الحافظ خليل.. نبراس العراق

الحافظ خليل.. نبراس العراق

عمرو الأمير

هو الشيخ الحافظ خليل إسماعيل عمر الجبوري، رحمه الله تعالى، من مشاهير القراء في العراق والوطن العربي، مقرئ الإذاعة العراقية الأول، ورئيس محفل القراء في جامع الإمام الأعظم، لقب بـ «الحافظ» لأن كلمة «الحافظ» تعني الملمّ بعلوم القرآن الكريم.

ولد الشيخ المقرئ الحافظ خليل إسماعيل العُمر في عام 1338هـ/1920م، في جانب الكرخ من مدينة بغداد، في محلة سوق حمادة، من أبوين مسلمين عربيين عراقيين، ومن عائلة متدينة.

حفظ القرآن الكريم وأتقن تجويده في صباه، وحين بلغ الثالثة عشرة من عمره دخل المدرسة العلمية الدينية في جامع نائلة خاتون، وقد اختصت هذه المدرسة بتعليم أصول الفقه والحديث والتفسير والعقائد وقراءة القرآن، وقد تخرج فيها سنة 1943م للمرة الأولى إذ دخلها مرة ثانية سنة 1944م، وتخرج فيها سنة 1953م، ونال الشهادة الدينية وكان الأول على أقرانه، ونال جائزة قدرها ثلاثون دينارا على تفوقه.

شيوخه

- تتلمذ على يد الملا محمد ذويب الذي كان إمام مسجد السويدي القريب من مسكنه في محلة خضر الياس.

- تعلم علوم التلاوة والتجويد على الملا جاسم سلامة الذي أشرف عليه واحتضنه كثيراً لذكائه المتميز وقد كان ملتزما بتوجيهات شيخه السديدة.

- درس على يد الملا رشيد، ثم الملا عبد الله عمر، ثم الملا إبراهيم العلي، ثم الملا عواد العبدلي، وقد كانوا من كبار القراء في بغداد.

- كان للشيخ نجم الدين الواعظ الفضل الأكبر في مسيرة الحافظ خليل إسماعيل وفي شهرته وسمعته في عالم التلاوة والتجويد، إذ كان له مرشداً ومعلماً ومربياً وموجهاً، وكان يتلقى منه دروساً يومية منتظمة في النحو والصرف والتجويد. وكان لتشجيع الحاج نجم الدين الواعظ فعله المؤثر في نفسه، فقد كان يحب تلاوته ويحب أن يسمع منه مقام الخلوتي من الماهوري والحويزاوي والمخالف والبهيرزاوي.و كان الشيخ قاسم القيسي يحب أن يسمع منه قراءة القرآن الكريم على نغمة التوريز.

محطات في حياته

- في سنة 1937م عين الشيخ المقرئ الحافظ خليل إسماعيل في جامع السراي.

- في مدرسة نائلة خاتون الدينية عين مقرئاً ومتعلماً في آن واحد.

- شغل رئاسة محفل القراء في جامع الإمام الأعظم.

- تنقل إلى عدة جوامع منها جامع صندل وجامع شهاب الدين السهروردي.

- كان آخر مطافه ببغداد في جامع الحاج بنية.

أداؤه في التلاوة

كانت قراءته تصويرية لمعاني الآيات تؤثر بالسامعين ويوضح السبب في ذلك بقوله: إنني عندما أقرا القرآن الكريم أجعل أمامي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «زينو القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»، وقوله: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»، وقوله: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن الكريم يجهر به». وكان هذا من الأسباب التي تشجعه على القراءة وفق الأنغام المقامية البغدادية الأصيلة.

في الإذاعة

في سنة 1941م، تقدم الشيخ خليل إسماعيل ليكون مقرئاً في دار الإذاعة، حيث اختبر مقرئاً في دار الإذاعة العراقية وكانت أول تلاوة له في يوم 11/9/1941م وكانت من سورة المؤمنون، وكان البث في دار الإذاعة حينها على الهواء مباشرة.

وفي عام 1942م، وجه الأستاذ الكبير نشأت السنوي دعوة إلى دار الإذاعة يدعوهم فيها إلى الرعاية والعناية بالمقرئين في دار الإذاعة وإلى توجيه الدعوة لجميع المقرئين في الإذاعة للحضور إلى ديوان مديرية الأوقاف لإجراء الاختبار والامتحان لمن يستحق أن يلقب بلقب «الحافظ» لأن كلمة «الحافظ» تعني معرفته لعلوم القرآن الكريم.

وبعد إجراء الاختبار والتمحيص من لجنة ألفت من ثلاثة من كبار العلماء وممثل عن الأوقاف وآخر عن وزارة العدل وقاضي بغداد وكاتب المجلس، وكان أحدهم الحافظ سيد الجوادي وهو من أهالي الموصل، وكان مقرئاً آنذاك في دار الاذاعة. فلم يوفق في الحصول على هذا اللقب في ذلك الامتحان سوى الحافظ خليل إسماعيل. لذا فإنه لم ينل لقب الحافظ اعتباطاً أو مجرد صدفة، بل ناله بجدارة واستحقاق عاليين، وقد وصفه الأستاذ محمد القبانجي بأنه «بستان الأنغام العراقية الأصيلة»، إذ إن نغم ومقام الزنكران لم يجرؤ أحد من المقرئين أن يقرأه أبدا إلى يومنا هذا لصعوبة أدائه وترتيله في أحسن حاله، ولكن الحافظ إسماعيل يقرؤه بكل إتقان ودقة متناهية.

وفي عام 1951م، عندما زار العراق المقرئ الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، قال بحقه: «إني لم أطرب ولم أكن أسمع مثل الحافظ خليل»، وهذا التصريح مثبت في الصحف البغدادية التي نشرت هذا القول للشيخ الشعشاعي.

في القدس الشريف

وفي عام 1961م، سافر المقرئ خليل إلى القدس الشريف، وقد قرأ في حرم القدس الشريف ونال إعجاب المستمعين هناك. وفي عام 1979م وجهت له دعوة من وزارة الأوقاف العراقية للسفر إلى الكويت لقراءة القرآن الكريم خلال شهر رمضان، وهناك أجريت له مقابلات تلفزيونية وصحفية كثيرة وكان المقرئ الوحيد الذي مثل العراق أحسن تمثيل ونال استحسان كل من معه هناك؛ لأن القراءة العراقية ذات شجون في عالم التلاوة القرآنية.

وكان قد سجل القرآن الكريم كاملا مرتلا وعلى النغمات، وقرأ القرآن في عدد من الدول العربية والإسلامية ومنها المسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى وجامع السيدة زينب في دمشق. وكانوا يعجبون به أشد الإعجاب.

وفاته

وفي مطلع عام 2000م، اشتد عليه مرضه ولم يمهله طويلاً، فدخل دار التمريض الخاص في 23 يناير 2000م، وأجريت له عملية غسيل للكلى، وبقي على هذه الحالة إلى يوم 3 تموز 2000م، عندما دخل المستشفى لغسل الكلية للمرة السادسة والأخيرة، ولقد توفي بعد ظهر يوم الاربعاء 2 ربيع الثاني 1421 هـ/ 5 يوليو 2000م، وفي صباح اليوم التالي شيعت بغداد الحافظ خليل من جامع المعز تشييعاً مهيباً إلى مثواه الأخير في مقبرة الكرخ في أبي غريب، يتقدمهم أصحاب الفضيلة العلماء والاحباب والكتاب والشعراء ولفيف من المقرئين وجمع غفير من المواطنين الذين أتوا ليشاركوا مصابهم الأليم، وأقيم مجلس العزاء من قبل أسرته في جامع عادلة خاتون في بغداد.