البراكين التراثية لدى هاشم صالح

البراكين التراثية لدى هاشم صالح

جمال شحيّد

العرب والبراكين التراثية؛ هل من سبيل إلى إسلام الأنوار؟ عنوان كتاب جديد لهاشم صالح المعروف بأنه المترجم شبه الحصري لأعمال محمد أركون، وبأنه المنادي الكبير لإسلام الأنوار. اللافت في هذا الكتاب، الصادر أخيراً، أن مؤلفه متابع جيّد لتطورات الفكر الأوروبي التنويري، وبخاصة الفرنسي، الذي كسح ظلمات العصر الوسيط وعقابيله حتى اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789.

يروي لنا هاشم صالح ولادته الأولى في إحدى قرى جبلة (سورية) وتنكيل أبيه الشيخ بأولاده، وزواجه بعيد وفاة زوجته الأولى من أم “فاجرة ومنحطَّة وصفيقة”. يصور لنا ملامح رجل الدين المنافق والمستبد قائلاً: “ما يفعله الأب البطريرك في العائلة هو بالضبط ما يفعله الدكتاتور المستبد في الشعب. ما هذا الشعب الجاهل القاصر لكي يستشيره الدكتاتور؟ ”. ويضيف أن “الاستبداد الديني، أو اللاهوتي، أخطر أنواع الاستبداد على الإطلاق”؛ ويرى أن “لا معنى للديمقراطية وكل الثرثرات الجارية حولها، ولا جدوى منها ما دامت العقلية اللاهوتية مسيطرة على العرب، ما دمنا لا نتجرأ على نقدها وتفكيكها وإزاحة هالة القداسة عنها فلن نصبح ديمقراطيين ولو بعد ألف سنة».

ويعتبر أن سفره إلى باريس في 8/10/1976 كان بمثابة ولادة ثانية له، إذ إنها ولادة على الفكر والحرية، كسرت لديه سلاسل التقليد والجمود والتكلس، فماذا طرأ على حياته؟ “كان ينبغي أن تخرج إلى أوروبا لكي تأخذ كل أبعادك، لكي تجرّب حالك، لكي تقذف بنفسك في مجهول المغامرة الخلّاقة”. ليس الغرب كله فحش وانحراف وإباحية، هو أيضاً “فتوحات معرفية وأنوار فلسفية قلّ نظيرها”. وهذه الفتوحات يجب أن تؤدي إلى “فكر استباقي” كما قال ميشيل سير؛ والمعروف أن فلاسفة الأنوار في فرنسا إبان القرن الثامن عشر أعدوا الناس للثورة، لا بل تنبأوا بحدوثها.

يتوقف صالح مراراً عند تجاوز الأوروبيين المشكلة الطائفية. وبدأ هذا التجاوز ينمو منذ القرن الخامس عشر وبعده، مع لايبنتز وليسينغ وبايل وفولتير وديدرو والموسوعيين ولوك وسبينوزا... الذين خلّصوا أوروبا من جائحة الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت التي خلّفت آلاف الضحايا: “فلولا التأويل التنويري للدين ورسالته السامية لظلّ الفرنسيون يتخبطون حتى الآن في صراعاتهم المذهبية ولظلوا يذبحون بعضهم بعضاً على الهوية: هذا كاثوليكي وهذا بروتستانتي، ولما حققوا كل هذه الحضارة (التي فتنت هاشم صالح)، فتجاوزوا انقساماتهم وحزازاتهم عن طريق نشر المعرفة وتنوير العقول... فكلما انتشرت أنوار الثقافة في بلد ما تراجعت ظلمات الجهل أكثر فأكثر. وكلما تراجعت ظلمات الجهل أصبح الناس أكثر تسامحاً وتفهماً لبعضهم البعض”. هذا هو الدرس الأول الذي لقّنته أوروبا للعالم.

يعترف صالح بأن “هموم فولتير وروسو وديدرو هي همومي. لقد كانوا يعانون من نفس المشاكل التي أعاني منها أنا حالياً، أي الفهم المتزمت والخاطئ والمتعصب للدين. لقد كانوا يعانون من محاكم التفتيش” ومن قمع حرية التفكير. ويتوقف عند كتاب مغمور لروسو عنوانه “رسالة إلى كريستوف دي بومون” رئيس أساقفة باريس الذي ألّب العامة عليه فكفّروه ولاحقوه وأحرقوا كتبه في باريس وجنيف وبيرن وأمستردام؛ وفيه ردّ لروسو يقول فيه إنه “مؤمن مسيحي بالمعنى الإنجيلي الأصلي للكلمة وليس بالمعنى البابوي الفاتيكاني”. ويصرّح بأنه تجاوز الدين الشعائري، إذ يرى الدين معاملة أخلاقية وتعاطفاً مع الفقراء والمساكين وأبناء السبيل. ويقول صالح: لو أن عياض بن عاشور أو عبد المجيد الشرفي أو محمد حداد تجرأ وطرح مثل هذه الأفكار عن الدين لشُهِّرَ به ودقّت عنقه، كما حصل لفرج فوده وغيره. ويستطرد صالح في تعداد الوصايا اللاهوتية التي قالها له أبوه قبيل سفره من سورية: “يا ابني، إن كل علوم الأرض لا تساوي قشرة بصلة ما عدا علم التوحيد... يا ابني، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور... يا ابني، الغرب مليء بالانحرافات والمفاسد. لعنه الله. إياك! ثم إياك! خذ العلم فقط واترك ما عداه... قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين... يا ابني، وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب”. ويعلق صالح على كل وصية من هذه الوصايا بأسلوب ساخر لاذع، لاسيما وأن مُصْدِرها عرّس على امرأة فاسقة بعد أيام معدودة من وفاة زوجته وأهمل تربية أولاده من ثم، فهو “يمطرنا بوابل من المواعظ الأخلاقية الداعية إلى الزهد في الحياة الدنيا».

إذن هناك حرب شعواء بين تياري التزمت والحداثة. هذا ما حدث في الغرب منذ القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر. وانتصر فيها حزب الفلاسفة على المتزمتين. وتم ذلك على يد مارتن لوثر وفرنسيس بيكون ورينيه ديكارت وإيمانوئيل كانط وهيغل وهايدغر وهابرماس. وينقلنا صالح من عصر النهضة الأوروبية وعصر الحداثة إلى “عصر داعش”، و”ميزة داعش أنها تقول علناً ما يفكر فيه الآخرون سراً: إنها بكل بساطة سوف تقتل كل من لا ينتمي إلى فرقتها الناجية”؛ وهي التي حرّمت الفلسفة والعلوم الطبيعية في الرقة. ولكي ندرك ما يحدث، لا بد من العودة إلى التراث. وهنا يمايز صالح بين تراثين: تراث محاكم التفتيش في أوروبا وتراث المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1965-1962). ففي هذا المجمع “تخلت الكنيسة الكاثوليكية عن احتكارها للحقيقة الإلهية المطلقة واعترفت بمشروعية الأديان الأخرى وفي طليعتها الإسلام”. وفي النظر إلى التراث العربي يقول “الظلمات تحقد على الأنوار. لقد أطفأوا نور المعتزلة سابقاً ونور الفلاسفة، نور بغداد ونور قرطبة، ولكن... سينتصر المأمون على المتوكل، والمعتزلة على الحنابلة. وسوف ينتصر ابن سينا على الغزالي، وابن عربي على ابن تيمية، وابن رشد على من تبقّى... سوف ينتصر الفارابي زعيم العقلانية الإسلامية. وسوف ينتصر المعري ذروة العبقرية العربية”. وتحل على صالح روح تنبؤية عاتية يقول فيها إن العالم العربي والإسلامي سوف يدمَّر كله بصيغته الحالية لكي يعاد بناؤه لاحقاً بصيغة أخرى قابلة للبقاء. ويتوقف من ثم عند ملامح عصر الأنوار العربي الذي بدأ مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وإبراهيم اليازجي والطاهر حداد ويعقوب صرّوف وشبلي الشميّل وقاسم أمين وطه حسين وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ونجيب محفوظ.

وبما أن هاشم صالح من أكبر الذين ترجموا كتب محمد أركون، فإنه يستشهد به كثيراً، لا سيما وأنه رأى من الضروري “أن يقوم المسلمون بمراجعة تاريخية صارمة لأصول الإسلام وبداياته الأولى”، وأنه لا بد من “تفكيك النص القرآني وكل التراث الإسلامي بالمعنى الفلسفي العميق لكلمة تفكيك وليس بمعنى التهجم والتجريح. بالتفكيك نقصد هنا مجرد تطبيق المنهجية التاريخية النقدية على القرآن كما طبقت على الإنجيل والتوراة من قبل علماء أوروبا”. ولتحقيق هذه الغاية، يجدر بالعرب أن يكشفوا النصوص التنويرية في تراثهم ويعيدوا طبعها وتقديمها بلغة عربية حديثة وإدخالها في برامج التعليم، كما ينبغي عليهم أن يترجموا أمهات الكتب التنويرية الأوروبية ويدخلوها أيضاً في برامج التعليم.

ويكرّس الكاتب فصلاً للمفكر الإيراني داريوش شايغان الذي شخّص في كتبه (بالفرنسية) أزمة العالم الغربي وأزمة العالم الإسلامي؛ فرأى أن الغرب توصّل بعد مخاض طويل إلى روح التفحّص والغربلة النقدية اللتين أفرزتا العقلانية العلمية والمؤسسات الديمقراطية. ورأى مثلاً أن هذه المؤسسات أدت إلى حل مشاكل المجتمع عن طريق الحوار العقلاني لا عن طريق الضرب والحرب، وتجاوزت مقولة “إما قاتل أو مقتول”؛ وأفرزت الفلسفة الديمقراطية مبدأ التناوب السلمي على السلطة لا الاستئثار المؤبد بها. ورأى شايغان أن الحضارة الغربية استطاعت تجاوز الأصولية الدينية والاعتراف بمناقب كل شعب. فهذا غوته الذي تصدّى لهيمنة الثقافة الفرنسية على أوروبا يعود في أواخر حياته لينبذ التعصب القومي الشوفيني ضد الفرنسيين قائلاً: “كيف يمكن لشخص مثلي همه الوحيد هو التفريق بين الحضارة والبربرية أن أكره أمة تنتمي إلى أكثر الشعوب عظمة ورقياً على وجه الأرض؟ كيف يمكن أن أكره أمة أُدين لها بجزء كبير من تكويني الفكري والثقافي؟ ” (ورد في إحدى محاوراته مع بيتر ايكرمان بتاريخ 14 آذار/مارس 1830؛ راجع هاشم صالح ص 174).

وفي مسألة التسامح الديني، يعيدنا المؤلّف إلى كتب بيير بايل (1706-1647)، لا سيما “مرافعة من أجل الدفاع عن حقوق الضمير التائه” وبخاصة “القاموس التاريخي والنقدي”؛ كما يعيدنا إلى جون لوك (1704-1632)، وكتابيه “رسالة في التسامح” و”مقالة عن السلطة المدنية”، وكانت رداً على مجزرة سان بارتيليمي التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف بروتستانتي في باريس وحدها. وسابقاً سقط في حرب الثلاثين عاماً (1648-1618) ثلث سكان ألمانيا، وهي أيضاً حرب طائفية بين البروتستانت والكاثوليك. كانت المقولة اللاهوتية السائدة منذ قرون تقول: “خارج أحكام الكنيسة لا وجود لخلاصٍ”، وهي قريبة من مقولة “الفرقة الناجية” في الإسلام. ويرى صالح أن الكنيسة بعد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني استعادت رونقها. وورد في البيان الختامي للمجمع “إننا نحترم الإسلام والمسلمين ونقدّر إيمانهم بالله واليوم الآخر ونريد أن نطوي الصفحة السوداء معهم نهائياً”. واعتذر البابا يوحنا بولس الثاني عام 1992 عن محاكمة غاليليو، واعتذر عام 1997 عن مجزرة سان بارتيليمي، وفي هذه الأجواء الانفتاحية تلاشت حدة الطائفية في أوروبا.

عن العربي الجديد