن الكرامة التي يحوز عليها الانسان تعني الحياة كلها . لا حياة للإنسان من غير كرامة قوية وصلبة يدافع عنها . من هنا استطاع سقراط صوغ روح الشباب الجديدة والقوية . وهنا نستطيع فهم ما قاله سقراط وبذلك دحض ما قاله الفلاسفة حول صعوبة الفلسفة وصعوبة فهمها ، لا بل هي لهم فقط .

لقد قالت الفيلسوفة « جل هرش « في كتابها « الدهشة الفلسفة « إن كانط سيظل يشغل العالم أكثر من غيره من الفلاسفة ، فهو وحده الذي استطاع أن يغير زوايا نظر الفكر الفلسفي ومفاهيمه تغييراً جذرياً ، وإننا إذا أهملنا كانط لن يكون بمقدورنا أن نفهم شيئاً عن التطور الفلسفي الذي حصل بعده / ن . م / ص93 .

أعتقد كانط أن ما يجعلنا بشراً ، على خلاف الحيوان ، هو قدرتنا على التفكير بطريقة نقددية في اختياراتنا . سنتماثل مع الآلات اذا كان نطبق ما نريد بمعزل عن وعي الآلية وادراكها لذا اكد كانط كم سيكون مهماً سؤالك اذا قلت للانسان لماذا فعلت هذا ؟ لكنه ذهب لاشارته المتكررة ، اننا نعمل بالغريزة ولكن . بحضور وقوة العقل . الجميل في حياة الفرد هو ان يعرف بشكل لائق الذهاب بالعمل ما يريده وبوعي كامل ولو اتسعت هذه المساحة .

وعرف كثير من الناس هذا ، فكم سيكون العالم جميلاً ، ومدهشاً ومولداً للسعادة . من قرأ سقراط لن ينسى تفاصيل حياته اليومية وهو يجوب الاماكن مع الشباب ويولد طاقة فيهم الاثارة والاسئلة وهكذا تراكمت الاجوبة كثيرة وذات بلاغة ، انتجتها الفلسفة وسط عالم متداع مثل الخرائب ، لذا ولادة الفلسفة جاءت صعبة ، معقدة ، لكنها اضاءت العالم وانارت الملك ونقل الاستاذ علي حسين عن ديورانت في كتابه « قصة الفلسفة « ان الفلسفة وجدت نفسها وسط انقاض خربة ، قوضتها بنفسها ودمرتها بيدها ، فجاء كانط وقرأ عام 1775 الترجمة الالمانية لكتب ديفيد هيوم ، فروعته النتائج وايقظته من تعاسه العقائدي وشرع بابتكار فلسفة جديدة يتعد فيها الاخلاق والعقل ، فكان مشروعه « نقد العقل الخالص « الذي شكل تياراً ضخماً هادراً تضرب امواجه حتى اللحظة ....

واكد ديورانت على ان الفلسفات كلها لم تكن الا تطوراً يتدفق تحته تيار كانط الفلسفي القوي الثابت ، على نحو اشد عمقاً واتساعاً ولا تزال فلسفة كانط حتى يومنا هذا قاعدة كل فلسفة .

استعاد كانط الاسئلة الكبرى التي شغلته لحظتما كان شاعاً : من اين تأتينا الافكار وكيف يصلنا اليقين في معارفنا ؟ هل يوجد نظام في النفس كما كان في السماء نظام ؟ واخيراً اين يمكن العثور على نقاط ثابته في الطبيعة ؟

وقال بجرأة وشجاعة : ان الجزم بالمفاهيم السائدة بكلمة نعم أو لا يعتبر مصيدة عقلية وسعى كانط لإنقاذ القوانين الطبيعية . استمر حضور سقراط الطويل ، عبر تاريخ الفلسفة قوياً وطاغياً ومؤثراً ، بحيث تحول قاعدة مكينة للفلسفات اللاحقة واشهر ما التمع في فلسفته .

التأكيد على كرامة وحرية الانسان ، وأيضاً تمركز فلسفته حول اهمية وضرورة معرفة الانسان لنفسه ، وهذا يفضي نحو دور بارز تمركزت به فلسفته وهو معرفة الطبيعة المميزة للإنسان ، أي مصدر أعماله الأساسية وسلوكه وطريقته في العيش والتفكير « وأن مطلق المعرفة لا يتحقق الا من خلال معرفة النفس ، وأن الفيلسوف الحق هو من يمارس فلسفة الحياة وأن منهجه الحقيقي هو الحوار والمحادثة ودراسة ما ينشأ نتيجة للأسئلة والأجوبة « ؟

الأسئلة محاولة للتعرف من خلال الأجوبة من الواقعي الموجود وحضور الأشياء مع الأحداث وتفرز هذه السببيات عن علاقة واقعية بين الأحداث في العالم / جون سيرل / العقل واللغة والمجتمع / ت . سعيد الغانمي / المركز الثقافي العربي / 2006 / ص24 .

حضور النفس لدى كانط امتداد لسقراط وأفلاطون سيرورة فلسفية مستمرة وبرزت واضحة في فلسفة جون سيرل بكتابه العقل واللغة والمجتمع .

تمركزت فلسفة كانط في ثلاثيته عن العقل الخالص/ والمحض ولا تختفي تأثيرات سقراط وأفلاطون لدى كانط حيث أخذت منه فلسفة جون سيرل آلية عمل العقل وقصديته وحال أن « العقل في جوهره ميدان من الذاتية تعلق على ذاته . ولكن الدور التطوري الأساسي للعقل على العكس من ذلك يتمثل في ربطنا بطرق معينة بالبيئة ، وبالناس الآخرين على وجه الخصوص وتربطني حمالاتي الذاتية ببقية العالم والاسم الذي يطلق على تلك العلاقة هو القصدية / سعيد الغانمي / ن . م / ص 128 .

تغذت فلسفة كانط ببعض مفاهيم أرسطو وأبرزها هو الاتفاق مع الانسان حول ابرز ما يميز الحياة الانسانية هو الحرية ومن قبله سقراط حول الكرامة وتشكلت ثنائية الكرامة والحرية والسلم . وظلت ماهية الحرية باعتبارها جوهراً انسانياً حاضرة وضاغطة على الدور الذي يجب ان ينهض به الانسان من أجل توجيه حياته وصياغتها بالآلية التي يريد مع بروز ماهية الحرية وديمومتها وأشار كانط على الكائن ليمتلك طاقة على الفعل مستقلاً ، منفصلاً بعقله ومحكوماً بطاقته ، فكل شيء مستقل بقدر ما هو عقلاني . « يدعو كانط الظروف التي تحدد حياتك وتصرفاتك بواسطة سلطات أو قوى خارجية بـ « التبعية « ويصرّ كانط على ان يقول ان علينا ان نتوقف عن عيش حياتنا من خلال النماذج التي وضعت لنا من قبل اشخاص آخرين ، والبدء في اتخاذ قرارنا لأنفسنا حول ما يجب أن نكون عليه أنفسنا نحن . لقد كان كانط يأمل بأن يجعل الفلسفة راسخة رسوخ العلم . فلسفة تتجه الى تقيم ذاتها بإسم المعرفة والأخلاق ، وحسب تعبير جاك دريدا « أصبحت الفلسفة على يد كانط علم تفجير النقد « ويكتب ليوتار « اسم كانط يضع في الحال البداية والنهاية للحداثة ، وهو الخاتمة للحداثة ، فهو بداية لما بعد الحداثة / علي حسين / ن . م / ص70 .