عندما تولى حسين جميل مديرية الدعاية سنة 1936

عندما تولى حسين جميل مديرية الدعاية سنة 1936

د. بشرى سكر الساعدي

بعد نجاح انقلاب سنة 1936 وتولي جماعة الاهالي التي ينتمي اليها،تولَّى حسين جميل منصب مدير الدعاية والنشر في وزارة الداخلية، اذ استدُعي من مقر عمله القضائي في عانة بناء على اقتراح من كامل الجادرجي.

وعندما وصل بغداد عرض عليه كامل الجادرجي منصب مدير الدعاية والنشر، فوافق وقبل المنصب، ولاسيَّما عندما علم أنّ هناك موظفين ذوي كفاية من رجال الاعلام يومذاك سيقومون بمساعدته، فقد تولَّى حسين الرحال ملاحظية المطبوعات الاجنبية، كما تولى ابراهيم حلمي العمر ملاحظية المطبوعات العربية.

وهذا الامر سَّهل عليه العمل كثيراً، وكانت الدائرة التي يشغل بها حسين جميل المنصب تقع في بناية وزارة الداخلية المجاورة للقشلة، وابتدأ العمل في منصبه يوم الرابع من تشرين الثاني عام 1936. وعدّ حسين جميل أول من شغل هذا المنصب، لأنّ المنصب كان قد شغل منذ تشكيله حتى مجيء حسين جميل بطريقه الوكالة من قبل ابراهيم حلمي العمر، الذي رجع إلى وظيفته الأصلية بعد تولّي حسين جميل هذا المنصب. وعلى الرَّغم من قصر المدة التي شغل فيها حسين جميل هذا المنصب، إلاّ أنّه قام ببعض الاعمال المهمة والضرورية، وأول تلك الاعمال هو اعادة الصحف المعطلة، إذ نظمت مديرية الدعاية والنشر قائمة بأسماء تلك الصحف والمجلات، ورفعتها إلى حكمت سليمان رئيس الوزراء ووزير الداخلية بالوكالة لغرض إصدار أمر بالعفو، وقدّمت المديرية المذكورة طلب رجاء إلى رئيس الوزراء من أجل أن يعمّم منشوراً على كافة الوزارات يدعوها لتسهيل مهمة مندوبي الصحف ومساعدتهم على استقصاء الأخبار والمعلومات من منابعها الأصلية، لإيصالها إلى الرأي العام بأسرع ما يمكن، وبالصورة الصحيحة، لأنّ مهمتهم غدت شاقة وصعبة، لعدم تعاون تلك الوزارات معهم، وعدم وتزويدهم بالاخبار لنشرها في صحفهم. فأصدر مجلس الوزراء قراراً بالافراج عن جميع الصحف المعطلة، وذلك في 12 تشرين الثاني عام 1936.

كما أبدت مديرية الدعاية والنشر في وزارة الداخلية اهتماماً جدياً بالصحافة، إذ نظـرت في أمر رفع الطوابع البريدية عن الصحف، وإلغاء بعض القيود ورفع العراقيل عن طريقها، وأول الأمور التي باشرت بها هو إعفاء ورق الصحف المحلية من رسم الكمرك، وهذه بادرة حسنة من بوادر اهتمام الحكومة بالصحافة، لكّن الأمر الأهّم من ذلك كلّه، والذي دعت الصحافة إلى إعادة النظر فيه، فداحة رسم الطوابع البريدية على الصحف في الداخل و الخارج، إذ إنّ سعر الطابع البريدي للصحف داخل القطر كان (فلسين)، هذا بعد إتمام معاملة التسجيل و دفع الرسم المقرر لها. أمّا في خارج القطر فإنّ إرسال عددٍ واحدٍ من جريدة الانقلاب على سبيل المثال للمبادلة مع الصحف الخارجية يكلف (ستة أفلس) أجرة طابع بريدي فقط. ومن الأمور المهمة التي ساعدت مديرية الدعاية والنشر على حِلّها في 22 كانون الأول عام 1936، عند قيام فريق من العمال المشتغلين في شركة بلفور بإضراب عن العمل، بسبب تشغيلهم من قبل الشركة عشر ساعات ونصف يومياً، ولصعوبة عبور النهر التمسوا مـن مديرية الدعاية والنشر تبنّي موضوعهم، ونشر واقع حالهم وشكواهم، وفعلاً تمَّ ذلك، لذا أخذت الحكومة الأمر باهتمام كبير فور وقوعه، وطلبت من العمال المضربين إرسال من يمثلهم، كمـا طلبت ذلك مـن الشركة، فأرسل العمال شكواهم المتضمّنة كونهم يعملون أكثر من ثماني ساعات في اليوم، وأنّ الشركة تنقلهم إلى الضفة الاخرى من نهر دجلة في سفينة لاتستوعبهم جميعاً، وهذا ما يسبَّب تأخيرهم في العبور، وهم يطالبون بتخفيض ساعات العمل إلى ثماني ساعات في اليوم، وتسهيل أمر العبور، ونتيجة المداولة مع ممثل الشركة تمَّ الاتفاق على تقليـل ساعات عمل العمال إلى ثماني ساعات في اليوم اعتباراً من 9 كانون الثاني عام 1937، من غير الاتفاق على تخفيض الأجور، مع معالجة أمر النقل، وقد تمّ تأييد الاتفاق مع ممثل الشركة، ووافق العمال على الحلّ المذكور، وعادوا لاستئناف العمل.

ومن الأعمال الاخرى التي قام بها حسين جميل، من خلال منصبه مديراً للدعاية والنشر، هو الاهتمام بالاذاعة العراقية، وإعادة البث اللاسلكي إلى محطة بغداد، اذ هُيِّئت جميع الترتيبات اللازمة،التي من شأنها إتمام العمل في مدّة قياسية، وأعلن أنّ الاذاعة ستباشر البث في الأول من شهر شباط عام 1937، على مرحلتين، وفعلاً تمّ استئناف البث في المرحلة الأولى، من الساعة السابعة صباحاً وحتى الساعة العاشرة ليلاً، ولأجل تنظيم العمـل في تلك الاذاعة تألفت لجنة خاصة قوامها وزير المعارف ووزير الخارجية ومدير البرق والبريد العام ومديـر الدعاية والنشر وغيرهم من الاشخاص الفنيين، لوضع الخطة والمنهج اللذين بموجبهما تعمل الاذاعة المذكورة، وعندما اجتمعت اللجنة تداول أَعضاؤها في جميع ما يخصّ هذه المهمة، وتمّ انتداب فؤاد جميل، الذي نقل من ملاك التدريس، لهذهِ الغاية لتنظيم المناهج، وكلّهم أمل بأن تقوم الحكومة باتخاذ كلّ التدابير الفعّالة لجعلها تظهر بصورة فنية، تقوم بتهذيب الشعب وتثـقيفه بما تبثّه من الأحاديث الاجتماعية والعلمية والصحية، وقد عزم وزير المعارف على توجيه كتاب إلى سائر الأدباء والعلماء العراقيين يحثهم على إرسال نتاجاتهم كـلّ حسب اختصاصه، علما أنّه تم تأليف لجنة خاصة لفحص كلّ ما يرد اليها من الخطب والاحاديث، واختيار المناسب منها، كما تقوم بوضع منهاج شهري كامل يذاع على الجمهور بواسطة الصحف و المتصرفين.

ومن ضمن الاعمال التي قامت بها مديرية الدعاية والنشر في عهد مديرها حسين جميل، تعديل قانون المطبوعات العراقي، فقد وجّهت المديرية المذكورة اهتمامها لمعالجة ما يخصّ الصحافة وقانون المطبوعات، وبعد إلحاح طلبت من وزير الداخلية مفاتحة حكومات كـلّ من فرنسا وايطاليا والمانيا ومصر وتركيا وايران، ولتزويدها بنسخة من قانون المطبوعات الخاصّ بها، لغرض الاطلاع عليه والاستفادة من نصوصه، واخذ ما يلائم الحالة في العراق من جهة، وما يكفل رقي الصحافة العراقية من جهة أخرى، وتمهيداً لإجراء التعديل المطلوب على قانون المطبوعات، تمّ رفع الطلب إلى المجلس النيابي، وقامت تلك المديرية بوضع بعض المقترحات، لأجل رفع مستوى قانون المطبوعات نحو الأفضل، نشرت جريدة البلاد خبراً اقتبسته من جريدة المقطم المصرية مِن غير أن تتأكد من صحة ما قامت بنشره، ومضمون هذا الخبر أنّ السيد جميل الراوي، أحد وزراء العراق السابقين، حمل رسالة من ملك العراق إلى أمير شرقي الأردن، بخصوص قضية فلسطين، لذا فإنّ نشر خبر من هذا القبيل يترك أثراً بالغ الأهمية، وهياجاً لدى الرأي العام، ويثير تساؤلات كبيرة من قبل المعارضة وأبناء الشعب، لهذا طلبت مديرية الدعاية والنشر من اصحاب الصحف أن يتأكدوا من صحة الخبر قبل نشره، خوفاً من حدوث فوضى وهياج عام تصعب السيطرة عليه. كما سمح حسين جميل بطبع كراس بعنوان (العبرة في عهد ياسين الهاشمي) يتكون من 43 صفحة، لصاحبه عبد الله البصير، وهو الاسم المستعار لكامل الجادرجي الذي كتب مضمون هذا الكراس في عهد الوزارة الهاشمية، ولم يستطع نشره، لأنّه يتحدث عن الوزارة الهاشمية، فطبع بعد انقلاب عام 1936، اذ قام حسين جميل بطبعه في مطبعة الرشيد في بغداد.

وعندما اشتدت الانتقادات والطعون في العديد من الصحف العربية أمثال الاهرام والبلاغ والشباب والمقطم وغيرها، وفي الصحف العراقية أمثال صحيفة البلاد والهداية وغيرها، لوزارة الانقلاب، ولاسيّما بعدما ساءت أوضاع الحكم، لتدخل بكر صدقي في الشؤون السياسية من جهة، وقيامه باحتضان خصوم جماعة الأهالي، وتصريحاته في الصحف بصيغة لا تتلائم وتلك الاهداف التي سعت الجماعة إلى تحقيقها و ترجمتها إلى واقع عملي مؤثر في العراق من جهة اخرى، وبعد قيام بعض الصحفيين في السير في ركاب بكر صدقي، وإطلاق التصريحات غير المسؤولة، التي عجزت مديرية الدعاية والنشر من الحدّ منها وإيقافها، وجد حسين جميل أنّ دوره في توجيه مسار الدعاية والنشر قد بدأ يتضاءل، لذا قدم استقالته بعد أن شغل هذه المديرية زهاء ستة أشهر.

توسط حسين جميل لدى حكمت سليمان رئيس الوزراء ووزير الداخلية وكالة ورجاه الموافقة على إعادته إلى العمل القضائي، بعد أن قام صالح جبر وزير العدلية من جانبه بإقناع حكمت سليمان برغبة حسين جميل هذه. فصدرت إرادة ملكية بتعيينه في القضاء حاكماً في محكمة بداءة بغداد، وباشر عمله في القضـاء مرة ثانية في 22 آيار عام 1937. وعبّرت جريدة الانباء عن أسفها الشديد لتخلّي حسين جميل عن منصبه، وذكرت أنّه شغل هذا المنصب خلال هذه الأشهر بكل نبل وشرف واستقامة، وطالبت الحكومة بعدم عودة الادوار السالفة، وعدم إسناد هذا المنصب بالوكالة إلى الأشخاص السابقين الذين لعبوا أدواراً مختلفة في عهد الوزارات السابقة، بل يجب أن يختاروا الشخص المناسب لهذا المنصب، ورشحت له طالب مشتاق، باعتباره الشخص الجدير بأن يرتقي بهذا المنصب بعد حسين جميـل، وأن يجعلوا منه أداة نفع صالحة للبلاد في الداخل و الخارج.

عن رسالة (حسين جميل ودوره... )