أحد أبرز وجوه الحداثة الثانية بعد السيّاب:  قصيدة الغربة الداخلية

أحد أبرز وجوه الحداثة الثانية بعد السيّاب: قصيدة الغربة الداخلية

محمد ناصر الدين

“ فإذا مررتُ ورأيتموني

وكما سيُعلنُ

تحت سدرته تؤرجحني الغصون

وتحنّنَ النفَر العفاة فأسلموني

للأرض ترفق بي

فخطّوا في الثرى العاري الحنونِ

وكفت على الروض الغمائم في ضحاه

وحنَت على العود المعيد الغيدُ

وابتدر السقاة!”

 

. بالألفة بالموت والرغبة في الانتساب إلى عالم لامرئي، عالم الموتى والغائبين، بدا الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر (1942 ــــ 2022) كأنه يكتب مرثية مبكرة لغيابه، الشاعر الذي بزغ نجمه في جيل الستينيات من القرن الماضي، فكان ضمن مجموعة من الشعراء والأدباء العراقيين ممّن منحتهم مفاهيم الحداثة فرصةً ذهبيةً لاجتراح المغامرات الخيالية في الكتابة، أسوة بما كان يحدث في الغرب، من أمثال جليل القيسي وفاضل العزاوي ومحمد عبد المجيد وبعض كتّاب القصة مثل عبد الإله عبد الرزاق وعبد الستار ناصر، فلم تخلُ كتاباتهم من حضور لهلوسات الانتحار والجنس والموت والخوف من المجهول. إلّا أنّ «الغرائبية» التي طبعت الكتابة الغربية، لم تحظَ بأرض خصبة في البيئة الشعرية العربية، ولا سيّما العراقية، لعدم توافر الشاعر ذي الطبيعة المرهفة السهلة الكسر وعدم القدرة على مواجهة المحيط الكاسر، والعامل الثاني المتمثل في طغيان الإيديولوجيا على المناخ الثقافي والشعري الذي تنتمي إليه الأكثرية. إذ يقول الشاعر والناقد الراحل فوزي كريم: «كان الشعراء على طرفَي نقيض: منتمون، مع فيض من إجابات جاهزة، ومساعٍ مضافة الأهداف. ولا منتمون، يرزحون تحت وطأة الأسئلة التي لا إجابات لها، ومتاهات دون دليل. الطرف الأول يغطي الرقعة الأوسع من خارطة الشعر العربي، والثاني تمثّله أصوات فردية، كان السياب أبرزها بين جيل الروّاد. ولعلّ حسب الشيخ جعفر هو النموذج الذي يليه».

شكّل حسب الشيخ جعفر إذا استثناءً في جيل «قتل الأب» أو «أيتام سومر»، كونهم قتلوا بالمعنى الرمزي الأب الشعري المجدد، وهو السيّاب، عبر القطيعة مع نصوصه، إلا أن حسب الشيخ جعفر بقي ملازماً للسياب في الغرائبية التي لازمت مخيّلة صاحب «أنشودة المطر» ليُضيف إليها الشيخ جعفر غرائبية في اللغة نعثر عليها بسهولة في عناوين مجموعاته مثل «كران البور»، واشتقاقه للغة قاموسية ترغب أحياناً في القطيعة مع القارئ على طريقة أبي العلاء المعري في ديوانه «لزوم ما لا يلزم» في إصراره على اجتراح لغة تعمّق الهوة بينه وبين القارئ، وكذلك غرائبية المخيلة التي يبدو فيها صاحب «نخلة الله» شديد الالتصاق بالسياب: «والحلمتان: أشدّ فوقهما بصدري في اشتهاء/ حتى أحسهما بأضلاعي وأعتصر الدماء/ باللحم والدم والحنايا/ حتى تمصّا من دماي/ وتلفظانني/ في ارتخاءٍ فوق السرير/ وتشرئبا…ثم نهوي جثتين».

قصيدة حسب الشيخ تنتمي إلى تلك الغربة حيث «يلتبس الإنسان على الإنسان» على حدّ قول أبي حيان التوحيدي، فينصرف الشاعر إلى الحوار الداخلي بعد أن يتعذّر الحوار مع الحياة التي تخبّئ الصادم والمزعج دائماً ويطيب له الإقامة في الساحة الخلفية مع الغائبين أكثر من حضوره في المقدمة مع الأحياء، كأن العالم قُلبَ رأساً على عقب. أسلوبياً، كان إحساس جيل حسب الشيخ جعفر يدفع بضرورة التفرّد عمن سبقه والتميّز بشيء عن جيل الروّاد، ما دفعه إلى التجريب المستمر في بنية القصيدة وشكلها، فكان أن ظهرَ مفهوم «التدوير» أو «القصيدة المدورة» في الشعر القديم كانشطار كلمة واحدة على نهاية صدر البيت وبداية عجزه كقول أبي تمام: «وكأن الأعناق يوم الوغى أو لى بأسيافهم من الأغمادِ»، هذه التجربة التي طورها أدونيس حين ألغى القافية إلغاءً تاماً في قصيدة كاملة مدورة من البحر الخفيف هي «هذا هو اسمي»، ما لبثت أن استهوت حسب الشيخ جعفر حيث نقرأ في «الطائر الخشبي»: «أعدني أيها النهر القديم/ أعد مذاق الحندقوق/ وددتُ لو أطوي يدي عليك/ أبكي يا ابنتي أبكي/ ويضحكُ في عيونك كوكبي الذهبي/ الهي لو أعود/ أعود طفلاً في رذاذ الريح يخفق ثوبه البالي/ معاً نغدو فوق التل/ طعم الخبز والرشاد في شفتي/ طعم القبلة الأولى/ البروق الخضر تخطفني/ أقص عليكِ شيئاً من كنوز الجن». يُتيح التدوير هنا نقل الحوار دونما كلفة تفقده سحره وحيويته في عالم القرية الساحر وتومض الجُمل لتضيء المحور الأساس أو مركز الثقل والجاذبية في القصيدة، لتكفل اضطراده وتنامي الشعر حتى نقطة الذروة.

قضى حسب الشيخ جعفر شطراً من حياته بين موسكو ولينينغراد، لتطفو لمحات من ذاكرة تلك المرحلة في أشعاره. نتلمّس البُعد الثالث في تجربته الشعرية، كما حين وصف انتحار الشاعرة الروسية مارينا تسفياتيفا في قصيدة «مارينا وأغنية بحر»: «حبلٌ يشدّ بجيدها للسقف في القبر الوطئ/ ويُذيل ثوباً للرحيل/ تجسّ هدبته يداي». ونعثر على قصائد في مجموعاته عن بوشكين، والحبل الذي شنق الشاعر يسينين ليصبح «أربطة عنق في الواجهات/ يزيّن حوذيّ بهنّ خيوله البيض». برحيل حسب الشيخ جعفر، صاحب «نخلة الله»، هوت نخلة للشعر في أرض الرافدين. لكن الشعر يشقّ طريقه في قلب الموت كأغنية في الصخر: «قلتُ هاتِ الصخرَ/ أودى بأغانيها التغنّي/ أنا تحت الصخرِ للصخرِ/ وفي الصخرِ أغنّي».

عن الاخبار اللبنانية