الحافظ خليل إسماعيل رائد القراءة في العراق صباه ورحلته في طلب العلم

الحافظ خليل إسماعيل رائد القراءة في العراق صباه ورحلته في طلب العلم

مرشد محمد الحيالي

الحافظ خليل في صباه:الحافظ خليل إسماعيل رائد القراءة في العراق ولد مكفوفا فولد ذلك حزنا عميقا لدى أهله لكن الله عوضه بالبصيرة القلبية والذاكرة القوية،فاكب على كتاب الله حفظا واستظهارا حتى أتم حفظه وهو في مراحل العمر الأولى،وظهرت عليه ملامح الذكاء

وهيئ الله لصبره وتقواه من يوجهه ويعلمه،ومن أوائل من صحبه وتعاون معه في طلب العلم الأستاذ احمد عبد الستار الجواري،الكاتب المشهور والذي كان بقراء في المحافل قبل الجمعة في مسجد الست نفيسة وجامع القمرية بصوت شجي يطرب الإسماع،وقد لازم الحافظ طويلا وقد أجازه الحافظ الملا مهدي، وقد استطاع الجواري ان يتم حفظ القران بفضل صحبته للحافظ خليل وكانت الطريقة في حفظ القران تعتمد على التسميع والمراجعة بعد صلاة الفجر وفي هذه الأجواء الروحية والتي تبعث على الانشراح والاجتهاد استطاع الجواري والحافظ خليل ان يحفظا القران معا ويذكر عن الحافظ خليل انه كان يعرف جميع الوقفات على اختلاف أنواعها ويتذكرها على البديهية،وصحب الحافظ أيضا الزاهد الورع توفيق الناصري والذي تتلمذ على يديه العشرات من طلاب العلم في الفقه والتفسير وغير ذلك،وبعد ان تمكن الحافظ خليل من حفظ القران انتقل الى مساجد الفضل والاعظمية لينخرط مع طلاب العلم في الجمع بين القران وتلاوته وبين العلوم الدينية المختلفة.

لقد كانت مدارس بغداد تزخر بالمدارس التي يرتادها طلاب العلم للتفقه في الدين، فمن مدارس الكرخ إلى الفضل وانتهاء بمدارس الاعظمية،،فقد كانت مدارس الفضل تهتم بالعلوم الدينية والعقلية مثل مدرسة(تكية القمرية) ومسجد الفضل وغيرها كثير،وقد برز عدد من كبار العلماء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين،ومن هولاء العلماء العلامة عبد الوهاب العبيدي وهو من اعيان العراق في القران الفقة واللغة والادب، وقد تلقى عنه كبار العلماء امثال قاسم القيسى ونجم الدين الواعظ وحمدي الاعظمي وغيرهم،وقد اصبحت مساجد الاعظمية ماوى لطلاب العلم ينهلوا من علوم الشريعة الغراء، وكانت الدروس تعقد بين صلاة المغرب والعشاء وبعد صلاة الفجر فهناك درس لمفتي بغداد قاسم القيسى في مسجد بشير الحنفي يتحلق فيه طلاب العلم حول الشيخ ليدرسهم في مختلف العلوم الاسلامية وهناك درس لتقي الدين الهلالى في مسجد خطاب ايام الاثنين والخميس في علوم الحديث والرجال وفقه التوحيد والعقيدة، وهناك مجلس لعبد القادر الخطيب في جامع الامام الاعظم وهو من اوسع المجالس،وكان يعقد للعلامة الزهاوي في جامع الدهان مجلسا لدراسة الفقة ومسائل في الزهد ومحاسبة النفس ومدرسة عادلة خاتون ومدرسها نجم الدين الواعظ وهي مختصة لدراسة العلوم النظرية والعقلية مثل المنطق والنحو والصرف والنقلية مثل التفسير والفقه والسيرة ومدرسة نائلة خاتون ومدرسها حمد رشيد ال شيخ وغيرها كثير، وهذا يدل على مدى النهضة العلمية وتطورها في ذلك العهد والذي شجع كثيرا من الموسيرين حتى من النساء الى التبرع الى الجهات الخيرية والوقفية من بقيت تلك الاسماء علما شامخا لامعا في سماء العراق مما يدل ايضا على جهود العلماء المخلصين ومكانتهم المرموقة واثرهم على شرائح المجتمع المختلفة ومكانتهم الاجتماعية بين الافراد.

في هذه الاجواء العلمية برز عدد من قراء العراق جمعوا بين العلم والدراسة وبين الاداء والصوت الجميل وكانت لتلاوتهم صدى واسعا في العالم الاسلامي منهم على سبيل المثال المقرئ الملا مهدي العزاوي البصير (1849-1959)اخذ القراءات على يد الملا على الفضلى الفقيه وقراء على عثمان الموصلي وقد كان الحافظ ذا صوت رخيم وله تلاوات مسجلة في دار الاذاعة،ومنهم المقرئ محمود عبد الوهاب(1895-1970) من ابرز قراء الحضرة القادرية نال اجازة من امجد الزهاوي والشيخ يوسف العطا وقداعجب به الحافظ عثمان الموصلي وقد قراء في المسجد النبوي وهو اول من قراء في دار الاذاعة ومنهم العلامة نعمان العمر الاعظمي كان زاهدا متعبدا عين اماما في مسجد حسن بك وسكن في المسجد وكان لايفتر ابدا من تلاوة القران كثير الصيام والقيام،ومنهم المقرئ السيد حسن الحسيني (1860-1940)اخذ علم القراءات عن المقرئ المشهور خليل المظفر كان اماما في مسجد خطاب بالاعظمية احتسابا لله ومنهم مقرانا الذي نترجم له فقد كان الحافظ خليل معاصرا لهولاء ومصاحبا لبعضهم وعلى شاكلتهم في الفقه والعلم والدراية فكان رحمه الله يرتاد الى مدارس العلم رغم ما كان يعاني منه لينهل من تلك الروضة الغناء والحديقة الخضراء ومن تلك الاشجار والثمار الطيبة ليغذي موهبته في التلاوة والصوت ليكون فيما بعد رائد القراءة في العراق

لقد كان لتجوال الحافظ في مدارس الفضل والاعظمية والكرخ ودراسته عند كبار شيوخ العلم في صباه لها الاثر البالغ في مستقبله العلمي والديني وكان تردده على بيوت الله وطلبه للعلم وصحبته للاخيار من عباد الله امثال ابو المكارم (من المقرئين المعروفين من قراء العراق وكان صاحب فراسة قوية وكان من عادته ان يختم القران مع الحافظ وغيره القران في التهجد وخاصة في ليالي رمضان)لها الاثر كذالك على سلوكه وادبه فقد كان صاحب خلق عظيم وادب جم،وقد صحب الحافظ مقرئين من الطراز الاول اثروا في شخصه وفي صقل موهبته الصوتية امثال المقرئ الحافظ مهدي ومحمود عبد الوهاب ممن لها صيت واسع في العالم الاسلامي يؤمئذ،وقد اثر عن الحافظ مواقف تدل على مدى ما كان يتمتع به من اخلاق عالية وصبر على البلاء وزهد عن الدنيا ومن تلك المواقف والتى رواها لي المقرئ عبد الرزاق الدليمي ما يلي: اولا:صبره فقد ضرب الحافظ المثل الرائع في صبره على المصائب ابتداء من فقدن بصره الذي يرى به نور الدنيا ولم يذكر عنه انه اشتكى الى احد من عباد الله بل كان يتمنى ان يرى بعض مظاهر الدين ويشتاق الى رؤية البيت الحرام ثم صبره على فقدان فلذة كبدة وزهرة حياته ابنه الذي كان حين يذكره تدمع العين ويحزن القلب وقد اورثه ذلك الحزن في النفس حزونة في الصوت تبدو واضحة عند التلاوة وكان غند قرائته لقوله تعالى (انما اشكو بثي وحزني الى الله)تبدو بشكل اوضح. ثانيا:زهده عن الدنيا فقد كان معروفا ببساطته فهو لايملك الابيتا بسيطا وكا نت ادارة الاذاعة كثيرا ماتتردد اليه واثناء تسجيل التلاوة تنطفاء الكهرباء فلا يجدون عنده ما يعينهم على اكمال التسجيل سوى الجلوس والتحدث لحين روجوع التيار الكهربائي،بل لم يكن يملك ما يملكه ابسط الناس وهو التلفاز حتى علمت به الدولة اخيرا فاهدت اليه جهازا بسمع به ترتيله وتجويد ومن بساطته انه كان يذهب بنفسه مع اهله لاجل اخذ ما يعرف ب(الحصة التموينية)كل ذلك مع شهرته في عموم العالم الاسلامي، وقد كان لعظيم زهده بل لورعه يابى ان ينفق مال ولده الذي مع شدة حاجته اليه كان يحتفظ به ويوصي اصحابة المقربين ا اذا وافاه الاجل ان يعطوا المال حين عودة وله الى ان وافاه الاجل وهو على تلك الحال.