ســــر الاسـتهــلاك فــي الصــين

ســــر الاسـتهــلاك فــي الصــين

ترجمة / إسلام العنبكَي
ترتدي ليلي لي حبلا قصيرا معلقا فيه بطاقة بلاستيكية صغيرة حول رقبتها حتى في ايام عطل نهاية الاسبوع. انه وسام الشرف وذلك لانه يرينا بانها امرأة تمتلك وظيفة الطوق الأبيض (وهو مصطلح أوجده كاتب امريكي يطلق على هؤلاء الذين يشغلون مناصب احترافية و ادارية او مناصب للاعمال المكتبية)

حيث ان ليلي لي تعمل كسكرتيرة في شركة أكسس اسيا و هي شركة ابحاث للبيع بالتجزئة و تستعمل سماعات الاذن من صنع شركة ابل Apple لهاتفها النقال الرخيص الصيني الصنع الذي تضعه في جيبها لذا فمن الخارج تبدو و كانها تمتلك هاتفا من نوع اي فون iPhone و تقود سيارتها للذهاب الى العمل على الرغم من انها تستغرق بذلك وقتا اطول بأربع مرات فيما لو تستقل وسيلة نقل عمومية ذلك فقط لتري العالم سيارتها الصغيرة.
منذ عقود من الحرمان و تقليد العادات فان الصينيين يعتبرون السلع الاستهلاكية الباهظة الثمن علامة للنجاح فلذلك هم يستعرضون ما يستخدمونه من سلع في العلن فقط ليرى بقية الناس ذلك بينما هم يبخلون حتى على البنس الواحد بعيدا عن الأنظار فترى صاحب سيارة البي ام BMW الفاخرة له القابلية على ان يقود سيارته ما يقارب النصف ساعة على ان ينفق 50 سنتا ليصف سيارته. و انها لتتردد في ان تنفق المزيد على أثاث البيت الداخلي ذلك أن لا احد غير أفراد عائلتها يرى ما في داخل الشقة.
و وفقا لبعض التخمينات فان الصين ستصبح ثاني اكبر البلدان المستهلكة في العالم و ذلك بحلول عام 2015 و هي مرتبة ليست ببعيدة عن امريكا.
فالصينيون يشترون بالفعل كماً اكثر من السيارات مقارنة بالناس في البلدان الاخرى. لذا فان الصين في طريقها ان تصبح البلد الاكبر من حيث امتلاء سوقه بالسلع المترفة. فوضعت الحكومة المركزية زيادة في الاستهلاك الوطني كأسبق اولوياتها في خطتها الخمسية.
وما يثير الاستغراب هو دأب الشركات الغربية على تصدير سلعها بكميات كبيرة الى الصين. ففي الرابع من شهر تموز اكدت شركة نسلة (Nestlé) وهي اكبر شركة مواد غذائية في العالم بانها في محادثات جارية مع شركة هسو فو جي و هي اكبر شركة مصنعة للحلويات و المخبوزات وذلك في صدد شراء الشركة فإذا تم التصديق على العقد فأنها بذلك ستصبح من أعظم الأحداث في الصين حيث وصلت قيمة شركة هسو فو جي الى ما يعادل الـ2.6 بليون دولار في سوق الاسهم السنغافورية. حيث ان الصين هي السوق الذي يحتل المرتبة التاسعة الاكبر بالنسبة لمنتجات نسلة (Nestlé) و بمبيعات توازي الـ2.7 بليون دولار العام الماضي. و هذه هي نصف الكمية التي تبيعها شركة نسلة (Nestlé) في البرازيل على الرغم من ان التعداد السكاني في الصين يعادل سبع اضعاف ما هو عليه في البرازيل. لذا فأن تعطش نسلة (Nestlé) لضم شبكة توزيع شركة هسو فو جي اليها و لتستفيد من خبرتها هو ما يوخز بخفة براعم التذوق لدى الصينيين!
"ان نفهم ما يريده المستهلك هو الامر الاهم لدينا" ذلك ما قاله بول بلوك رئيس شركة نسلة (Nestlé). ان سوق المواد الغذائية هو السوق الاكثر رواجا من غيره فاذا كنت تحاول ان تبيع الجبن في الصين فاعرف انه امر مماثل لمحاوتلك ان تبيع الستنكي توفو في سويسرا (الستنكي توفو: هي عبارة عن وجبة سريعة محلية تشتهر بها البلدان الاسيوية و بالاخص الصين و تايوان و هونغ كونغ) فكانت شركة نسلة (Nestlé) تتحسس الفرائس على مدى العامين الماضيين في الصين لتنقض عليها و شركة هسو فو جي ليست اول الفرائس ففي شهر ابريل/نيسان كان لها دعما ماليا مسيطرا في مجموعة ينيلو للمواد الغذائية و هي شركة تملكها عائلة صينية تصنع حليب الفول السوداني و عصيدة الارز المعلب.
و تصب الشركات ذات الجنسيات المتعددة التي تحاول ان تكسب المستهلكين الصينيين تركيزها بالفعل على المناطق الساحلية المزدهرة.
و لشركة P&G الامريكية المصنعة لغسول الشعر (الشامبو) و معجون الاسنان و امور اخرى مماثلة مقرا في الصين في مدينة غوانكزو بينما مقر غريمتها شركة انكلو دتش في شانغاهاي. و على الرغم من ذلك فان كلتا الشركتين تصبوان الى ثورة ثانية بين المستهلكين الصينيين البالغ عددهم 665 مليون نسمة الذين يعيشون في اماكن ريفية.
لا تزال فجوة الدخل بين مدن الصين الساحلية و المدن الداخلية هي من 1 الى 6 الا ان الدخل في الاماكن الريفية يتزايد و ان الـ665 مليون نسمة هم رؤوس كافية لان تستخدم كل كمية الشامبو المصنع!
و تمثل الحكومة الصينية تحديها الفريد (فكل شيء له علاقة بالسياسة" ذلك ما قاله مكجيوجر الرئيس الاسبق لغرفة التجارة الامريكية في الصين. "تسمح هذه الحكومة للشركات الاجنبية ان تضع اسهمها في السوق في الوقت الذي تكون هي بحاجة لها" حيث يمثل ذلك هدفا يحقق على المدى الطويل يستقى من الاجانب لكي تستطيع بالنتيجة بناء ابطالها الخاصين بها. و حتى ما تصل الى تلك النقطة فانها تواصل دفع الشركات الاجنبية المصنعة للسيارات من بين الاخرين الى الشراكة غير الهانئة مع الشركات الصينية.
و لقد شعر معظم منتجي السلع الاستهلاكية الغربيين بوقع يد الصين الثقيل عليهم. و ذلك عندما تم استدعاء رئيس شركة مويت هينسي لويس فيمتون و هي شركة للمنتجات الفاخرة الى السفير الصيني في باريس عام 2008 لتوبيخه بعد ما ان قال نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي انه يريد ان يلتقي بـ دالي لاما. و في الاسابيع المقبلة فان اعداد النساء المتقدمات الى محلات لويس فيتون في الصين حاملات معهن حقائب لويس فيتون المقلدة طالبات بوقاحة ان يستعدن نقودهن.
و وقعت شركة ينوليفير مؤخرا في مشكلة وذلك جراء تلميحها بأنه سيرتفع بعض اسعار منتجاتها. و تشعر الحكومة الصينية بالرعب حيال التضخم و تلك مخاوفها يمكن ان تشعل شرارة الاضطراب. حيث اتهمت شركة يونليفير بانها تحث متسويقها بان يدخروا منتجاتها و صفعتها جراء ذلك بغرامة ثقيلة. ولكن ذلك الامر لم يعق هارش مانواني المدير التنفيذي للشركة بان يضاعف عمل الشركة خمس مرات في السنوات المقبلة.
مديح رؤساء الجانب المحلي المفرط:
لا تعد الحكومة المركزية المشكلة الوحيدة فقط. فالشركات بحاجة الى ان توطد العلاقات الودية مع المالكين المحليين ايضا. و حتى قرارات رؤساء المحافظات هي امر ذو الحاح و ذلك للحصول على الارض و اليد العاملة و التراخيص و المزيد من الفرائس المكتوبة على الورق التي تحتاجها الشركة لتستمر في عملها. حيث يفضل رؤساء الجانب المحلي الشركات الصينية و ذلك سيكون سببا اخر الى توطيد العلاقات.
و تتمثل مشكلة اخرى للشركات المتعددة الجنسيات في ان الشركات الصينية تستطيع مواكبتها و على نحو سريع. "سيكون الممثلون المحليون منافسين شديدين" ذلك ما افادت به تخمينات ديريك سولكر في شركة لونر كبيتال و هي شركة خاصة.
فحتى الان تتمتع الشركات الأجنبية بسمعة تبعث على الراحة من حيث النوعية و السلامة. و تسبب تلوثا كبيرا في ورشات لصناعة الورق المعدني الفضي محافظة زهيانج مؤخرا بإصابة 103 اطفال و عدد من البالغين. فالمستهلكون الصينيون يكرهون ان يصابوا بالتسمم حالهم حال اي شخص اخر لذا ان تلك الحالات تحث الكثير من الناس الى شراء السلع ذات العلامات الغربية. الا ان الصناعات المحلية بوسعها صناعة بضائع ارخص بكثير و نوعيتها تتحسن بالتدريج.
حيث ان بعض الشركات المصنعة للسلع الغذائية و التي تبلي بلاء حسنا في بلداها ايضا تقوم بأداء مدهش في الصين. و في امريكا فان شركة ماكدونالد تعيق نمو شركة كنتاكي فرايد كتشن (KFC و هي جزء من ماركة Yum!) حيث ان لشركة كنتاكي فرايد كتشن 3,300 مطعم و هو اكثر بثلاثة أضعاف من غريمتها ذلك فضلا عن افتتاحها مطعما جديدا في كل يوم يمر. يتمثل سر شعبيتها في مدرائها الذين يمتلكون الحرية في ان يكيفوا عروض كنتاكي فرايد كتشن مع الذوق الصيني.
عن / صحيفة الايكونومست