هدية عقد قراني كانت (قاموس أكسفورد)!

هدية عقد قراني كانت (قاموس أكسفورد)!

بلقيس شرارة

حددنا موعد عقد القِران في ليلة عيد الميلاد، لنحتفل كل عام بعيدين. و ذهبت صباح ذلك اليوم مع رفعة لشراء فستان بهذه المناسبة، فاخترت فستاناً أسودَ، ذا خطوط دقيقة صفراء اللون، منافياً بلونه للعرف الاجتماعي السائد في يوم عقد القران.

رافقني والدي مع شقيقتي مريم إلى دار أبو رفعة. ارتديت ذلك الفستان من الصوف، و جاكيت أصفر ينسجم مع لون الفستان، و عقصت شعري إلى الخلف بشريط أسود اشبه بسواد شعري. و هذا مخالف ايضاً للتقاليد المتعارف عليها، إذ على الفتاة أن ترتدي فستاناً ابيضاً، لأنه يرتبط بالطهارة و النقاء.

جلس والدي مع الرجال في غرفة أم رفعة، و كان من بين الحاضرين ناجي شوكت و صبيح ممتاز الدفتري، مدير العدلية العام، و عارف آصف آغا، و عدنان الكيلاني و آخرين من العائلة.

دخلتُ مع شقيقتي مريم الغرفة التي جلست فيها النساء بصحبة أم رفعة، و معظمهن قريبات رفعة، فبانت الدهشة على قسمات وجه أم رفعة، عندما شاهدتني بالفستان الأسود. فهذا اللون الأسود مرادف بذهنها للموت و الفقدان و الحزن. ثم قالت بنبرة يشوبها التعجب و الاستغراب: «عروس و لابسة أسود!» إذ كان واجب عليّ أن التف باللون الأبيض الذي يرمز للطهر و البراءة و طول الحياة! و لكن لا تدري أم رفعة أن اللون لا يعني شيئا من هذا القبيل، و إن الإنسان ابتكر رموزاً من تلك الألوان و أضافها إلى مخيلته. فالمرأة الهندية ترتدي اللون الأبيض عند موت زوجها، و لا يفارقها اللون الأبيض حتى وفاتها.

و اتفقنا سابقاً رفعة و أنا أن يكون حق العصمة بيدي، و هذا شيء مهم بالنسبة لكلانا، و أن يكون المهر ليرة رشادية واحدة. فالفتاة ليست بسلعة تباع و تشترى بمهر عالي يطلبه أهلها عادة! و قمنا ثانية بكسر العرف الاجتماعي المتعارف عليه. جلس القاضي في صدر الغرفة، و بدأ في قراءة نص العقد و عندما وصل إلى نص الجملة التي تمنحني حق العصمة، أعاد الجملة مرتين على مسمع رفعة، فأجاب رفعة بنعم، ثم التفت إليّ و أعاد النص مرتين و أجبت بنعم ايضاً.

تشاءمت أم رفعة من هذا النص الغريب بالنسبة لها، فمن يطلب الطلاق يوم عقد القران! و اعتبرته نذير شؤم، و ربما تكون عواقبه وخيمة و نتائجه مؤلمة.

قضينا ذلك المساء في دار الرسام جواد سليم. كانت الدار مليئة بالمجموعة نفسها التي التقيت بها في دار الرسام محمود صبري، و عدد من المعماريين و بعض أصدقاء الفنانين من الكّتاب و من الذين يهتمون بالرسم و النحت و العمارة و الأدب. كان سلوك بعضهم أقرب منه إلى السلوك البوهيمي، بعد أن احتسى أقداح عدة من البيرة أو الويسكي. و لكن رغم ذلك وجدت نفسي منسجمة في تلك الأجواء، فأحاديثهم شائقة متنوعة.

توقفت السيارة أمام باب دارنا، اكتشفت يومها كأننا عشيقين و لسنا بزوجين، لا مكان لنا سوى تلك السيارة التي أهداها إليه عمه رؤوف الجادرجي بعد عودته من انكلترا. ليس أجمل من سرقة تلك اللحظات، وحيدين مختبئين عن أنظار الناس في ذلك الشتاء القارس، الشارع المظلم صامت، لا نسمع إلا أنفاسنا، نتقاسم رائحة تبغ سجائر (الجمل) التي كان يدخنها رفعة، استنشقها بحواس متوهجة، و أنا التي اشكو من حساسية الدخان.

كانت هدية عقد الِقران قاموس ضخم Oxford Companion Dictionary، الذي احتفظت به في مكتبتنا كهدية ثمينة، كان ذا فائدة كبيرة لي، إذ كنت تلميذة في كلية الآداب في الصف الثاني فرع اللغة الإنكليزية، و لكن لم تشعر أم رفعة و أبنتها أمينة بالارتياح لهذه الهدية، و اعُتبرت مثل هذه الهدية، منافية للعرف الاجتماعي! فقالت أمينة مظهرة عدم الارتياح و التعجب:

« يوه شكد عيب، واحد يودي مجوهرات مو قاموس بمثل هل المناسبة؟/أي، أحس بالخجل من تلك الهدية، إذ تقدم المجواهرات في مثل هذه المناسبة و ليس قاموس؟» أما والدته فلم تنطق بكلمة، بل ظلت صامتة، فالمفاجئة بالنسبة لها كانت أكثر مما تحتمل الاعتراض أو الكلام.

عن كتاب (هكذا مرت الأيام) الصادر عن دار المدى