سيد مـكاوى

سيد مـكاوى

سـناء البيـسي

سيد مكاوى مولده فى 8 ايار 1926 فى حارة من جوّه حارة لأب بسيط من عمال التبليط فى حارة قبودان المجاورة لحى الناصرية بالقاهرة، والجد كان بائع سريح بعربة يد ينادى على بضاعته من فاكهة الموسم فى الأزقة والحارات،

ويعود آخر النهار قانعًا برزقه لينفق ليله مُنصتًا للفونوغراف القديم الذى يملكه واسطوانات الأغانى التى جمعها مع ابنه بأصوات أساطين الغناء والتى طغت على بكاء الصغير المصاب بالرمد التى لم تجد الأسرة ما يكفى لزيارة الطبيب فلجأت للوصفات البلدية وكمادات العيش الساخن ومنقوع البصل التى أدت به ليغدو ضريرًا تمامًا فى عامه الثانى، حيث لم تنفع زيارات الشيوخ والأولياء فكان الجد يحمله على عربته ما بين المشمش والحرنكش مُشفقًا على الضرير من وحدته بالبيت،

وذهبوا به للكتاب ليحفظ القرآن الكريم ليغدو فى مستقبله قارئًا، وتلك سمة مصرية فى الواقع، فكل ضرير فى بلادنا ينتسب مباشرة إلى قراءة القرآن، وكأنما من علاماته المميزة أن يكون المقرئ ضريرًا، ولربما كان ذلك راجعًا لذكاء العميان وتبحرهم فى أمور الفقه والدين تبحرًا لا تصرفهم عنه مؤثرات بصرية، وتفوق العميان بوجه عام أمر فى غير حاجة إلى دليل أكثر من أبى العلاء المعرى وطه حسين وسيد مكاوى نفسه.. ولأن سيدنا فى الكُتاب كان فظًا غليظ القلب كره الصبى درسه ليمكث فى الدار وسط اسطوانات أبيه وجده ينفق الساعات الطوال مستمعًا مرددًا الأغانى كما يؤديها أصحابها مثل عبده الحامولى ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوى وغيرهم، لتعود الأم يومًا وقد حملت على رأسها بقجة ضخمة تضم ما لا يقل عن ألف اسطوانة «خرْج بيت» ساومت عليها بائع الروبابيكيا بكل مدخراتها لتفتح كنزها أمام الشرقانين فتنعم أسرة المغْنى والطرب بوجبة تغذى الروح والوجدان تغْنيها عن أشهى طعام، وتتفتح موهبة الشيخ سيد مكاوى على أصوات أعمدة الغناء ويذهب إلى كتاب آخر شيخه أكثر سماحة ليُعجب بصوته ليُلقنه فنون القراءة والتلاوة ليغدو جاهزًا للعمل الوحيد الذى يمكن أن يمارسه الصبى الضرير فيتردد على البيوت والمناسبات ليشتهر فى الحى كله، بينما حلمه بأكثر من أن يكون مقرئًا للقرآن، ولإشباع هوايته للموسيقى والغناء كان يجمع فريقًا يماثله لإحياء الموالد والأفراح بالإنشاد والتواشيح وقصائد المديح النبوية، ولـمّا كان الحى محصورًا ما بين الأزهر والسيدة زينب كان يخرج بفرقته إلى موالد سيدنا الحسين والسيدة نفيسة وسيدى زين العابدين حيث ألوف الوافدين من أعماق الريف.. وفى بعض الليالى كان يحلو لسيد أن يجرّب غناء بعض الأدوار التى حفظها من الفونوغراف القديم فى دارهم فيغنى لعبده الحامولى «قدك أمير الأغصان» أو أغنية الشيخ أبوالعلا محمد «أفديه إن حفظ الهوى» وكانت نتيجة ذلك أن رفضه أهل الحى وقد ألفوه مقرئًا حلو الصوت لآى الذّكر الحكيم وما ألفوه مغنيًا للكلمات العاطفية.. ومن بعد انصرافهم عن دعوته قَل دخله وعاد يعانى من الفقر بعدما مات الجد والأب فكان عليه أن يعول أسرة قوامها ثلاثين فردًا ولم يزل فى الخامسة عشرة!

ورغم ضيق الحال يظل الضرير الموهوب فى بحثه الدائم عن منابع الموسيقى الشرقية الأصيلة رافضًا موجة التجديد والتطوير والاقتباس من الموسيقى الغربية بل وتطويعها للعزف على آلات كهربائية غربية.. يطرق سيد أبواب معهد الموسيقى العربية فرفضوا قبوله فى عداد الطلبة بحجة أنه يمتلك من المعلومات والمواهب الموسيقية ما يضعه فى منزلة المدرسين وأساتذة المعهد، فيتقدم للإذاعة التى تقبله بشرط تحمل أجور الموسيقيين والعازفين ونفقات التسجيل إذا فشلت الأغنية ولم تجزها لجان الاستماع، ونجحت أغنية اختارها للمطرب محمد عثمان ليُدرج اسمه فى قائمة المطربين، ويظل مدرجًا شهورًا طويلة، فعاد ليطرق الأبواب ليسجل أغنية كَتب كلماتها المخرج السينمائى أحمد بدرخان يقول مطلعها: «بدمى يا مصر أفديكى.. أفدى حماكى وأرضيك» وبعدها عدة أغنيات خفيفة فى فترة الصباح مثل «اصح يا محبوب اصحي».. وتلك كانت مرحلة الضيق الكبرى فى حياة الشيخ سيد مكاوى، فقد كان نصيبه من الغناء محددًا بربع ساعة فقط فى الشهر على مدار العام، وكان ينفق أجره كله على تلك الربع ساعة على الموسيقيين والعازفين الذين يعملون معه، بل كان أحيانًا يدفع من جيبه فوق الأجر الذى يتقاضاه.. ووقتها كان يسكن مع عائلته المتضخمة فى بيت قديم آيل للسقوط فى حارة السقايين، تحجبه عن عيون مهندس التنظيم حارة مظلمة رطبة لا تكاد ترى الهواء أو النور، وكان البيت نفسه خلف أحد الأفران البلدية فى الحارة، وكان الايجار لا يزيد على الجنيه الواحد كل شهر، ومع ذلك كان الشيخ سيد مكاوى لا يستطيع دفعه فيتأخر الايجار عليه لشهور عديدة حتى أن صاحب البيت يهدده بالطرد مما يضطره أحيانا إلى المكوث فى الخارج إلى ما بعد منتصف الليل، وكثيرًا ما كان يجد فى حصيرة المسجد ملجئا للصباح..

وتأتى مسيرة الفرج من بعد ثورة ١٩٥٢ بشعار العودة إلى الجذور، وإلى الموسيقى الشرقية الأصيلة وإحياء التراث، وتقدم من جديد أوبريت سيد درويش «العشرة الطيبة»، وتتسلل الأصوات الجماعية إلى ميكروفون الإذاعة مع ألحان محمود الشريف فى مثل «الراعى الأسمر» وأحمد صدقى فى مثل «قطر الندى» وتظهر باقة شعراء الأغنية الجماعية مثل صلاح جاهين وفؤاد حداد وعبدالرحمن الأبنودى وسيد حجاب وعبدالرحيم منصور، وكان صلاح جاهين بمثابة الألفة، وكما كان سيد درويش يستمد عبقريته وعظمته من التقاط معاناة الجماهير اليومية ليحوّلها إلى غناء بدأ جاهين يكتب شعرًا مرسلا بألفاظ الحياة اليومية ليحمل اللواء معه الشيخ سيد مكاوى لتكون أول أغنية جماعية تجمع العسل والطحينة ـ كما كان يُحب جاهين وصف علاقتهما ـ يقول مطلعها: «اعمل لنا مفتاح.. يا صنايعى يا فلاح.. تفتح أبواب الخير.. أسوان مليانة حديد.. انهض ومد الإيد ومتمدهاش للغير» ومن هنا كانت البداية.. بداية مع «الليلة الكبيرة» عندما استمع سيد مكاوى إلى برنامج بعنوان «السوق» من ألحان أحمد صدقى أذاعه الراديو، فأشرقت الفكرة فى ذهنه.. أضاءت الكلوبات فى رأسه تحفزه لأن يُلحن هو الآخر صورة غنائية تنتمى إلى المسرح الغنائى ولكن عبر الإذاعة، فكتب له صلاح جاهين برنامجًا بعنوان «السوق» أيضًا لحنه سيد ببراعة كشفت عن قدراته الخفية وخبراته التراثية الشعبية الموالدية وسجل اللحن وقدمه إلى الإذاعة، فبقى حبيس أدراج محمد حسن الشجاعى ـ المسئول عن الموسيقى والغناء وقتها ـ خمس سنوات وأكثر، إلى أن انتبه إليه المذيع الراحل عباس أحمد وكان أديبًا متذوقًا ومخرجًا إذاعيًا مبدعًا ومقدمًا للبرامج.. ما أن استمع إلى هذه الصورة الغنائية حتى فُتن بها، وسارع لإخراجها ووضعت أخيرًا على الخريطة، وأذيعت مرات عديدة بناء على طلب المستمعين، فلما أنشىء مسرح العرائس، انتبه المخرج الخلاّق صلاح السقا إلى الصورة الغنائية الفذّة فقرر تحويلها إلى مسرحية عرائس لتبدأ انطلاقتها العظيمة وتغدو قطعة عبقرية من تراث الشعب المصرى يتغنى بألانها الشعب العربى كله.

وليس أبلغ من دموع وضحكات وذكريات سيد مكاوى منذ الطفولة التى كان يمارس فيها الشقاوة وهو طفل صغير ضرير فيركب الدراجة فى حى السيدة زينب، إذ يجلس فوقها ممسكًا بالجادون ورِجلاه فوق الدواستين وقد أجلس على ماسورة الدراجة شخصًا مُبصرًا يقوم بحفظ التوازن ويوجّه الدراجة بينما يصيح سيد فى المارة: «اوعى يا جدع وسع يا جدع» فإذا بالناس يتصايحون ضاحكين، حيث يبدو وكأنه هو الذى يقود الدراجة..

«ليس لدى تخيل واضح للضوء، فكل ما أتصوره هو أن الشمس تسقط أشعتها على الأجسام فتقوم هذه الأجسام بامتصاص تلك الأشعة بدرجات متفاوتة، أما السواد أو اللاضوء فهو أمر معروف عندى، وأعتقد أن الألوان فى الطبيعة ناتجة عن الضوء، وتعجبون أنى أحب الأبيض والأخضر وأكره الأسود. بما أنى لا أرى فى الحقيقة فإننى أيضًا لا أكون مُبصرًا فى الحلم ولهذا لا أبصر شيئا فى أحلامى… حبانى اللـه بمجموعة من الأصدقاء تمثل نخبة ممتازة من مثقفى مصر منهم صلاح جاهين، وفؤاد حداد، وحسن فؤاد، وجمال كامل، وباقة الحرافيش نجيب محفوظ ومحمد عفيفى وعادل كامل، وأحمد مظهر، وتوفيق صالح، وهؤلاء جميعًا ساهموا فى تشكيل وجدانى الثقافى إلى جانب ميلى للشِعر وحفظه، وقد اعتمدت فى القراءة على زوجتى الفنانة التشكيلية زينات وبناتى إيناس وأميرة وبعض الأصدقاء، ولا أنسى بالطبع رافدين مهمين لمن هم فى مثل ظروفى التى تعتمد على السمع وهما الإذاعة والتليفزيون… التلحين عندى فى معظمه استلهام، ومادمت فى حال بحث عن نغمة ضائعة فأنا فى حال وجد شديد تمامًا، ولا تنتهى هذه الحال إلا إذا خرجت الجملة الموسيقية إلى النور، أو إذا تركت عودى مُعلنًا فشلى فى العثور على النغمة المطلوبة… أنا لست مطربًا وإنما فنان أستطيع التصرف فى الغناء نظرًا لاطلاعى الواسع وخبرتى فى الأداء، ومن الطريف أننى بعدما أصبحت أغنى بصوتى الألحان التى وضعتها للمطربين وتحت إلحاح منتجى الكاسيت، أصبحوا يطرحونها على أشرطة بصوتى ليفاجأ بعض هؤلاء المطربين بأن الأشرطة التى بصوتى تسجل أرقام مبيعات أكثر منهم مما يسبب حرجًا لىّ ولهم… من قال إننى لم أفز بالاسطوانة البلاتينية، وما هو أقيم من كل الذهب والجواهر والبلاتين، ألا وهو حب الناس، وذلك عندما أصعد على المسرح أو أمشى فى الشارع فينادينى الناس (ازيك يا أبوالسيد)… يؤسفنى انبهار إخواننا الموسيقيين فى منطقة الخليج بالآلات الكهربائية والإلكترونية الموسيقية مما يفقد موسيقاهم وأغانيهم الأصيلة خصوصيتها، كذلك انبهار بعض الموسيقيين عندهم بالأرتام الهندية فى الموسيقى والأغنية حتى لم تعد تُميّزها عن أغنيات فيلم سانجام… حقيقة أنا رجل بيت من الطراز الأول ودليل ذلك أننى أرتدى ملابسى بنفسى ولا أتعامل مع السباك أو الكهربائى فى حالة حدوث أى أعطال منزلية، فأصلح الدش والحنفيات وفيشات الكهرباء وأضبط قنوات التليفزيون… كان اقتناعى شديدًا بموقف السادات فى قضية السلام ولهذا غنيت له «كان قلبى معاك طول ما انت هناك»، وموقفى هنا يختلف تمامًا عنه عندما لحنت وغنيت «حنحارب» فالظروف مختلفة تمامًا، فعندما حدث العدوان الثلاثى كان كل مصرى يحمل قطعة سلاح، والجيش الشعبى كان يستوعب طاقة الجميع حينئذ يكون الكـلام هو حنحارب…

كانت هناك إضافة للشاعر فؤاد حداد غير مسبوقة فى المسحراتى بأن وضع مضمونًا اجتماعيًا راقيًا يوميًا فى مثل ندائه: (أنا باسحر المبعوثين.. أولادنا المتغربين يارب/ فى ألمانيا غرب/ وألمانيا شين (الشرقية) لجلن يعودوا متأثثين/ يسلم لى عوده الواد أمين/ نحن نتلقى العلم حقًا وكويسين»، وقد نوَّعَ حداد فى تناولاته للمسحراتى ليأتى على ذِكر أصحاب الروائع مثل أبى العلاء وأحمد شوقى والشيخ محمد رفعت… قدمت لحن (القافية) وغنيته للرئيس السادات نفسه، أما ما منع ظهوره فهو قصر الأغنية الشديد فهى عبارة عن اثنين يتناوبان الرد بالقافية بشكل مضحك جدًا، ولا أعرف لو أن هذه القافية كانت قد طالت ما الذى كان سيحدث، فهى على رغم قصرها تُضحك الناس حتى تستلقى على قفاها، وأفكر فى جمعها مع بعض الأعمال المشابهة فى شريط واحد.. أغنية «حنحارب» لم أجد كورس ليرددها معى فغناها كل موظفى الإذاعة وعسكر المطافى ومهندس الاستوديو الذى كان يفتح الماكينة ويُسارع ليغنى معنا، وممن شاركونا الغناء يومها ضابط التقيناه مصادفة فى أروقة المبنى اسمه إبراهيم بغدادى الذى أصبح فيما بعد محافظًا للقاهرة… أهم مشايخ الموسيقى على الإطلاق هو الشيخ درويش الحريرى الذى يُعد بحق أينشتاين الموسيقى فى مصر، ولا يوجد ملحن مصرى كبير لم يتعلم على يده أو يستفيد بتراثه من محمد عبدالوهاب إلى أصغر ملحن، حتى أن الشيخ زكريا أحمد لكى يهضم علم هذا الرجل تزوج من ابنته… تعودت الظلام حتى أصبحت أخشى النور، لهذا رفضت السفر للاتحاد السوفيتى لإجراء عملية فى عيناى لا يعلم غير اللـه نتيجتها، وأن لدخول الإنسان إلى حياة جديدة غريبة لم يألفها منذ طفولته ليس عملا سهلا كما يتصوره الناس، وأنا لا أريد أن أكون فأرًا للتجارب.

ويروى سيد مكاوى عن سيدة الغناء: كانت تتصل بى تليفونيا فى الصباح عند استيقاظها من النوم مبكرًا كعادتها فكنت أذهب من أول النهار ـ وعادتى النوم للواحدة ظهرًا ـ لغاية العاشرة مساء، وأثناء إعداد البروفة كانت تخلى البيت إلا من الشغالين حتى لا يُزعجها أحد عن الإحساس باللحن أو تغيير شىء، ولها قدرة فائقة ومقدرة اسطورية على حفظ اللحن، وتقليد اللحن، كما كان من مزاياها المتعددة والفريدة قدرتها على الارتجال، فهى تستطيع أن ترتجل لمدة ساعة كاملة وتعود بسلام مرة أخرى لأداء أغنيتها التى تتدرب عليها، وفى ارتجالها ثقة مما تفعله، وهذا نتيجة لحفظ الألحان الكثيرة القديمة والموشحات وقراءة القرآن وتعمقها فى هذا الفن الحساس العميق.. وأبدًا لم يسبق لأم كلثوم أن قدمت أى ملحن، لكنها قدمتنى أنا على خشبة المسرح وكانت مفاجأة عظيمة لى وراءها حكاية، فما لا يعرفه الناس عن أم كلثوم أنها كانت تقوم بضبط الآلات الموسيقية بنفسها، وعندما تدخل عند العازفين تلبس البالطو وتقفل أزراره لأنها فى كل حفلة ترتدى فستانًا جديدًا لا تحب أن يراه أحد حتى العازفين أثناء ضبط الآلات حتى يكون الفستان مفاجأة للجميع، وفى تلك المناسبة كانت تغنى للمرة الثانية يا مسهرنى، فأرسلت لى عازف الكونترباس ليقول لى: الست تريدك أن تضبط معها الآلات الموسيقية قبل الحفلة، فقمت معه فأجلستنى بجوار العازفين فزعلت وأخذت على خاطرى لأنها دائما بتصلح الآلات بنفسها وليست محتاجة لجهدى، لكنى رجعت وقلت لنفسى ربما تريدنى أن أسمع اللحن وهى تغنيه، وعلى كل حال يكفينى أن أقعد أسمعها عن قُرب، وبالفعل غنت أم كلثوم الكوبليه الأول، وبعد ذلك توقفت الموسيقى ووجدتها تجىء إلى مكانى وتمسكنى من يدى وتقدمنى للجمهور، وكان هذا التقديم أعظم مكافأة فى حياتى، ولكن رغم هذا التكريم من أم كلثوم لى وهى صاحبة الجلالة على عرش الطرب الذى لا ينافسها ولا ينازعها عليه أحد فإن الصحافة فى مصر جميعها لم تتحرك لكتابة أى كلمة، وعرفت أن عبدالوهاب لم ينم وقتها وقام بالاتصال بالصحفيين لمنع نزول الخبر وبالطبع لا حس ولا خبر، ولكن هذا التسجيل موجود بالإذاعة وهى كانت الحفلة الثانية لأغنية يا مسهرنى، لكن ذلك لم يترك لدى تأثيرًا فيكفينى ما قامت به سيدة الغناء لى، وأذكر أنها فى بعض الجلسات وقبل بدء البروفات كانت تقرأ لى أبياتًا تستهويها من أشعار المتنبى والبصرى وأبوتمام وأبونواس وشوقى ورامى.. وعندما كنت أذهب إليها تقدم لى كل ما عندها، ولو ملكت الدنيا ما بخلت بها، ثم إنها كانت بسيطة للغاية فكانت تأكل فى الفطار الفول المدمس بالقوطة والبيض المسلوق وتقول لى «عارف يا شيخ سيد البيض ده جانى من البلد، والعيش ده مخبوز فى طماى الزهايرة» بما يعنى أنها كانت مرتبطة بقريتها ولم يفصلها وجودها فى القاهرة وشهرتها عن انتمائها لمنبت رأسها، وكثيرًا ما كنت أروى لها من النوادر ما يُفجر ضحكاتها ومنها عن أمى الأمية البسيطة التى كانت تقرأ الفاتحة فى الصلاة خطأ فكانت تقول مثلا «بسم اللـه الرحمن الرحيم، ادينا الصراط المستقيم مش المغضوب عليهم لا، ولا الضالين آمين» فأقول لها وهى فى الصلاة يا أمى أنا طول عمرى أحفظك الفاتحة وتقرأيها غلط، فتقول لى اتنيل جاتك نيلة شوف السهر والغلب اللى انت فيه. اللـه أكبر، وتكمل الصلاة.. فلما رويت لأم كلثوم هذه الواقعة ضحكت وقالت لى انت بتشنع عليها، فقلت لها طيب إيه رأيك لما تيجى أمى عندى تزورنى أخليها تكلمك فى التليفون وتشوفى طريقتها، قالت موافقة، وفى يوم أمى جت عندى وبالفعل قمت وطلبت أم كلثوم وقلت لها أمى عندنا يا ثومة تاخدى تكلميها فقالت لى أيوه، فأول ما مسكت أمى بالسماعة قالت لها إزيك يا اختى والنبى فرحت لك قوى، ده مفيش زى الموسيئة بتاعة سيد ابنى، وكأنها لم تسمع عن أم كلثوم من قبل، فأخذت السماعة وقلت لأم كلثوم، مش قلت لك صدقتينى، فقالت لي: دى ربنا هيكرمها أكثر منك.. أما عن رفضى مسبقًا تلحين «أنساك يا سلام» فالحكاية أنهم اتفقوا معى على أن أُلحن لأم كلثوم وكتب مأمون الشناوى كلمات الأغنية التى كانت تقول «إياك فاكر أحب تانى.. وانت اللى عارف أول وآخر الحب انت» التى تغيّرت فأصبحت «أنساك يا سلام».. وقبض هو ثمن الأغنية، ولم يرتبط معى أحد بأى مقدم للحن كما يفعلون عادة، فلم ألحن الأغنية، وعندما صاح أحد الفنانين فى وجهى قائلا: «يا شيخ.. ألا يكفيك فخرًا أنك ستلحن لسيدة الغناء؟»، قلت له: «واللـه يا سيدى كـلامك صحيح لكن البقال والجزار اللذين أتعامل معهما لا يتعاملان بعملة الفخر هذه ويفضلان عليها عملة الجنيه، وأنا رجل فقير لا أملك إلا أن ألحن وأقبض وآكل، فإذا لم ألحن ولم أقبض لن آكل أنا والقبيلة اللى فى رقبتى»...

سيد مكاوى من وهبه اللـه ظُرفًا فى الأداء، بل فى الصوت نفسه، وفى شخصيته التى تصل إلى مراتب أسطورية وكأنه جحا أو أبونواس، فما أن تأتى ذكراه إلا وتجد أحد الجالسين يروى نادرة منه أو عنه، ففى سوريا كان كل بائع أو صاحب محل يودعه بقوله «تكرم عينك» ولما انتهى من جولته فى الأسواق كان تعليقه «البلد دى كلها ناس طيبين كل حاجة تكرم عينك، يعنى الواحد لو قعد هنا كام شهر يرجع له بصره من تانى!».. ويتأخر عن موعده مع أم كلثوم فما أن رآها على وشك الغضب حتى اعتذر قائلا: «معلش يا ست الكل الدنيا زحمة وأنا اللى كنت سايق العربية»، وكان فى إحدى الجلسات الحميمية مع الأصدقاء قد صهلل بالغناء والاندماج وفجأة نحى العود جانبًا قائلا: «عايز أروح الحمام»، فقالوا له ببساطة: «اتفضل»، فلم يكذب خبرا، ونهض واقفًا ثم مشى فى اتجاه الحمام وحده فى سلام، لكنه عند العودة فوجئ بنفسه يرتطم بالحائط، فصاح قائلا: «اللـه اللـه.. احنا اتعمينا تانى ولاّ إيه؟!»، وتسأله مذيعة عن البرامج المحببة إليه فرد على الفور بأنه يُفضل مشاهدة مباريات كرة القدم!

ذات صلة