بيتر بروك يقرأ رســائل تشيخــوف

بيتر بروك يقرأ رســائل تشيخــوف

فاضل سوداني

يبني المخرج العالمي بيتر بروك (79 سنة) عرضه المسرحي المسمى (ضع يدك في يدي) على 400 رسالة حب تبادلها المؤلف المسرحي الروسي آنتوا تشيخوف وزوجته الممثلة الشابة في مسرح موسكو الفني أولغا كنيبر بعد أن قام بإعدادها للمسرح كارول روكامورا. ومازالت هذه الرسائل تتميز بإثارتها لشجن عاطفي خاص فيه الكثير من الحب والصدق بعد مرور قرن من الزمان عليها.

ولم تكن إدارة مهرجان Fools 25 تحت إشراف مسرح كوبنهاكن العالمي تحلم أن تفتتح مهرجانها الصيفي السنوي بهذا العرض بتقديم مسرح بيتر بروك Teatre des Bouffes du Nordالذي أسسه في باريس.

ومما جعل العرض المسرحي هذا أكثر إثارة وإدهاشا للجمهور الدنماركي هو أن البطولة فيه تقاسمها الممثل الفرنسي السينمائي المعروف ميشيل بيكولى مع الممثلة المسرحية القديرة نتاشا باري(زوجة المخرج) ، إضافة الى أنهما يمثلان أشجان وحب مبدع مثل تشيخوف وهو في الثلاثين من عمره وأولغا كنيبر وهي في العشرين. وببساطة معبرة وشفافية وشاعرية كبيرة يعرض هذان الممثلان عاطفة صادقة جرفت المؤلف المسرحي والممثلة المقتدرة لست سنوات فقط. و ليس من السهولة الآن الحديث عن هكذا موضوع و إحياء ما جاء في رسائل الحب النبيل القديمة في زماننا الذي أصبح كل شيء فيه مزيفا ويخضع للاستهلاك حتى الحب.

أن منهج التمثيل الذي أتبعاه الممثلان من أجل إحياء هاتين الشخصيتين هي طريقة الإخراج الجديدة التي تبناها ومارسها بروك في إخراج عروضه في السنوات الأخيرة والتي تعتمد البساطة والتكثيف الفني في كل شيء سواء في حركة الممثل أو في فضاء العرض بعيدا عن التعقيدات والفبركات المسرحية (بحجة التجريب) التي تجعل الفكرة غامضة لدرجة يلتبس الأمر فيها على المتفرج. أنها طريقة إخراجية كانت أساس لكتابة أهم كتب بروك التنظيرية (الفضاء الخالي) لكنه الممتلئ بغنى عمل الممثل التعبيري على خشبة المسرح.

وعلى هذا الأساس يحاول المخرج في كل عروضه الوصول الى الممثل والفضاء الشعري المعبر الذي فقده المسرح المعاصر بتأثير وتفضيل المسرح الساذج أو الخشن الثقيل والثرثار. والفراغ هنا لا يعني أللاشيء أو العدم، وإنما يعني الحياة، أي أن يحدث شيء ما في هذا الفضاء أو أن تحل مشكلة فيه. وبمعنى آخر أن بروك يكثف ويؤسلب فكرة العرض وحركة الممثل والصورة في الفضاء المسرحي الى أقصى الدرجات ويجعلها واضحة ومعبرة وفيها الكثير من العمق والشفافية أمام الجمهور الذي يدفعه هذا أن يرى عرض واضحا في إشاراته وعميق في معناه وحركة ممثله فيكون متوهجا وفيه الكثير من الدفء وسرعان ما يدخل في أعماق الجمهور.

لقد جرب بروك خلال مسيرته المسرحية الطويلة الممتدة لأكثر من نصف قرن، الكثير من الأساليب وطبق العديد من النظريات، فتوصل بخبرته الى هذا الأسلوب الإخراجي المعبر والغني والذي يخلق من خلاله عرضا ينتمي الى صدق مشاعر وأحاسيس شفافة لمبدع كتشيخوف.

رسائل شاعرية عنيفة

عندما التقى تشيخوف (الروائي والمؤلف الدرامي و الطبيب أيضا) بالممثلة أولغا كنيبر في مسرح موسكو الفني تحت إشراف المخرج والمنظر الروسي ستانسلافسكي الذي بدأ يخرج مسرحيات تشيخوف حيث لاقت نجاحا كبيرا مثل مسرحية الخال فانيا ومسرحية الشقيقات الثلاث وبستان الكرز وغيرها، شعر كل منها بقوة تجذبهما، أنه الحب الذي تكلل بزواجهما(استمر ست سنوات فقط. كانا معا في عام 1900 ـ مات تشيخوف وهو في عمر 44أي في عام 1904) بالرغم من أن تشيخوف كان مريضا بالسل مما حتم عليه العيش في جو حار مثل جو مالطا في الجنوب فيساعده هذا على الكتابة أيضا. أما هي فان ظروف عملها المسرحي يفرض عليها أن تكون في موسكو. فكانت رسائلهما الطويلة هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن حبهما وعلاقتهما الفريدة، إذ فيها طرح كل منهما مشاكله الحياتية والإبداعية ـ المسرحية في رسائل شديدة العاطفة والشاعرية والدفء والحميمية، مما جعل عرض بيتر بروك ـ تشيخوف (ضع يدك في يدي) عرضا عن الحب والمسرح.

والنص المعد عن جو الرسائل التشيخوفية يتناسب مع أسلوب بيتر بروك ويساعده للتعبير الفريد اعتمادا على الجملة المعبرة الرشيقة المكثفة، فالرسائل فيها جانب مهم هو شاعرية العواطف التي تبتعد عن خشونة الواقع وفيها الكثير من الحب والحياة مما جعل تراجيدية هذا الانفصال او البعد المفروض على الزوجين قصة حب عنيفة مبنية على فهم أحدهما للآخر واحترام صادق لحياتهما العملية وإيجاد التبريرات لظروف عملهما الإبداعي. ومن هذا المنطلق تبدو شيئا مدهشا حقا طبيعة هذه العلاقة بينهما، فهما كانا مبدعان في المسرح والحب والحياة، ومن هنا كانت أهمية هذا العرض أيضا.

الرؤية الإخراجية

في عرض بيتر بروك هذا كان الإخراج بعيدا عن الافتعال، فليس هنالك ضوضاء أو صخب، وإنما هنالك صمت معبر يصل حد التأثير الشعري الذي يُظهر الكثير من الجمال في ابتعاد تشيخوف عن أولغا كنيبر،والكثير منه في تمثيل نتاشا باري وميشيل بيكولي اللذين كانا يتحركان في فضاء خشبة مسرح تتوزع فيه ثلاثة كراسي مغطاة منذ البداية بالقماش الأبيض،ويغير الممثلان مكانها حسب الحاجة و التعبير عن الحدث كما حدث في الماضي.

إضافة الى ستارة حمراء وسجادة على الأرض ومنضدة مكتب مما يوحي وكأن المكان غرفة للقراءة المسرحية تضيؤها إنارة بيضاء شاحبة. ويوحي كل هذا بذلك الجو الشاحب الذي تتحرك فيه شخصيات تشيخوف المسرحية بسبب شحوب حياتها. ومعد هذه الرسائل كان حريصا على أن تتحول إلى عرض يثير الكوميديا الشاعرية السوداء الشفافة.

في هذه السينغرافيا تـُمثل قصة حب عنيفة تتوهج بحرقة الفراق والبعد. مرة يكون الممثل بيكولي والممثلة ناتاشا باري خارج الحدث أي كممثلين يرويان الى الجمهور مباشرة قصة حب تشيخوف وأولغا كنيبر وحياتهما التي فيها الكثير من المسرح فيتذكران مسرحيات تشيخوف وظروف كتابتها، أو يرويان ويدخلان في الحدث أيضا ليمثلان كل شي مرتبط بحياتهما كما حدث في الماضي وكما جاء في الرسائل. ويحدث أحيانا نوعا من تداخل الأزمنة فمثلا عندما لم يستطع تشيخوف الطيب والخجول طرح رغبته أو رأي ما أمام ستانسلافسكي المخرج المفكر، واحتراما له فإنه يوافقه دائما،ولكن يكتب رايه الحقيقي الى زوجته، والممثلان بيكولي و نتاشا يعلقان عليه (الآن) أمام الجمهور. ويتطرق العرض لحادثة واقعية في إحدى الرسائل حيث يكتب تشيخوف عن واحدة من مسرحياته التي أخرجت في مسرح موسكو الفني بأن المخرج ستانسلافسكي لم يتوصل الى جو المسرحية ولا للكوميديا السوداء المبنية عليها، وهذا حدث بسبب كون المخرج ستانسلافسكي في تلك المرحلة كان يفكر بواقعية فوتغرافية وطبيعية مغرقه ويريد أن ينقل الطبيعة والحياة بدقيق تفاصيلها على خشبة المسرح بعيدا عن المسّرحة الضرورية للعرض.

ومرة أخرى فأن الممثلين يندمجان بالشخصيتين (أي تشيخوف وأولغا) فتمثل ناتاشا إحدى شخصيا ت الشقيقات الثلاث مما يدخلنا في أسلوب مسرح داخل مسرح، والتكنيك الإخراجي هذا أعتمده بروك بدون مبالغة كبيرة، فبرز أسلوب التكثيف في كل شيء، فليس هنالك إكسسوار يستخدمه الممثل، فمثلا عندما يقرآن فقرات من الرسائل يتم هذا بدون ورق، أي ان الأكسسوار والأشياء المستخدمة الأخرى كبرقية التلغراف غير مرئية توحي بها الحركة فقط.

والقيمة الفنية الأخرى تعتمد على تكنيك له علاقة بالإعداد و إخراج العرض، مثلا عندما تستعيد أولغا كنيبر بعض أحداث الماضي من وجهة نظرها فأن نفس الحادثة هذه، يتحدث عنها تشيخوف من وجهة نظرة هو وفيها بعض تعليقاته والكثير من الضحك والسخرية المرة التي تثير الجمهور، وأحيانا يتداخل الحدثان او يروي الممثلين بعض الأحداث بالتناوب فأحدهما يكمل رواية الآخر.

وبما ان الماضي موجود بكثافة في الأحداث فان المخرج يعتمد على صوت القطار الحزين وهو يصوت بطريقة كأنه صوت الموت، وهذا تأويل مهم لأن الموت كان دائما رابضا في بيت تشخوف نتيجة مرضه ولهذا فان الستارة الضخمة المعلقة في الغرفة كانت حمراء تجذب البصر وتثيرنا بسكونها. واعتمد المخرج للتعبير عن الماضي أيضا بصوت التلغراف القديم كإشارات برق تعبر عن المجهول.

وقبل أن يموت تشيخوف يرتدي قبعته ويحمل عصاه ويتنحى جانبا في الظلام الخفيف. ولم يبق لأولغا بعده سوى الفراغ والمسرح. وكانت نتاشا باري حتى النهاية تشعرنا بان أولغا عاشت مخنوقة من الفراغ بعد موت تشيخوف، فكانت شفتاها متجمدتين من هذا الفقد الذي سيحرمها رؤية عيني تشيخوف ـ بيكولي التي ترى العالم بعيني طفل (هل حقيقة سوف لا نرى بعضنا أبداً؟ ! ) هكذا تكتب أولغا ـ ناتاشا باندهاش وعدم تصديق في رسالتها ألأ خيرة (التي لايمكن أن ترسلها) الى حبيبها الراحل إلا أنه يسمعها، أما بيكولي تشيخوف (الميت) فيسمعها وهو في ظلام عمق المسرح، ينظرها مبتسما فقط.

التمثيل

كانت نتاشا باري تتحرك على المسرح برقة متناهية فيها الكثير من التعبير، فمن خلال حركة يد بسيطة تمسد بها شعر حبيبها الأبيض تظهر لنا إعجابها بإبداعه المتميز، وعندما تضع الشال على كتفيه، فهذه الحركة الرقيقة فيها تعبير على قلقها عليه وكأنها تتمنى ألا يمرض من جديد، بل أن يكون لديه القدرة على الاحتفال معها بتوهج الحياة ليلة واحدة أخرى، وهو من جانبه يفهم مشاعرها وحركة يديها الحنونتين وصوتها الرقيق المتهدج وهي تتحدث عنه بإعجاب كبير.

أما ميشيل بيكولي فبالرغم من أنه ينطلق من التعبير عن الشاعرية في الحياة ويركز عليها في تمثيله من خلال اعتماده على منهج ستانسلافسكي في كتابه (عمل الممثل مع نفسه ومع الدور) أي منهج المعايشة والإندماج الكامل بالدور، إلا أنه يضع أيضا مسافة بينه وبين الشخصية حسب منهج برشت الذي يلتزم به بيتر بروك في الكثير من الأحيان في عمله.

لذلك فالممثلان بيكولي ونتاشا باري وبتأثير شاعرية بيتر بروك المسرحية لم يخدعا الجمهور بحركات استعراضية سريعة مزيفة ولا بالملابس الملونة الجذابة ولا بتلك الحركات والإشارات الكثيرة التي يضيع وسطها غنى الممثل الروحي، وإنما كانا يعتمدان الإشارة المعبرة ووضوح المشاعر. حقا كانا ممثلان بخبرة رصينة واضحة و يمثلان بسخرية وكوميديا قريبة من روح تشخوف

لقد أثار المخرج في هذا العرض تلك العناصر الضرورية للتوتر الدرامي المبني على المشاعر المركبة والعواطف النبيلة المؤثرة لإثارة الحنين في داخل الجمهور، ولكن بدون عواطف ثرثارة من خلال أسلوب شفاف له علاقة بأسلوب الواقعية البنائية لأن مسرح بيتر بروك هو مسرح الممثل، لذلك فلم يلتزم المخرج بدقة التفاصيل لنقل عصر تشيخوف أو الشبه الكبير بينه وبين الممثل بيكولي.

والهدف الأساسي لبيتر بروك في هذا العرض هو تأكيد رفض مثل هذه النهاية الماساوية المبكرة لحياة إنسان مبدع مثل تشيخوف من خلال إبراز الجمال في حياته وإبداعه وكذلك القبح في الحياة عموما بوعي المندهش من كل هذا.