أخطاء لغوية، لعبد الحق فاضل

أخطاء لغوية، لعبد الحق فاضل

أحمد متفكر

ناقد شعري

لم يكن الأستاذ أول من كتب وألف في اللغة، فقد سبقه إلى ذلك كثير من العلماء الأعلام، إلا أنهم مع الاعتراف بغزارة فضلهم، وعلو كعبهم في الأدب والعلم، لم يتمكنوا من إزاحة اللثام عن المعضلات اللغوية، ولم يتوصلوا إلى ما وصل إليه الأستاذ الجليل من تحقيق وتدقيق، وتمحيص، وصبر على العمق في الاستقراء والاستنتاج والقياس.

ولم يكن محبا متعصبا، ولا ذا هوى متطرف جموح، وإنما كان عالما، وضع علمه بجانب محبته للغة، وكان باحثا، وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة...، كان باحثا وراء الحقيقة، كاشفا النقاب عن وجهها.

لقد نذر نفسه للوقوف في وجه الخطط الباغية، وعلى فتح أعين أبناء أمتنا، الذين هم هدف التدمير والتمزيق والنسف...، يعمل بإيمان مؤمن، وصدق صادق، وإخلاص طاهر، وتعقيب نبيل، ليجعل من اللغة العربية الفصحى، لغة التخاطب، لأنها المعبر الوحيد للإيمان بالوجود العربي، والحفاظ على قيامه، والدفاع عن كيانه...، علما منه بالمخاطر التي تحاك ضد لغتنا...

وسنظل نسمع بين يوم وآخر دعوة إلى استعمال العامية على نطاق واسع...، سنرى انخفاضا في المستوى التعليمي، وسنظل نرى حيلولة بيننا وبين اللسان العربي، وفجوة بين التعليم ولغة التعلم.

وأنا على يقين، أن أي مثقف عربي مسلم سيستفيد من هذا الطبق الشهي، الذي يقدمه لنا الأستاذ الكبير عبد الحق فاضل، الذي قضى حياته كلها في الدروس والبحث، وحببت إليه العربية وعلومها منذ شرخ الشباب، فعكف على درسها، والغوص في أعماقها...

ناهيك بما حيل عليه من خلق العلماء العاملين المنتجين بكل سكينة...، كان مثلا للسان العف، والقلب الطيب...، إنه الإنسان الذي لا تمل سماعه...، حلو الشمائل، جم التواضع...، أخلاق تتسامى إلى المثل الأعلى.

ملاحظات عامة: يستهل الأستاذ كتابه بعنوان: (ملاحظات عامة) يقول فيها:

«تكاثرت الأخطاء اللغوية في الأعوام الأخيرة، إلى حد صار الباحث لا يحتاج معه إلى طويل عناء، لاستحضار عدة كبيرة منها على البديهة، فما كدت ألجأ إلى الذاكرة لاستحضارها حتى جعلت تنهال على ذهني، فاجتمعت لي منها طائفة صالحة، ثم عن لي أن أشفعها بما أقرأ كل يوم في الصحف، وأسمع كل يوم وليلة من الإذاعات، وإذا بجمهرة كبيرة من الأغلاط اللغوية تحتشد أمامي، مما انحدر إلينا من الجيل الماضي، وما سبقه من أجيال مع ما ابتكره الجيل الحاضر، وهو أكثر، فبعد أن كنت أتقصى الأغلاط وأتصيدها، صرت لغزارتها أتخير منها ما يصلح أن يكون نموذجا لغيره، وأنبذ الباقي الوفير، تجنبا لما لا ضرورة له من الإطالة.

إن الكثيرين من اللغويين، حاولوا تصحيح الأغلاط اللغوية قديما وحديثا، حتى أصبحت الكتابة في الأمر أشه بقرض الكفاية، لا حرج على من أسقطه عن نفسه، وما كنت لأتصدى له لولا تكاثر الأخطاء الجديدة، التي ابتدعها الجيل الجديد، ولم يسبق أن نبه عليها الأسلاف، لأنها لم تظهر في زمانهم.

انظر ما يقوله هذا الكويتب: (ليس هناك معدى (بأن) أتوهم (بأني) حر في عقيدتي) – في مجلة (أدبية) عربية جد مشهورة، تباع ألوف النسخ منها – أي ألوف النسخ من أغلاطها – ولإزالة كل هذه الركاكة والغلط، كان ينبغي أن يقول: (لا معدى عن أن أتوهم أني...).

وقرأت في صحيفة عربية: (السكان يطالون السلطات كي تضع حدا للمنحرفين)، ونحن نرى أن الغيارى يطالبون بوضع حد لهذا التخريب اللغوي.

عنوان في جريدة عربية: (3000 كتابا و50 رجل)!... لم يعرف جهابذة اللغة في هذه الجريدة ان قواعد النحو تفرض عليها أن تقول (3000 كتاب و50 رجلا).

وانظر إلى هذا العنوان الآخر في جريدة عربية مسؤولة: (إقامة سوقا ثقافيا فنيا في القنيطرة)، فأية مسؤولية يشعر بها مديرها (المسؤول) ومحررها؟ كيف يعلم القارئ أن هذا غلط ليتجنبه؟ وما فائدة ما يتعلمه في المدرسة من قواعد اللغة إذا كان التطبيق اليومي على هذا الغرار؟

الكلام الصحيح سليقة، أكثر منه تعلم، والسليقة إنما تتكون من كثرة ما يسمعه المرء من الفصيح الصحيح، فما جدوى دروس العربية النظرية الجافة إذا كانت (الدروس) التطبيقية في الإذاعة والصحافة والقصص المترجمة وغير المترجمة، يجرف من ذهنه كل ما تعلمه على رحلة الدرس؟ حتى أنا الذي كانت سليقتي منذ أيام الحداثة سليمة قديمة، لكثرة ما قرأت من لباب الأدب العربي في أحسن أساليبه – أراني الآن قد ألفت الأخطاء لكثرة ترديدها علي سماعا من الإذاعات، وقراءة في الصحف والمجلات، حتى صار بعضها – الأخطاء – يغافلني فيندس في كلامي...، يجري على قلمي حين أكتب أو على لساني حين أقرأ أو أتحدث.

وليس بالإمكان استقصاء كل الأغلاط، فإذا كان المرء جاهلا باللغة، فكل الأخطاء ملك يمينه، لهذا سنتناول فيما يلي أهمها وأكثرها شيوعا.

وإذا تسنى توزيع هذه النشرة على أوسع نطاق ممكن، ولاسيما على منتسبي الإذاعة والصحافة – في طول الوطن العربي وعرضه- أمكن إصلاح الحال، إلى حد لا بأس به فيما أرجو، ولا يكفي في التوزيع إعطاء نسخة لكل صحيفة وإذاعة، ل الواجب أن تكون لدى كل موظف في إذاعة أو صحيفة نسخته الخاصة، يتأملها ويحفظ ما فيها، وعلى كل دولة عربية أن تبدي نفس الاهتمام، لأن الثقافة العربية مستطرق بعضها إلى بعض، وحبذا لو أمكن ان يتزود بها كل إذاعي وصحفي في أقطار الوطن العربي كلها، وسنرى فيما يلي أن الأغلاط سارية معدية يظهر بعضها في بلد عربي، ثم تسري العدوى فتعم.

وقد أهملت الكثير من أغلاط القدامى، التي أصبحت اليوم فصيحة –جدا- بالقياس إلى أغلاط حاضرنا، من قبيل كطالبتهم بأن نقول (أسس الجامع) بدل (تأسيس)...و(أمور شتى) بدل (شتى الأمور)...و(تعرفته) بدل(تعرفت إليه أو تعرفت عليه)، فهذه وأمثالها مما اعترض عليه الأقدمون، أصبحت اليوم غير ذات موضوع بالقياس إلى التدهور اللغوي، الذي تعانيه عربيتنا اليوم).

مقترحات: وقبل الدخول في التصحيح، أعرض في مواجهة هذه الكارثة بضعة مقترحات:

- أولا: بعد توزيع هذه النشرة على كل المذيعين والمحررين الصحفيين، تحدد مدة للمستجدين (1) منهم لامتحانهم بها، تشجيعا لهم على تعلمها.

- ثانيا: امتحان كل من يراد تعيينه في المستقبل لوظيفة إذاعية أو صحفية، بهذه الأغلاط وغيرها مما سهوت عنه، وتيسر جمعه لغيري، بالإضافة إلى امتحانه بقواعد النحو والصرف على مستوى التعليم الثانوي على الأقل.

- ثالثا: طبع كل الكتب المدرسية من أدنى درجة، حتى الدرجات الجامعية العليا، مشكولة بالحركات الكاملة على الحروف، ليعتاد قراؤها النطق الصحيح.

- رابعا: تخصيص كتب المطالعة للتلاميذ من الأساليب الجزيلة المتينة، ولاسيما من الأدب القديم المختار من القصص الجاهلية والإسلامية الطريفة، والأخبار الجذابة التي يقبل عليها الناشئة، ويشغفون بها، من كتاب الأغاني وغيره من مؤلفات السلف الحافلة بكل ممتع ومفيد.

- خامسا: تعيين مصححين إذاعيين لتصحيح المكتوبات المعدة تحريريا للإذاعة، وضبط حركات الإعراب والحروف التي يحتمل الغلط في قراءتها، ولاسيما في الشعر الموزون، تفاديا من إساءة نقطه وتكسير وزنه.

- سادسا: تعيين مصححين مماثلين في كل جريدة ومجلة، لتصحيح ما ينشر فيها، سواء بأقلام محرريها، أو غيرهم من الكتاب المساهمين من الخارج، ويكون هؤلاء المصححون مسؤولين عن كل غلطة يسمحون لها بالمرور.

- سابعا: لما كان كل ذلك يذهب أدراج الرياح إذا قامت الأغلاط المطبعية التخريبية المشهورة، فيجب تحميل المصححين المطبعيين مسؤولية جدية عن إهمالهم وتهاونهم في التصحيح، لأن الكاتب الذي يهتم بصياغة العبارة المناسبة، والبحث عن اللفظة اللغوية الدقيقة في المعاجم أحيانا، ويسهر الليالي مفكرا أو منقحا، كثيرا ما يجد أن المصحح المطبعي قد قلب الأمور عقبا على رأس، فنيا، ونحويا، ولغويا، وفكريا».

عن موقع مدن