كوركيس عواد.. بين التعليم والآثار

كوركيس عواد.. بين التعليم والآثار

ابتسام عبد الله

كان والده عواد اول من ادخل صناعة العود الى العراق الحديث، بعد اندثارها بحيث ان العراقيين، اخذوا يجلبونها من سوريا أو تركيا كان والده يصنع الالات الموسيقية فبرع في صناعة “القانون” لكنه، فكر في اضافة العود ايضا الى تلك الالات التي كانت تخرج من بين ايديه مشدودة الاوتار،

دقيقة الصنع وعشقت انامله هذه “الصنعة” الجديدة، وانصرفت اليها بكليته بحيث ان اسمه اصبح مرادفا لها، وطار صيته من الموصل الى بغداد والبصرة، واصبح كل من يقتني عودا من العواد الموصلي، يحس بنوع من الزهو والمباهاة، ألم يفكر كوركيس الصبي في تعلم مهنة والده؟.لم اتعلمها، يجيب كوركيس عواد، لكني كنت عازفاً ماهراً على العود، وجرفتني الكتابة بعيداً، بحيث ان اناملي اصبحت اخشن من ان امررها على الاوتار الحساسة.

وعرفت المدن طعم المدارس، وازداد عدد الطلاب والمعلمين وكانت الامتحانات بحكم الحاجة اسهل واقل، تعقيدا ما هي عليه اليوم، وكان الطالب الذي يتسنى له انهاء الدراسة الثانوية يعين في الحال معلما، ويصبح بذلك موظفا مرموقا في الدولة، وهكذا تحول كوركيس عواد، الطالب المتفوق الى معلم في احدى قرى الموصل.

بعد تخرجنا في دار المعلمين في بغداد، يتذكر كوركيس عواد، وزعنا في مختلف انحاء العراق، كانت قرية “بعشيقه” من نصيبي بلدة عامرة كثيرة البساتين تشتهر بزيتونها الممتاز، بقيت سنتين فيها ثم نقلت الى قرية اخرى وهي “القوش».وفي “القوش” كان الشاب يمضي وقت فراغه في القراءة مال اولا الى الكتب الجغرافية ويتتبع وهو في القرية الصغيرة اخبار الاكتشافات العالمية، ولايبخل في شراء ابرز الكتب الجغرافية بل اتسعت هوايته تلك ودفعته الى الاشتراك في مجلات متخصصة عالمية.

وعندما اتسعت مداركه في هذا المجال، بادر الى ترجمة عدد من المقالات، فالترجمة كانت خطوته الاولى نحو الكتابة، ترى هل يتذكر تلك البداية؟

قد مضى على ذلك اكثر من نصف قرن من الزمن. كان ذلك عام 1931، بعت المقالة الاولى الى مجلة “النجم” وكان صاحبها علامة كبير، وهو سليمان الصائغ، المعروف بكتابه عن تاريخ الموصل، كنت واجفاً وقلقاً، هل تنشر المقالة، أم تلقى في سلة المهملات.وانتظرت بعد شهر او اكثر وجدت المقالة منشورة في المجلة وكان فرحي كبيرا، ازددت ثقة بنفسي وبدأت انصرف للكتابة في مجلة “النجم».

ونسأل كوركيس عواد:

ولكنك غيرت اتجاهك من الجغرافية الى التاريخ، والى التراث كيف حصل ذلك معك!

-انتقلت الى الموصل للعمل في مدارسها والتقيت فيها باستاذي سليمان الصائغ اعطاني كتابا باللغة الانكليزية عن الحفريات في “تل اسمره” و”الخفاجي”..حيث كانت بعثة اميركية تقوم باعمال التنقيب في مناطقها الاثرية، وطلب مني تلخيص بعض المقالات لنشرها في “النجم” لخصت اربعة اقسام نشرت بالتتابع، وكانت تلك الخطوة بداية انتقالي من الجغرافية الى التاريخ ومع ذلك، لم اهمل هوايتي الاولى اذ عدت اليها بعد سنوات طويلة، حيث ترجمت بالاشتراك مع زميلي بشير فرنسيس كتابا ضخما بعنوان بلدان الخلافة الشرقية، يقع في 700 صفحة وصدر عن المجمع العلمي العراقي عام 1954 ونفد وهو اليوم اندر من الكبريت الاحمر».

*وواصلت القراءة واقتناء الكتب النفيسة وبالحماس نفسه الذي واصلت فيه عملك في تلك المدرسة الابتدائية معلما للنحو والقراءة العربية، ولكن القدر كان يخفي لك مفجأة اخرى غيرت مجرى حياتك وكان ذلك في عام 1936.

يقاطعنا كوركيس عواد ويقول:

-كانت لتلك المفاجأة اصول اولية، عندما كنت ادرس في قرية “القوش” القراءة الخلدونية التي وضعها المربي الكبير ساطع الحصري عثرت على بعض الامور التي تحتاج الى التعديل والتحرير كتبت بذلك الى الاستاذ الحصري.

كنت واثقا من الامر الى ذلك الحد!

-”تصوري..معلم بسيط في قرية نائية في الموصل، يكتب الى استاذ كبير مثل ساطع الحصري يشغل منصب مدير المعارف العام، تعجب مدير المدرسة من جرأتي تلك وحذرني من مغبة ما اعمل وان ذلك قد يؤدي بي الى الفصل، ولكنني كتبت الرسالة واطلعت المرحوم ساطع الحصري على ملاحظاتي في ايراد الحروف التي لها اصوات معينة وعدم استعمال كلمات لم تدرس حروفها من قبل».

كيف تقبل الحصري ذلك منك؟

-»كنت قلقا على مصيري انتظرت ثلاثة اسابيع طويلة، ثم جاءتني رسالة من الاستاذ الكبير يقول فيها انه اطلع على ملاحظاتي وانني كنت مصيبا فيها وان الطبعات المقبلة من القراءة الخلدونية، ستتحاشى الخطأ».

ونقل ساطع الحصري في ما بعد من سلك التعليم الى الاثار ويوما، قدم لزيارة الموصل، والاطلاع على اثارها وعندما سمع، كوركيس عواد، بذلك تذكر الحادثة القديمة، وصمم على مقابلة الحصري ومرة اخرى، يشعر بقلق الانتظار هل سيذكر الحصري ياترى!

«نعم، تذكرني، تحدث معي ساعة كاملة، يسألني اسئلة كثيرة تتعلق باثار المنطقة، ووجد عندي جواباً لكل سؤال كان يمتحنني بشكل غير مباشر، وبعد عودته الى بغداد باكثر من ثمانية اشهر قرأت في احدى الصحف خبر نقلي الى مديرية الاثار في بغداد».

وتسلمت مرة واحدة: المكتبة، الترجمة، المخزن، وقسم التصوير.

- نعم اربع وظائف جديدة علي ما عدا بعض الخبرة التي كنت اكتسبتها عن المكتبات، لأنني عند تسلمي مكتبة متحف بغداد، وجدت فيها 804 كتب بلغات مختلفة، في حين ان مكتبتي الخاصة في ذلك الوقت كانت تحوي اكثر من 1500 مجلد، وفي بغداد واصلت الكتابة والنشر».

ولكن ما الكتب التي تحس انها اضافت رصيدا جديدا اليك؟

« لا استطيع المفاضلة بين كتاب وآخر من كتبي».

اذن.. أي السنوات يمكن اعتبارها ابرز مراحل العطاء في حياتك؟

- هنا اقول ان الاربعينيات كانت عندي خطأ فاصلاً، وفي خلالها اتصلت بالاب العلامة “انستاس ماري، كرملي” وتلقيت منه فوائد جمة، وفي الخمسينيات افادتني الرحلات التي قمت بها الى خارج العراق للدراسة والتتبع وخاصة الى الولايات المتحدة، واوروبا وكنت اتتبع باهتمام المخطوطات العربية الموجودة في مكتباتها، وفي الستينيات سافرت الى الاتحاد السوفيتي للاطلاع، ايضا على المخطوطات العربية هناك، ووجدت في “لينينغراد” وحدها اكثر من عشرة الاف مخطوط».

وكيف تسرب هذا الكم الهائل من المخطوطات الى الخارج؟

-الحقيقة المؤسفة التي لاشك فيها انها قد تسربت بأوجه مختلفة ما بين الشراء والاهداء، او الاستنساخ والمخطوطات الموجودة في مكتبات اوروبا واميركا تعد بعشرات الالوف».

لابد ان اثرها كان ملحوظا على الثقافة الغربية الا تتفق معي في ذلك؟

»نعم...قام الاستشرافي اساسا على هذه المخطوطات والذين يعرفون اللغة العربية اطلعوا على جوانب منها، ووضعوا دراسات وافية عنها وهذه المخطوطات اضافة المجلات، التي يصدرها المستشرفون، تعتبر مصدرا مهما لدراسة التراث العربي، ولايمكن لشخص ما الادعاء بإطلاعه على هذا التراث ما لم يطلع على تلك المجلات».

واطلعت عليها ودرستها؟

-تقريبا...مثلما ذكرت سابقا زرت ابرز مكتبات بريطانيا واميركا باريس، فيينا، اسبانيا، موسكو، ولينينغراد، ومكتبة الفاتيكان، كما استنسخت بعضها للاستفادة منها”.

يبدو ان المخطوطات القديمة قد اتعبتك؟

-الذي اتعبني منها ما يتعلق بكتابي الاخير، “مصادر التراث العسكري عند العغرب، عملت فيه 18 عاما انه خلاصة عملي، وهو لم يجمع في ايام، واشهر او سنة، او سنتين، وتطلب مني مثابرة مستديمة، وبمناسبة الحديث عن التعب، اذكر ان مؤلفي “معجم المؤلفين العراقيين، قد تطلب مني استثنائياً، فهو يتتبع كل مؤلف عراقي منذ عام 1800 وحتى عام 1969 ويقع في الفي صفحة وصدر بثلاثة مجلدات.

واهتماماتك الاخرى بعيدا عن المخطوطات؟

ــ يبتسم كوركيس عواد:

«كنت عازفا ماهرا على العود، وقد نسيته اليوم، مع ذلك ما زلت اهوى القراءة كما كنت شابا وصغيرا».

مجلة التضامن العدد 45 - 1988