بين نوري السعيد وفاضل الجمالي.. تقارب وتباعد

بين نوري السعيد وفاضل الجمالي.. تقارب وتباعد

أحمد مختار بابان

لم تختلف سياسة الجمالي الخارجية عن سياسة نوري السعيد الخارجية مطلقا، فلم يظهر أي خلاف بين الرجلين في هذا الصدد، لكنهما اختلفا في نظرتهما للأمور الداخلية، فكان نوري ينتمي إلى المدرسة التقليدية، إذا جاز التعبير، أما الجمالي فكان ينتمي إلى مدرسة حديثة متنورة، وكان مقتنعا بآراء لم تكن صالحة في رأي نوري السعيد.

أخذ الدكتور فاضل الجمالي حزب نوري السعيد “ حزب الاتحاد الدستوري “ بنظر الاعتبار حين تأليفه لوزارته، لكنه لم يدخل فيها العناصر الأكثر طموحا وقربا من رئيس الحزب من أمثال خليل كبه وضياء جعفر، بل أدخل فيها أربعة أعضاء آخرين، كان جميل الأورفلي أمين صندوق “ حزب الاتحاد الدستوري “ أحدهم، وقد عهد إليه وزارة العدلية. والجمالي كان يبحث عن العناصر الشابة، المثقفة النزيهة. على أي حال تحولت تشكيلة الوزارة، وكيفية تأليفها إلى مبعث أمل لدى الكثيرين، فإن الشعب رحب بوزارة الجمالي، وعلق آمالا كبيرة عليها.

ارتاحت طبقة واسعة من الشباب المتنور بصورة خاصة من وزارة الدكتور محمد فاضل الجمالي، ولا سيما، شباب الشيعة، بينما أنها لم تكن مقبولة عند بعض الطبقات الأخرى، فبدأت المناورات والشائعات ضد الوزارة القائمة، وبدأوا يتهمون الجمالي بالطائفية في حين أن الرجل لم يكن يعرف روح الطائفية مطلقا، أنه كان عراقيا مخلصا، وكان عنده سعة صدر يتحمل الانتقاد.

في اعتقادي كان على الجمالي، وهو أصبح رئيسا للوزراء لأول مرة، أن يكون محيطا بكل أوضاع السياسة الداخلية، وكذلك التقاليد والعادات والأفكار حتى يثبت مركزه في رئاسة الوزارة، ولا ينكشف هذا الشكل الغريب، فيجعل المعارضة له قوية. وقد بدأت المعارضة في مجلس النواب الذي كان أعوان نوري السعيد يمثلون الأكثرية الساحقة من أعضائه. وكان من سلامة قلب فاضل الجمالي أنه طلب الإبقاء على المجلس، ولم يأخذ باقتراح حله لأنه كان يعتقد أن المجلس يؤيد أي رئيس وزراء يختاره الملك، ولكن يبدو لي أن ثقة الجمالي بالمجلس لم تكن في محلها، فبدأ المجلس يخلق له المشاكل. وعادة عندما يكون رئيس الوزراء غير مؤيد من المجلس فإنه يصعب عليه امرار بعض التشريعات أو القوانين، وكان البعض يتعمدون إحراج الجمالي الذي كان عليه، تجاه هذا الوضع، أن يتلمس معرفة رأي الملك ويرى إذ كان قد كسب ثقته إلى درجة أنه يستطيع أن يطلب حل المجلس، ويجري انتخابات جديدة ليأتي بمجلس آخر يكون إلى جانبه في سياسته الجديدة. كان على الجمالي أن يعمل ذلك، لأن استمرار الحكومة مع مجلس غير مؤيد له شئ غير طبيعي.

لكن الدكتور الجمالي كان من رأيه أن المجلس لابد أن يكون معه على أساس أن الملك اختاره، وأن من سياسة نوري السعيد التقليدية أن يكون هو وحزبه وأنصاره دائما مع العرش. لهذا لم يطلب الجمالي حل المجلس، وإجراء انتخابات جديدة، وعندما شعر بعدم تعاون المجلس معه فضل الانسحاب من الوزارة، مع العلم أن نوري السعيد كان يتنصل دائما من معارضة المجلس للجمالي، ولكني أعتقد شخصيا أنه لو كان نوري السعيد قد فرض تعليماته على أعضاء حزبه فإنهم كانوا يغيرون موقفهم من الوزارة، لأنهم كانوا لا يخالفون تعليماته.

كان يرأس المعارضة لحكومة الدكتور فاضل الجمالي في مجلس النواب أقرب الناس إلى نوري السعيد، وأعني به خليل كنه الذي كان نوري يثق به كثيرا، ويعتمد عليه إلى حد كبير. وهكذا بدأت بسرعة حملة واسعة ضد الوزارة داخل المجلس: بلغت الحملة أوجها في نيسان 1954، إذ بدأ النواب يحاولون عرقلة أعمال الوزارة ومشاريعها بصورة علنية. وحدث في ذلك الحين أن عرضت على المجلس ميزانية مديرية الأوقاف العامة للمصادفة عليها، فبدأت المناورات، حتى أن بعض أعضاء المجلس من النواب أعلنوا أشبه ما يكون بتمرد عندما خرجوا من المجلس وجلسوا في إحدى الصالات وكأنهم يقاطعون الجلسة، بل بدأ بعض النواب من الشيوخ بمغادرة المجلس، فأقنعتهم بصعوبة ليعودوا إلى أماكنهم حتى لا يختل الاجتماع.

عندما بلغت الأمور هذا الحد اقتنعت شخصيا بضرورة أن يقدم الجمالي استقالة وزارته، وكنت نائبا للرئيس فيها، وقد أيدني في ذلك كل من وزيري المالية علي ممتاز، والعدلية محمد علي محمود. وكان الجمالي نفسه مقتنعا بذلك، فهو لم يكن من النوع الذي يجب الدخول في المهاترات، وخلق المشاكل، لذا فإنه قدم استقالة وزارته دون أي تردد، وكان ذلك، على ما أتذكر، في أواسط نيسان (إبريل) سنة 1954.

وكان عهدا قصيرا، ومهما مع ذلك. وكما أسلفت حققت الوزارة العديد من المكتسبات، وهي كانت تمثل نوعا من التحول في حياة البلاد السياسية. وبالإضافة إلى الأشياء التي ذكرتها فإن وزارة الجمالي حاولت حل المشاكل المالية للبلاد بصورة جيدة، فأصدرت مراسيم بهذا الخصوص أعادت النظر في الضرائب، وفي بدلات إيجار العقارات، وفي أجور البريد وما شاكل من أمور وقضايا. وشكلت الوزارة أيضا مديرية عامة للسياحة ارتبطت مباشرة بمجلس الوزراء.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فلم يكن هنالك اختلاف جوهري بين سياسة الدكتور الجمالي وسياسة المرحوم نوري السعيد، سوى أن الجمالي بذل بعض الجهود الطيبة للتقريب بين وجهات نظر الدول العربية المختلفة، وازدادت الاتصالات والزيارات المتبادلة مع تلك الدول في عهده. كما حدث بعض التقارب مع مصر، وفي نيسان (إبريل) 1954 عقد مؤتمر لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية في بغداد حضرته وفود من مصر والأردن وسورية ولبنان وغيرها من الدول العربية. وعلى ما أتذكر جرت بعض الاتصالات بين اليمن والعراق، فكان إمام اليمن يرغب في توسط العراق في الخلافات القائمة بين بلاده وبريطانيا.

وعندما قدم الدكتور فاضل الجمالي استقالة وزارته الأولى (في الثامن من آذار سنة 1954) جرت المشاورات بصدد الشخص الذي يخلف الجمالي في تأليف الوزارة المقبلة، وكان نوري السعيد يومذاك في الخارج ولم يكلف بتأليف الوزارة على رغم أن مجلس النواب كان مجلسه. أما أنا فكنت لا أزال رئيسا للديوان الملكي. استدعاني الأمير عبد الإله ليتذاكر معي حول الموضوع. فأخبرني أن الجمالي قدم استقالته، وكان البلاط عادة يعرف بنية كل

رئيس وزراء على الاستقالة قبل تقديمها، ذلك لأن علاقة رؤساء الوزراء بالعرش كانت حسنة دائما، فكانوا يخبرون مسبقا عن استقالتهم قبل تقديمها.

ثم تكليف الدكتور الجمالي ليقوم بتأليف وزارته الثانية التي لم تستمر في الحكم سوى أقل من شهرين على رغم بعض التبديلات التي أجراها في المشتركين معه في وزارته الجديدة.

ألف الدكتور محمد فاضل الجمالي وزارتين في العهد الملكي الواحدة بعد الأخرى، الأولى في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) سنة 1953 التي استقالت في الثامن من آذار (مارس) السنة التالية، ليؤلف الجمالي نفسه وزارته الثانية في اليوم ذاته، وكانت من أقصر الوزارات العراقية عمرا، فقد بقيت في الحكم لغاية التاسع والعشرين من نيسان (ابريل) 1954.

عن مذكرات)احمد مختار بابان(