عبد الجبارعباس أمير المسحوقين !

عبد الجبارعباس أمير المسحوقين !

علي جبار عطية

أراد المريض أن يدخل إلى غرفة الطبيب مباشرةً من دون الالتزام بالدور، فمنعه البواب من الدخول فما كان منه إلا أن صفعه في أكبر إهانة توجَّه لرجلٍ.

كان ذلك المشهد في حلقة (شراب المسهل) في مسلسل (تحت موس الحلاق) / ١٩٦٩م، وهو جزء من مفارقة تقوم على تناول (حجي راضي) المسكر بدلاً من دواء شراب المسهل بخطأ من عامله (عبوسي).

لم يرد بواب الطبيب (عبد الجبار عباس) على الصفعة، الأمر الذي زاد من تعذيب المريض (سليم البصري)، وظل متسائلاً في حوارٍ مليء بالشجن: لماذا لم يرد عليَّ، هل عدني صغيراً؟

ظل مشهد الصفعة، وما تبعه مؤثراً غاية التأثير في كل مَنْ يشاهده وأنَّه مشهدٌ حقيقيٌّ لبراعة المؤدين الفنانين سليم البصري وعبد الجبار عباس.

ولد الفنان عبد الجبار عباس في محلة باب الشيخ ببغداد سنة ١٩٢٣م، وكان أبوه الكادح يصطحبه إلى دور السينما في شارع الرشيد (الرشيد، الزوراء، الوطني، الرافدين الصيفي) فغرس في نفسه حب الفن.

عمل في مهنٍ بسيطةٍ حتى وجد نفسه مصوراً فوتوغرافياً هاوياً، ثمَّ دخل المدرسة الجعفرية المسائية فشكّل فيها فرقةً مسرحيةً.

على مدى أكثر من أربعة عقود من مسيرته الفنية لم يحصل الفنان عبد الجبار عباس على دورٍ ثانويٍّ يتناسب مع امكاناته الفنية بل كان يُعطى أدواراً هامشيةً للغاية، ومع ذلك كان ممثلاً مؤثراً في جميع الأعمال المسرحية، والإذاعية، والتلفزيونية، والسينمائية التي اشترك بها مثل: مسرحية (النخلة والجيران) و(بغداد الأزل بين الجد والهزل)، و(الخان)، و(البستوكة) وغيرها من الأعمال المسرحية، وكذلك في الأعمال التلفزيونية: (تحت موس الحلاق) و(كاسب كار) وغيرها، ومن الأعمال السينمائية التي اشترك بها نذكر منها: (فتنة وحسن)، و (ارحموني)، (عروس الفرات)، (أبو هيلة)، (شايف خير) , (الحارس)، (العاشق)، (الحدود الملتهبة)، (فائق يتزوج)، (تحت سماء واحدة)، (المنعطف)، (فائق يتزوج)، كما لا يغيب عن الأذهان تجسيده الصوتي في مسلسل الأطفال الكارتوني (الأنمي) الياباني (سنان) (١٩٧٥م ـ ١٩٧٨م) بـ ٩٩ حلقة بدور الذئب (زعبور) كما شارك في تجسيد شخصيتي (عبدو) و(نوري) في برنامج (افتح يا سمسم) /(١٩٧٩ ـ ١٩٨٢م).

صوته الأجش صار علامته المميزة، وجواز مرور إلى الأسماع لهذا نجح في الإذاعة مخرجاً ومؤدياً كما نجح في تجسيد دور المواطن المسحوق، وكذلك في ما يوكل إليه من أدوار في وقتٍ ندرت فيه الشخصيات النسوية في التمثيل في الخمسينيات، لذا فانه لم يجد ضيراً في تجسيد دور المرأة (أم علي) في تمثيلية (اللي يعيش) / ١٩٥٦م فبرع في إقناع المشاهدين أنَّه (أم علي) من دون أن يُغيّر طبقة صوته، أو يفتعل الخضوع في القول ! !

حين أُغمض عينيَّ وأستمع إلى صوته أشعر كأني أستمع إلى أجيج ماء الشلال !

ضرب الحصار مطلع التسعينيات الحياة العراقية بمجملها ومنها الحياة الفنية لكن عبد الجبار عباس لم يستسلم، ورفض أن يقبل بالأدوار التي لا تتناسب مع مكانته الفنية، فذهب إلى أقرب مدرسةٍ لمسكنه في حي الإعلام ببغداد، وطلب مقابلة المدير، ومما يروى أنَّ مدير المدرسة سُرَّ بزيارته ظاناً أنَّ له حاجةً يقضيها ويمضي إلا أنه طلب منه عملاً غير فني يعيش منه فلم يجد له وظيفة غير الحارس، فصار بواباً هذه المرة للتلاميذ !

كانت هذه الوظيفة تتناسب مع دوره في الحياة والفن: أميراً للمسحوقين والمنسيين.

لم يمكث طويلاً في هذه الوظيفة التي فُصّلت له في آخر العمر إذ كانت تنتظره سيارةٌ مسرعةٌ بينما يهم بعبور الشارع لتدعسه، وتُمهّد لرحيله.

ومن اللافت للنظر أن ناقداً أدبياً مهماً من الحلة يحمل الاسم نفسه هو عبد الجبار عباس (١٩٤١م ـ ١٩٩٢) وصفه الدكتور علي جواد الطاهر بـ(فتى النقد الأدبي) توفى في السنة نفسها التي توفى فيها الفنان عبد الجبار عباس. وقد وصف الطاهر موت الناقد إثر نوبة قلبية بالقول: (لقد أضاعه قومه في حياته، ثمَّ أضاعه الموت، والنقد الأدبي هو الخاسر)، وهذا الوصف يمكن أن يشمل عبد الجبار عباس الفنان.

وهكذا افتقدنا في السنة الثالثة للحصار ١٩٩٢م صوتين مهمين في النقد والفن مرا بنا مر السحاب على غفلةٍ من الزمن.