سالم الدباغ.. إقتفاء الأثـر

سالم الدباغ.. إقتفاء الأثـر

كريم سعدون

لا يشترط بالمتلقي للعمل الفني المعروض أن يكون متسلحاً بمعرفة مسبقة بدوافع الفنان لحظة إنتاجه لعمله.لكنه بالمقابل ينشغل بمعاينة التكنيك الذي يشتغل عليه الفنان في سطح عمله الفني لأن ذلك يهيئ فضاءً إيجابياً للعرض

ويحسن من إمكانية التلقي البصري المريح ويشكل التفاعل الإيجابي معه وهذا من شأنه أن يذلل العقبات التي تعترض طريق قراءة العمل وآليات فهمه لأن الدهشة الأولى التي يحققها العمل تتبدّد أثناء المعاينة للوصول الى البنى العميقة فيه والفنان الحقيقي هو القادر على تفعيل إمكانية التخفي للدلالة تحت بنيات العمل الظاهرة.

قد يصلح هذا مدخلاً لفهم آليات التعامل مع منتج فني متقدم ويمتلك شروط متانته وإرثه الجمالي كما في منتج الفنان سالم الدباغ، فالمتلقي يواجه في مشاهدته لأعماله عتبات تشكل له تحدياً من أجل تلمس الخطوات التي ترشده للوصول الى الشفرة التي تتحكم في انتاج الدلالة وهذا التحدي هو ما يوسع دائرة الدلالة فيها ويفتح تأويلها وتعدّد قراءتها، هذا الفعل لايتحقق إلا على يد فنان امتلك شروط حضوره منذ بداياته التي شكلها بفهم واعٍ وبجرأة كبيرة للإمساك بكيفية التفرد في وسط فني حديث نسبياً شغله البحث في مناطق مجاورة للمشهد الفني لا في الفن ذاته، فالفنان الدباغ كان قد أدرك بشكل مبكر معنى أن يكون الفنان معاصراً بقدرته على أمتلاك أدواته واستخدامها في الوجهة التي تحقق له تكنيكاً متميزاً يخدم ما ينوي تقديمه، وماساهم في تأهيله لذلك أيضاً أنه فنان كرافيكي متمرس صقل تجربته في الدراسة في ليشبونه في الستينيات من القرن الفائت مما وفر له القناعة التامة بالطريق الذي سلكه وركز لديه هدفه ووضّح له صورة ماهو عليه.

إن فحصاً بصرياً لأعمال سالم الدباغ يجد المتابع فيها متعينات تشكل علامات يكررها باستمرار فمن أين أتى بها الدباغ وكيف شكلت عماد بحثه الافتراضي البصري ؟ إن هذا السؤال غير نافع لاقتفاء الأثر في أعمال الفنان ولكنه قد يسهل أمراً واحداً عندما يكون مدخلاً لتخطي العتبة الاولى في تلقينا لها. فالدباغ يجمع كماً من العلامات والأشكال وخطوط منتظمة في مخيال لايحتكم للصدفة، وأقصد هنا أنه يأتي الى العمل على سطح لوحته بدراية كافية لمايريد أن يعمله على هذا السطع فيزيح ويختزل قبل أن يضع شيئاً لأن مايريد فعله يكون قد اكتمل في ذهنه كمشهد بصري كامل ينتظر الظهور وهنا يترك الفنان للحظة مكمن الحرية التي تظهر بها أعماله في الآخر، أي أن الفنان الدباغ يمتلك لحظة الصفر قبل صفر البداية، فالمتلقي لايشعر بالقصدية في تموضع الأشكال على السطح بكل تأكيد، لأن الفنان استطاع أن يجعله يتفاعل مع فضاء حر يلعب به بتكنيكٍ عالٍ كأجراء وَسَمَ به أعماله وشكّل عماد أسلوبه. لقد أدرك الفنان الدباغ البعد الثقافي للمكان واستحضره باعتباره متخيلاً تنبي عليه تشكلات العمل الفني برمته، فالمتلقي يجد مايبدّد التساؤل الأول في العلامات التي يحصيها ويفرزها فيجد علامات مهيمنة تشكل مركز الاهتمام والاشتغال داخل العمل الفني، فالشكل الهندسي وهو الاستعارة الأثيرة في أعمال الفنان وطغيان اللون الأسود هما الأكثر اشتغالاً بصرياً فيه، إذ أن التقشف في استخدام اللون في أعماله يجعلها تبدو للمتلقي العابر إنها بلون واحد إلا أنها بالنسبة لعين متدربة يمكنها تمييز كل ماوضعه الفنان من تدرجات لونية تحيل الى ألوان متعددة شكلت بنية اللون الكامنة في أشكاله فهو يعمل على إجراءات تقنية تحيل الى اشتغال الضوء داخل العمل وكأنه موشور يزيح طبقات الأسود لتتمظهر الألوان فيه، فاللون الأسود بقدر مايشكل طبقة تهيمن على المشهد فانها تصبح قاعدة ممتازة لإظهار ألوان أخرى وجاذب قوي لعين المتلقي، وهذه الممارسة التقنية في معالجة سطح أعماله واستحضار الشكل الهندسي الذي يحركه في الأعلى والأسفل والجوانب يعزز لدي أن بحثاً مكانياً متحققاً فيها وافترض أن الفنان سالم الدباغ ولكونه يقدم أعماله متقشفاً، مع سعة ملونته، وبصياغة تجريدية تعبيرية محكمة، يعمد الى لعبة التخفي التي يشكلها، ورغم أنه لا يسند أعماله بتنظير قد يشكل إفساداً لتلقيها، ذلك أن المربع الذي استحضره الدباغ وأجرى عليه اختزالاً ليكون صالحاً لاستيعاب وجوده وحركته، أعطانا بعداً افتراضياً لحضور مكان يمكن التمعن فيه ومُلبساً إياه زمناً افتراضياً أيضاً ليجعل منه وجوداً ثقافياً.

في أعماله يحرص الفنان الدباغ على تقديم مشهد بصري يمكن رؤيته من زوايا نظر متعدّدة فهو يعمل دوماً على تفكيك المشهد و إذ يعيد تركيبه من جديد، يضيف عناصر من خارجه إليه ليتسنى له أن يحقق وجوداً مستقلاً لعمله خارج التوقعات التي تتحكم بها تصوراتنا، فالانزياحات التي تحصل في العمل الفني خلال إنتاجه تبدّد وجود الواقع المستعار وتدخل الشكل العلامي في لعبة فنية يتلبس فيها دلالالته التي تتحكم في قراءة العمل نفسه ضامناً أن صفة الاستقرار التي يتمتع بها الشكل الهندسي تكون عاملاً لضبط الحركة الحرة للخطوط والإشكال وتدرجات اللون وتمنحها بعداً جمالياً مثير للدهشة.