قطراتٌ من الماء على (أوراق المحطة الأخيرة)

قطراتٌ من الماء على (أوراق المحطة الأخيرة)

خاص بالمدى

سهى الطريحي، دبلوماسية مخضرمة، عملت في الخارجية العراقية بمهنية عالية في فترات سياسية متباينة، وحرجة، وخدمت في عدة بلدان ومؤسسات دولية، ووصلت إلى درجة وزير مفوض قبل أن تحيل نفسها على التقاعد في بداية التسعينات.

وكانت سهى قد درست العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، في نهاية الخمسينات، وبيروت في الخمسينات قطعة من أوروبا، علماً وثقافة وصحافة وحرية، فكان أن استفادت سهى من هذه الموجة البيروتية، وخزنت في ذاكرتها ما لمسته من ثقافة، وما تعلمته من فنون السياسة وإدارتها، فضلاً عن إجادتها اللغتين الانكليزية والفرنسية، تحدثاً وترجمة.

ولكن سهى تعلمت قبل كل ذلك في مدرسة والدها، العميد الركن محمد حسن الطريحي، فقد كان الرجل أديباً مثقفاً، وحافظاً للشعر، وناظماً له في مناسبات قليلة، وفضلاً عن ذلك كان سياسياً، وكان من المؤسسين لجماعة الأهالي في العراق، ويرتبط بعلاقات صداقة مع الكثير من شخصيات المجتمع العراقي، ولن أسهب في الحديث عن مؤهلاته وسيرته، ومواقفه السياسية، وما تعرض له من ملاحقة؛ لأنه فصل الحديث عن ذلك في مذكراته التي دونها وحققها الدكتور محمد حسين الزبيدي، وصدرت عن دار المدى، بغداد، 2006.

تعلمت سهى الطريحي من والدها الشجاعة وحب الحقيقة، والدفاع عنها، وتأثرت بالنزعة الصوفية التي يؤمن بها، واستمعت إلى النقاشات الأدبية والسياسية التي كانت تعقد في بيتهم، ومذ كانت طفلة في الابتدائية تعرفت إلى الكتاب من خلال مكتبة والدها، ومازال الكتاب صديقها، وهي تتجاوز الثمانين من عمرها، ولكن بلا سأم، ولا تحتاج إلى ترجمان بكل تأكيد.

أحبت سهى الإنسان والسلام والعراق، وتأثرت بشخصيتين عظيمتين في العالم هما غاندي ومانديلا، فكلاهما يكره العنف، وكلاهما يسعيان إلى تغيير واقعهما بغير الحرب، وهو ما يناسب شخصيتها الصوفية، وسنرى أنها ستذكرهما في مقالاتها في أكثر من مناسبة. ولو أن سهى قد اختارت مجال عمل غير الدبلوماسية لكانت كاتبة الآن، فلديها من الموهبة، والخيال، واللغات الأجنبية ما يؤهلها للكتابة الأدبية، ولكن العمل الدبلوماسي وما يتطلبه من منع النشر، جعلها تؤجل كتاباتها إلى الآن.

ولو نظرنا إلى مقالاتها في هذا الكتاب؛ لوجدنا أثر الأحداث المعاصرة فيها، وكأنها ما كانت لتكتب لولا ما صاحبنا من حروب، وغزوات، وتحرير، وسقوط، وأحزاب، وميليشيات، وتهجير، واختطاف، و...، و...، ودولة بلا دولة!

ومن كان يملك قلباً خالصاً للمحبة، لا يستطيع أن يكتب غير ما كتبت سهى، فلا مجال في مقالاتها لموضوعات ذاتية بعيدة عن هموم الناس، أو موضوعات شخصية بحتة؛ لذلك نستطيع أن نعد هذه المقالات وثيقة تأريخية لهذه السنوات العجاف، كتبت بطريقة محايدة من قبل مواطنة عراقية تتعرض للتهديد، وتشاهد، وتسمع من هذه الأحداث مباشرة، وقد تعرض بيتهم إلى تفجير قنبلة صوتية في إحدى المرات.

تتميز مقالات هذا الكتاب ببساطة لغتها، ووضوحها، ولكن هذه الكلمات البسيطة تحمل شحنة انفعالية عالية، وسخرية مريرة، وتستخدم سهى الطريحي ـ وبلا إسراف ـ بعض الكلمات الشعبية كي تستطيع أن تصور انفعالها أشد التصوير في عالم مشوه، تغير فيه كل شيء، وفي بعض الأحيان تستطيع اللهجة الشعبية أن تصور الأحداث، وتجليها أفضل من كل الكلمات الفصيحة. ونلحظ في مقالاتها أيضاً أثر التأريخ الإنساني، وشخصياته المحاربة وغير المحاربة، فهي تستحضر حوادث التأريخ لتصور، أو لتقارن، أو لتحلل هذا العالم المشوه، وقد تسربت في مقالاتها ثقافتها اللغوية والسياسية، والأدبية، فغالباً ما تضع المصطلح الإنكليزي لتوضيح المصطلح العربي، وغالباً، ما تشير إلى مالثوس، ومكيافلي، وابن خلدون، والمعري، وأندرية مارلو، وطه حسين، والقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وشعر عمر الخيام وحافظ الشيرازي، والمتنبي..إلخ، مما يكسب مقالاتها حركة دائمة متموجة، لا يشعر فيها القارئ انه يسير في شارع واحد، وفي ساعة واحدة من اليوم.

وفي مقالات الكتاب مزيج من المناقشات الفكرية في السياسة، والاقتصاد، والتصوف، ومن الأدب الساخر، وأدب الرحلات، وعرض الكتب، واستذكارات أصدقائها الراحلين، وأحلامها، ومشاهداتها الميدانية، وذكرياتها، ويومياتها، ويوميات العراق وأخباره ومآسيه التي تملأ الخافقين بلا حل! فضلاً عن مجموعة من الوثائق، وهي خطاباتها في الأمم المتحدة، وفي اللجان التي عملت بها. ومع ذلك فلم تستطع سهى الطريحي أن تقول كل شيء، ولم تستطع أن تعبر عن آرائها بصورة جلية، ففي هذه العصر، لا تستطيع أن تقول كل شيء، ومن قال ما يعتقد به تعرض هو أو تمثاله أو كتبه إلى القتل!!

وهذا الكتاب ليس كل مقالات سهى الطريحي، ففي أدراجها وأوراقها أكثر من ذلك، ولكن في ذاكرتها من المقالات، والأحداث، والحوادث، والشخصيات ما يفوق حجم هذا الكتاب، وهو ما يشكل مذكراتها غير المنشورة بعد.

فقد عاصرت أحداث العهد الملكي، من خلال والدها وأصدقائه من سياسيين وعسكريين، وعاصرت أحداث القرن العشرين من خلال تواجدها في بيروت، والأمم المتحدة، ووزارة الخارجية، وسفارات العراق في بلدان متعددة، وارتبطت هي وشقيقتها الصحفية والمترجمة آسيا الطريحي بشبكة واسعة من علاقات الصداقة مع الكثير من الشخصيات الأدبية والأكاديمية والفنية والسياسية، العراقية والعربية، وعندما أدخل إلى بيتهم تستوقفني كثرة اللوحات والأعمال الفنية، لعدد من فناني العراق، وبخاصة نهى الراضي وإسماعيل فتاح الترك وسعدي الكعبي.

كل هذا يشكل مادة جاهزة لمذكراتها، وأنا متأكد أن هذه المذكرات ستزودنا بصورة حية وصادقة للتأريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي في العراق، وستكون (مادة خام) للكثير من السيناريوهات، والأفلام لو قدر للعراق نهضة سينمائية أو تلفزيونية ذات يوم. وذلك لأن سهى الطريحي كانت تلتقط كل صغيرة وكبيرة لتخزنها في ذاكرتها، ثم تحيلها إلى صورة حية، وكلي أمل أن نقرأ مذكراتها ذات يوم. وكلي أكل أمل أيضاً أن نستمع بهدوء إلى مقالات سهى الطريحي، فقد كتبتها بحرقة قلب محزون.

سهى محمد حسن الطريحي، أوراق المحطة الأخيرة، مقالات ومناقشات، مؤسسة دار الصادق الثقافية، بابل، العراق، 2015.

ذات صلة