خابيير ماريّاس هرب إلى الموت بـ«فؤاده شديد البياض»

خابيير ماريّاس هرب إلى الموت بـ«فؤاده شديد البياض»

شوقي الريّس

كان الألمع... والأعمق ثقافة... والأكثر تمايزاً في المسار الروائي الإسباني خلال العقود الخمسة الماضية... والأوسع انتشاراً بين أترابه على الصعيد العالمي. هذا بعض ما قيل في خابيير ماريّاس الذي انطفأ مساء الأحد الماضي في مدريد على عتبة عيد ميلاده الحادي والسبعين، متأثراً بنزلة صدريّة حادة نجمت عن إصابته بكوفيد مطلع العام الحالي.

بدأ ماريّاس إنتاجه الأدبي باكراً وهو لا يزال دون التاسعة عشرة عندما نشر روايته الأولى «مضمار الذئب» التي وضعها في باريس، حيث أقام لفترة في بيت عمّه المخرج السينمائي الذي كان كلّفه بترجمة بعض الأعمال تحضيراً لفيلم عن دراكولا. قبل باريس، أقام ماريّاس سنوات في الولايات المتحدة، حيث اضطر والده؛ المفكّر والأستاذ الجامعي والفيلسوف المعروف المناهض لنظام الجنرال فرنكو، إلى الانتقال للتعليم في ماساتشوستس بعد أن منع من التدريس في جامعة مدريد. وقد تعرّف هناك على جار والده، الروائي والشاعر الروسي فلاديمير نابوكوف الذي ترجم له بعض الأشعار إلى الإسبانية، وبدأ بالعمل مترجماً تحريرياً مع منظمة الأمم المتحدة.

ترجمت أعماله إلى 46 لغة في 59 بلداً، ونال كثيراً من الجوائز الإسبانية والدولية، وكان مرشحاً عدة مرات لجائزة نوبل، لكنه لم يحصل على جائزة سرفانتيس التي يقال إن مواقفه السياسية وتصريحاته المتكررة منتقداً منحها لبعض الأدباء، حالت دون حصولها عليها.

جاءته الشهرة مع صدور روايته الثالثة التي اختار لها عنواناً مأخوذاً من مسرحية ماكبث لشكسبير «فؤاد شديد البياض»، التي تدور حول حياة مترجم فوري سألني مرات عدة عن تفاصيل مهنته وشروط ممارستها وطرائف صادفها الذين يمارسونها على مستويات عالية. وما زالت الجملة التي يستهلّ بها تلك الرواية: «رفضت أن أعرف، لكني علمت... »، تتردد على ألسنة الذين يقاربون أعماله وإنتاجه الأدبي، والتي قال عنها يوماً غارسيّا ماركيز إنها دخلت قاموس الجمل الاستهلالية الرائعة في الأدب العالمي. لكن إنتاجه الأهمّ كان الثلاثية الشهيرة «وجهك غداً» التي يتناول فيها حقبات من الحرب الأهلية الإسبانية انطلاقاً من واقعة مستلهمة من وشاية ذهب ضحيتها والده عندما كان تلميذاً للفيلسوف الكبير أورتيغا وغاسيت.

خلال الاحتفال باليوبيل الذهبي لصدور روايته الأولى «مضمار الذئب»، قال إنه انصرف إلى الكتابة هرباً من الترجمة، «ولأني كنت أكره طاعة أوامر الرؤساء، والاستيقاظ باكراً، والالتزام بمواعيد ثابتة». لكنه اعترف بأنه لم يكن يتصوّر «أن في ذلك الهرب إلى الطفولة هذا القدر من العذاب والمشقّة التي لا نهاية لها».

وكان ماريّاس يواظب منذ ثلاث سنوات على كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة «الباييس»، جمع مختارات منها في آخر كتاب له صدر قبل أسابيع من وفاته.

في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة دخوله الأكاديمية الملكية للغة عام 2008 تحت عنوان «حول صعوبة السرد»، قال إن أجمل رواياته هي تلك التي عجز عن كتابتها رغم كثرة المحاولات، وإن «أجمل ما في الكتابة هو الضياع وفي جيبك بوصلة، لكن من غير خريطة طريق».

يقول أحد أصدقائه المقرّبين، الروائي إدواردو مندوزا الذي عمل أيضاً لسنوات مترجماً في الأمم المتحدة، إنه كلما انتهى ماريّاس من كتابة رواية كان يردد: «هذه كانت الأخيرة، لم يعد عندي ما أقوله». وكان انصرف في السنوات الأخيرة لتأسيس دار نشر متخصصة في الأدب الخيالي، وإلى متابعة نشاط فريق كرة قدم محلي كان يدعمه بالمال، وهو الذي كان من الأنصار المتحمسين لفريق ريال مدريد الذي وقف لاعبوه دقيقة صمت حداداً عليه في مباراتهم الأخيرة.

كان ماريّاس ينتمي إلى عائلة متعددة المواهب الفكرية والفنية. والده كان من كبار المفكرين والفلاسفة الإسبان، وشقيقه ميغيل له مؤلفات موسوعية في النقد الفني، بينما يعد شقيقه الآخر فرناندو مرجعاً عالمياً حول الرسّام الشهير الغريكو، وشقيقه الأصغر آلفارو مؤلف موسيقي وعازف عالمي على الناي. أما والدته التي توفيت منذ عامين، فكانت هي أيضاً مترجمة مرموقة نقلت بعض أعمال ريلكه إلى الإسبانية. في آخر حديث مطوّل له نهاية مايو (أيار) الماضي، قال: «لدي انطباع بأني، في كل ما كتبت، لم أقنع أحداً بشيء على الإطلاق»، وإن فكرة الخلود لا تعني له شيئاً «ما كان سيحصل قد حصل، والتاريخ اليوم يمرّ أمامنا بسرعة البرق، ولا جدوى من التوقف عنده».

لكن ماريّاس الذي لم تفارق ملامح الطفولة وجهه حتى رحيله، كان يدرك أن أدبه يشكّل إحدى ألمع التجارب الأدبية الإسبانية، ودليلاً ساطعاً على أن دقّة السرد وإتقان الغوص في أعماق الطبيعة البشرية لا يتعارضان مع القدرة على الوصول إلى مئات آلاف القراء والاستحواذ على إعجابهم.

عن الشرق الاوسط