بواكير التجديد العمراني في مدينة النجف

بواكير التجديد العمراني في مدينة النجف

د. طارق الحمداني

تتفق اغلب المصادر ان مدينة النجف تقع على ارض فسيحة مرتفعة على حافة الصحراء الغربية وفي الجنوب الشرقي (كذا) - والصواب الجنوب الغربي - من هذه المدينة وفقا لما ذكره السعدي.

« كان هناك بحيرة او (بحر النجف) التي يبلغ طولها عشرة فراسخ وكذلك عرضها , وعمقها ثلاثة اذرع الى عشرة، ترد اليها السفن من البصرة في نهر الفرات , وتدخل اليها بقرب قرية يقال لها الشفافية. وقد سافرت ورايتها سنة 1285 ﻫ- 1287 ﻫ- وسنة 1310 ﻫ- نشفت وصارت قاعا صفصفا. وفي وقتنا هذا (اعني سنة 1325 ﻫ-) صارت ارض تلك البحيرة كثيرة الزرع والخصب وتسقى من نهر الفرات».

وفي وسط المدينة يقع مشهد الامام علي (ع) وتنتشر حوله الاسواق والمدارس والزوايا ودور السكن وفي الوقت الذي يبدي فيه جون اشر اعجابه الشديد بالزينة والمقرنصات الموجودة في الصحف الشريف , الا ان حالة المدينة لم تكن كذلك، عند زيارته لها في 28 كانون الاول 1864، اذ يقول:

« انها بحالة خربة جداً مع كونها تضم ضريح الامام علي ع , وان نفوسها لاتكاد تتجاوز الخمسة الاف نسمة، اي بمقدار عشر سكان كربلاء,التي كانت تعد على جانب اكبر من الازدهار والتقدم «.

وبينما يقدر جيري . عدد سكان المدينة ب- اثني عشر الف شخص في عام 1878 , فان هذا الرقم يتضاعف في تقدير بيترز عام 1890 الذي يقول:

« تبدو النجف مدينة مزدهرة , ويقدر عدد نفوسها بعشرين الى ثلاثين الف نسمة «.

ومثل هذه الزيادة لايمكن ان نوعزها الا الى حالة التطور والتوسع في الحياة المدنية للنجف، هذا مع العلم ان لوريمر اشار الى نفس الرقم الذي اشار اليه بيترز ولكن في عام 1907 م .

يحيط بالنجف سور حجري عالي اشبه مايكون بسور مسجد الكوفة، يحيط بها بصورة منتظمة . ويبدوا ان بناء هذا السور قد تم - حسب ما اشار اليه بيترز على حساب مدينة الكوفة , اذ شاهد هذا الرحالة كثيرا من الدواب وهي تنقل الاحجار الى النجف من انقاض مدينة الكوفة , وينطبق هذا الامر ايضا على بناء البيوت في النجف .

لم تكن اسوار مدينة النجف وحصونها، الاجزء من عمليات الحماية التي وضعت لها، فالمدينة كانت معرضة لهجمات الاعراب المتكررة، وقد اتخذت

اجراءات معينة لدرء تلك الهجمات يصفها لنا جيري بقوله:

«تقع النجف على حافة الصحراء , لذا يواجه الحجاج (الزوار) صعوبات عديدة في الوصول الى الضريح. ولذا هيا بعض الاتقياء الموسورين اماكن لتذليل تلك الاخطار , وذلك في المناطق المجاورة للمدينة ذاتها. اذ عملت بيوت لايوائهم، وامتازت تلك البيوت بانها ذات ابواب واطئة، يمكن دخول الحاج (الزائر) اليها مع دابته , مما يبعده عن اي هجوم قد يقوم به الاعراب , عندما يكون في الحراء كما حفرت الابار لارواء القادمين «.

شهدت النجف نوعا من التوسع العمراني في اواخر القرن التاسع عشر، ولكن هذا التوسع اقل مما هو عليه الحال في كربلاء، باعتبار ان الاخيرة كانت مركز للواء، في حين ان النجف احدى اقضيته. ومع ذلك فان الاهتمام بمدينة النجف وتوسيعها كان موجودا باستمرار , بوصفها المركز الديني المهم الاخر في العراق. ففي اثناء جولة مدحت باشا التفتيشية في المدن العراقية زار كربلاء فقرر انشاء محلة جديدة خارج القصبة بسبب ضيق المدينة , ولكثرة عدد السكان والزوار الاجانب , وسميت المحلة الجديدة بالعباسية. وعلى ذلك طالب اهالي النجف بتوسيع قصبة القضاء للأسباب ذاتها.

ويستفاد مما اوردته جريدة الزوراء، ان عمليات بناء فعلية قد بوشر بها في مدينة النجف اذ جاء فيها:

«نظراً الى المعلومات التي بلغتني في النجف الاشرف ان الارض الفسيحة التي يصادفها الداخل الى القصبة قد انشئ وبني فيها كم دار ودكان وخان باسم خان البلدية المحلية. والفضاء المذكور أوسع موضع في البلد والدور والخانات التي بنيت ايضا قد أنشئت بطرز بهي حسن لطيف, فلذا جعلت تروق الناظرين. ويوجد في النجف من المجاورين خلف كثيرا مما عدا أهاليه , فمن ثمة كان المأمورون المحليون يقاسون مضايقة في خصوص تأجير الدور، الا انه بتأسيس هذه الدور سيحصل الرفاه.

والابنية المذكورة جامعة لمحسنات ثلاثة , تحصل بها الفائدة للبلدية كالمعمورية والرفاه والاسكان «.

ولهذه الاسباب جرت عملية الاعمار في قضاء النجف , الا ان هذه العملية قد تعطلت - ويعلل ذلك محبوبة بقوله:

« وقفت الحركة وتعطل السير وتركت العمارة، فان الحكومة التركية العثمانية بعد ان اعلنت بيعها ورغبت الكثير من شرائها اضربت عن البيع وحضرت العمارة فيها بزعم انها من الموقوفات فتركت الدور فعادت خرابا لم تذكر وضاعت اثارها «.

واكد لوريمر هذا الاتجاه حيث قال:

« ومساكن النجف اغلبها من الطوب والملاط والمباني الحديثة من الطراز العصري وتحل محل المباني على الطريقة القديمة. ومجهودات السلطة التنفيذية حتى الوقت الحاضر (اي 1907) قد اعاقتها الاوقاف او قسم الاوقاف الدينية «.

ومع ذلك كله , فان عملية التوسع العمراني في النجف لم تقتصر على داخل اسوار المدينة , وإنما تعدتها الى مناطق خارجها، وهذا ما اشار اليه لوريمر بقوله:

و بها (إي النجف) حوالي عشرين نزلا للمسافرين في احياء مختلفة منها خمسة او ست خانات جيدة البناء بالطوب على الطراز الحديث وتقع خارج المدينة في الناحية الشمالية الشرقية على بعد (25) ياردة من أسوار المدينة.