في بغداد كانت لي أيام..زكي مبارك ونادي القلم العراقي

في بغداد كانت لي أيام..زكي مبارك ونادي القلم العراقي

د. زكي مبارك

في العراق ما يسعى (يوم القبول) وهو ما نسميه في مصر (يوم الاستقبال) وهو يوم من أيام الأسبوع ينتظر فيه الرجل زائريه في الصباح أو في المساء: فمعالي السيد محمود صبحي الدفتري يستقبل زائريه في صباح الجمعة، وهو صباحية جميلة يتلاقى فيها أعيان أهل الأدب في بغداد، ولها تأثير شديد في توجيه الحياة الأدبية والاجتماعية.

ومعالي الشيخ محمد رضا الشبيبي يستقبل زائريه في مساء الخميس، وقد يتلطف باستقبال زائريه في كل مساء، لأنه يقيم بضاحية نائية تسمى (الزوية) وله على شط دجلة ناد جميل يشرح الصدور، ويؤنس العيون، وفي ذلك النادي تثار مشكلات متصلة بالعلوم والآداب والفنون، وتسمع فيه أغاريد (أبى كلثوم الوفدي) وهو الشاعر المفتون بأغاني أم كلثوم وأخبار الوفد المصري، هو السيد باقر الشبيبي الذي يحب مصر أكثر مما يحبها المصريون أعزه الله وأدام عليه نعمة الوفاء.

وخلاصة القول أن لأكثر أهل العراق أندية تقام في البيوت أيام القبول وهي أندية توجه الحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية وتسير بالمجتمع العراقي إلى غايات فيها القريب والبعيد، وقد تكون لها صلة بما يظهر في الجو العراقي من شؤون وشجون، فالرجال هنالك لا يكفون عن مراقبة الاتجاهات المحلية إلا في أندر الأحايين.

السهرات الصحفية

وبجانب حفلات القبول تقام سهرات الصحفيين في دور الجرائد والمجلات، وهي سهرات فاتنة إلى أبعد الحدود. وهل أنسى سهراتي في إدارة جريدة (العراق) وجريدة (البلاد)؟ وهل أنسى أن إخواني في جريدة (الهدف) كانوا يمدون روحي بأكواب الصفاء؟ وهل أنسى أن كؤوس الشاي في جريدة (بغداد) كانت أطيب من كؤوس الصهباء؟

الصحفيون في العراق يذكرون بإخوانهم في مصر من حيث الجاذبية وخفة الروح، وأنديتهم في جرائدهم تذكر بأنديتنا في جرائدنا، فما ينسى أحد كيف كان النادي الأدبي في جريدة (الجهاد) وكيف يكون النادي الأدبي في جريدة (الأهرام) وجريدة (المصري) وجريدة (السياسة) وإن امتزج نادي (السياسة) بنادي الأحرار الدستوريين. وهل كانت (ندوة الدستور) إلا ندوة أدبية قليلة الأمثال؟

إن الأنس الذي يجده من يسمر بدار (الرسالة) أو دار (الأهرام) له نظائر فتانة في دار (العراق) أو دار (البلاد).

وكما نجد في سهرات الصحافة المصرية أقطاب الرجال في أكثر الميادين، نجد في سهرات الصحافة العراقية أقطاب الرجال في الأدب والسياسة والاجتماع.

وإذا صح للمنفلوطي أن يسجل أن النادي الأدبي في جريدة (المؤيد) خلق أكابر الباحثين فإنه يصح لنا أن نسجل أن الأندية الصحفية في مصر والشام والعراق سيكون لها فضل عظيم في تكوين الجيل الجديد.

أول ناد أدبي عرفته في بغداد هو نادي المعارف، والمعتمد لهذا النادي هو السيد رشيد العبيدي، وهو أديب عراقي تخرج في مصر بمدرسة دار العلوم، وهو زميل السيد حسين بستانة، إليه والى من تخرجوا في دار العلوم أقدم أطيب التحيات، فهم سفراء مصر في العراق.

ونادي المعارف هو نادي المعلمين، وفيه شربت أول كأس من ماء دجلة، وفيه كنت ألقى من يسألون عني في مساء كل خميس.

في نادي المعارف يلتقي المعلمون كل يوم، فيقرءون الجرائد والمجلات، ويتجاذبون أطراف الأحاديث، ويستعدون لاستقبال من يفد على بغداد من رجال العلوم والآداب والفنون.

فإن قلت إن (نادي المعارف) في بغداد له تأثير في توجيه الحياة الأدبية فأنت صادق كل الصدق، لأنه موصول الأواصر بأكثر البلاد العربية، ولأن رجاله من أكابر المدرسين، والمدرسون هم المصلحون الأوائل في جميع الشعوب.

نادي القلم العراقي

هو تاج الأندية العراقية، أسس منذ سبع سنين أسوة بأندية القلم في كثير من أقطار العالم القديم والعالم الجديد، واختير الشاعر جميل صدقي الزهاوي رئيساً، والدكتور محمد فاضل الجمالي نائب رئيس، والدكتور متي عقراوي أميناً للصندوق، والأستاذ إبراهيم حلمي العمر كاتم أسرار.

والرئيس اليوم هو معالي الشيخ محمد رضا الشبيبي، ونائب الرئيس هو الدكتور محمد فاضل الجمالي، وأعضاؤه يزيدون على الثلاثين، وهم يختارون من بين الرجال الموسومين بالمواهب العلمية والأدبية.

ليس لهذا النادي دار، وإنما يجتمع الأعضاء من وقت إلى وقت في منازل يتوافون إليها على ميعاد، فهم اليوم في منزل الأستاذ عباس العزاوي، وهم غداً في منزل الأستاذ جعفر خياط، وهم بعد غد في منزل الأستاذ باقر الشبيبي... الخ. وعلى من يجتمعون في داره أن يقدم إليهم الشاي أو المرطبات، إن اجتمعوا في العصرية، فإن اجتمعوا في المساء كان من واجبه أن يتلطف بتقديم العشاء الخفيف. ولا يجتمعون في المساء إلا إن كانت دار الداعي في مكان بعيد.

وفي كل اجتماع يلقي أحد الأعضاء مسامرة علمية أو أدبية أو اجتماعية. ثم يدور النقاش بعد استئذان الرئيس، وقد يصل النقاش إلى درجات من العنف لا يخففها إلا ضحكات الدكتور الجمالي وفكاهات الأستاذ أبى إيناس.

وأعضاء هذا النادي في غاية من الحيوية، وهم يرسلون من يمثلهم في المؤتمرات التي يقيمها نادي القلم العالمي. وقد أصدر أخيرا مجموعة نفيسة ضمنوها طوائف من المحاضرات التي ألقيت في اجتماعاتهم الدورية، وتقع هذه المجموعة في أكثر من ثلاثمائة صفحة بالقطع المتوسط، وبها رسوم لجميع من حوى هذا السفر أبحاثهم الجياد.

نجد في صدر المجموعة مقالاً علمياً عن المجريطي إمام فلاسفة الأندلس في الرياضيات والطبيعيات، وهو مقال مفصل دبجه الأستاذ محمد رضا الشبيبي. ولهذا الأستاذ الجليل بحث آخر في هذه المجموعة سماه (قصة فتح بغداد)، وهو يصور ما كان عليه المغول من القوة الحربية والسياسية يوم استطاعوا اجتياح العراق؛ ويمكن بسهولة أن نعد هذا البحث من فلسفة التاريخ.

وهنالك بحث شائق للأستاذ أحمد حامد الصراف عن (الغلاة) وهي الفرقة التي تعبد عليا وتراه خالق الكون وسر الوجود

ولنا ملاحظات على هذا البحث يضيق عنها هذا الحديث، وقد نرجع إليها بعد حين.

وفي هذه المجموعة خلاصة وافية لأعمال المؤتمر الرابع عشر لأندية القلم وقد عقد في بونيس إيرس بالأرجنتين (5 - 15 أيلول سنة 1936)، وهذه الخلاصة هي تقرير قدمه الأستاذ مجيد خدوري مندوب نادي القلم العراقي، وفي هذا التقرير إشارات إلى شؤون أدبية وفلسفية تستحق الالتفات.

ويهمني أن أوصي قراء الرسالة باقتناء هذا السفر النفيس، فهو عصارة جهود محمودة في خدمة العلوم والآداب، وهو يصور جوانب من النشاط العلمي والأدبي في بغداد.

ثم ماذا؟ ثم أجمل الغرض من هذا الحديث فأقول: إن الآثار المدونة في الجرائد والمجلات والمطبوعات لا تمثل أعمال الأندية العراقية كل التمثيل، ففي تلك الأندية تدور مطارحات ومساجلات تفوق العد والإحصاء، وفيها تدرس أعمال الأدباء الذين يصل صرير أقلامهم إلى العراق. ولأدباء الرافدين موازين في النقد الأدبي لا تخلو من تحري الدقة والعدل، وهم يعرفون من أخبارنا الأدبية كل شيء، ولا تغيب عنهم مرامينا إلا في النادر من الأحيان، كأن يصدقوا أقوال المصريين بعضهم في بعض، وما دروا أن تهاجي الصحف المصرية باب من الرياضة على إجادة التعبير في مختلف الأغراض.

والظاهر أني مضطر إلى تذكير أدباء مصر بأنهم لا يكتبون لأنفسهم، وإنما يكتبون لأقطار كثيرة، وتلك الأقطار قد يغيب عنها غرام المصريين بالنكتة والمزاح، فما ترسله على سبيل الفكاهة قد يظن من الحقائق، ثم يؤول أسوأ التأويل.

أما بعد فهل يرى القراء أني دللتهم على مظاهر الحيوية الأدبية في أرجاء العراق؟

إنني أوجزت القول عن الأندية الأدبية لأدخر الفرص للحديث عن رجال الصحافة وقادة الفكر في تلك البلاد، فما أحوال الصحافة العراقية؟

سأرى ويرى معي القراء كيف تجول الأقلام وتصول في وطن دجلة والفرات، على شرط أن يرفع الحجاب بيني وبين زملائي هناك، فلا يقال إنني أخرج على آداب الصداقة والأخوة حين انتقل من الحمد إلى الملام. وهل أذكر أهل العراق بالسوء إلا مصانعة للكاشحين والحاقدين؟

كلانا مُظهِرٌ للناس بُغضاً... وكلٌّ عند صاحبه مكينُ

تخبَرنا العيون بما أردنا... وفي القلبين ثَم هوَى دفين

م. الرسالة /العدد 405/ تاريخ: 07 - 04 - 1941