في رحيل صلاح فضل: من الناقد إلى عين النقد

في رحيل صلاح فضل: من الناقد إلى عين النقد

نبيل سليمان

رحل صلاح فضل الغني عن الألقاب، والذي حمل منها أبهاها. رحل صاحب المقالة الصحافية الشهرية (عين النقد) في مجلة (الصدى) الإماراتية. رحل صاحب كتاب (عين النقد على الرواية العربية المعاصرة – 1997)، وصاحب كتاب (عين النقد وعشق التميز: مقاطع من سيرة فكرية – 2018). رحل صلاح فضل وقد حُقّ له ما عنون به تلك المقالة وهذين الكتابين، فصلاح فضل هو عين النقد، كما حُقّ له ما لقبه به تلامذته ومريدوه: أيقونة الحداثة والفكر.

يغلب على اللقاء الأول بين مثلي في سورية ومثل صلاح فضل في مصر، أن يكون في الكتاب. كان هو ناقدًا معروفًا وأستاذًا جامعيًا، وكنت بعد ثلاث روايات وكتاب مشترك في النقد مع بوعلي ياسين، والحديث يتعلق بسبعينيات القرن العشرين الماضي، حين قرأت لصلاح فضل كتابيه الرائدين الصادرين عام 1978: (منهج الواقعية في الإبداع الأدبي) و(نظرية البنائية في النقد الأدبي).

كانت تلك السبعينيات سنوات المخاض والولادة، وتجذير الفكر النقدي، والدربة على النقد الأدبي الحداثي، وتشقق العباءات جميعًا: الماركسية والإسلامية واليسارية والنقد الأدبي الجامعي، وكل ذلك على إيقاع هزيمة 1967، وإذا بكتابي صلاح فضل يرجّانك بالمنهجية الواقعية والبنيوية – البنائية كما يفضّل - والحداثة.

من بعد سيتجدد اللقاء الأول في الكثير من مؤلفات صلاح فضل ومن ترجماته، وسيكون من الطبيعي أن نتعانق كصديقين قديمين ذات سنة، في بلد ما، في ملتقى ثقافي أو نقدي أو روائي.

ها نحن معًا، مثلًا، في رحاب جامعة مدريد المستقلة (أوتونوما) قبل ثلاثين سنة. كنت ضيفًا على الجامعة، بصحبة ذلك الأندلسي العربي الإسباني بيدرو مونتابث، وكان صلاح فضل يظللنا، فهو الغائب الحاضر الذي طالما انثالت ذكرياته ونحن في وكنة من وكنات كورنيش النيل في القاهرة، فإذا به طالب أزهري يطير إلى مدريد طالبًا، ثم أستاذًا في جامعة أوتونوما، ثم... ثم تحمله أجنحة الشباب والطموح والكفاءة العلمية إلى المكسيك أستاذًا في جامعتها المستقلة، ومؤسسًا لقسم اللغة العربية وآدابها في تلك الجامعة.

“أعلن صلاح فضل في كتاب (سرديات القرن الجديد) انتماءه إلى دائرة النقد التطبيقي المعني بالممارسة النقدية أكثر منه بالتنظير، والمعني أيضًا ببلورة قواعد لتلك الممارسة، كيلا يلتبس بالمراجعات الصحافية الجهولة أو الصاخبة أو الإعلانية».

كانت ظلاله العلمية والإنسانية تخفق في رحاب القاعة التي جمعتني مع طلبة الدراسات العليا، وفي كل عشية مع مونتابث. ويبدو أن ذلك الخفق بلغ روايتي التي أوقفتها على تلك الرحلة إلى إسبانيا، أعني (في غيابها – 2003). على الأقل، هذا ما أضمرته وما أعلنته كتابة صلاح فضل عن هذه الرواية التي وصفها باللعوب. وكم ردد عليّ أنه كان ثالثنا، هو والرواية وأنا، لحظة بلحظة عندما كانت أنفاسًا ملء مدريد أو طليطلة أو إشبيلية أو غرناطة أو سرقسطة، وعندما كُتبت، وعندما قُرئتْ.

ما أكثر وما أبدع ما كان يجود به عليّ من سيرته الشخصية خلال أكثر من ثلاثين سنة. أما سيرته الفكرية فقد أوقف عليها كتابه (عين النقد عشق التميز- 2018)، ولم يكن التميز الذي عشقه من النرجسية. بل أحسبه من مفهومه الخاص للنقد. فالنقد عنده هو فن التمييز. وسأمضي هنا إلى المأثرة النقدية الكبرى لصلاح فضل، والتي تتعنون بالنقد التطبيقي. فهذا الأكاديمي الذي خوّض في رحاب النظرية والتنظير عبر عشرات الكتب ومختلف الجامعات والأبحاث والأطروحات التي أشرف عليها، وبالتالي مختلف الأكاديميين الذين تخرجوا على يديه؛ هذا الناقد المفكر أولى النقد التطبيقي عنايته القصوى، كما في كتبه (أساليب السرد في الرواية العربية – 1993) و(عين النقد على الرواية المعاصرة – 1997) و(التمثيل الجمالي للحياة في الرواية العربية - 2009)، وبصورة خاصة في كتبه (سرديات القرن الجديد – 2015) و(أنساق التخييل الروائي – 2018) و(أحفاد نجيب محفوظ – 2018). عدا عن كتبه النقدية المتعلقة بالشعر، وصولًا إلى الشعر العامي في كتابه (شعر العامية من السوق إلى المتحف – 2019).

أعلن صلاح فضل في كتاب (سرديات القرن الجديد) انتماءه إلى دائرة النقد التطبيقي المعني بالممارسة النقدية أكثر منه بالتنظير، والمعني أيضًا ببلورة قواعد لتلك الممارسة، كيلا يلتبس بالمراجعات الصحافية الجهولة أو الصاخبة أو الإعلانية. فالنقد التطبيقي في عُرْف صلاح موجّه لكافة القراء، بما هو مقاربات مركزة، تسعى إلى اكتشاف تقنيات وشعرية النص، ولا تخضع إلى منهج تحليلي محكم. وقد كان كل ذلك مفصلًا حاسمًا في علاقتنا النقدية والثقافية.

في مجلة “روز اليوسف” (3/ 3/ 2018) حدثه المحاور عمن يصف نقده المنشور في الصحف، وهو ما شكلّ كتبه خلال العقد الأخير من حياته. وفي ذلك الوصف أن نقود صلاح فضل في الصحف لا تتجاوز عرضًا للكتب، مما أثار غضبه فرد بأن من يقول هذا القول لا يفهم في النقد شيئًا. وأنقل هنا هذا القول الهام سواء للنقاد المتعالين على التطبيقي، واللابدين في دفء النظرية والأكاديمية – على ضرورتهما، بالطبع - وكذلك للمتعيشين في الصحافة من فتات النقد. قال صلاح فضل: “المقال النقدي يمثل رؤية، وأنا أنقل جوهر التجربة التي بسطها المؤلف. لا ألخص التجربة فقط، بل أشير إلى مناطق الجمال والحيوية، وأشير إلى المؤلف بخبرتي وإلى طبيعة اللغة ونوع الخبرة التي يقدمها العمل الإبداعي، فمن يتصور أن ذلك مجرد عرض للكتب فهو جاهل، ولا علينا إذا لم تفهم البقر».

بعيدًا عن هذا، ها نحن معًا، مثلًا، في الدورة الأولى لمهرجان عبد السلام العجيلي للرواية العربية، الذي انعقد عام 2005 في مدينة الرقة التي أعلنها (داعش) عاصمة دولة الخلافة الإسلامية إلى أن دالت الدولة. وكنت بعونٍ من مدير الثقافة في الرقة آنذاك، الصديق حمود الموسى، قد هيأت برنامج المهرجان وأغلب قائمة المشاركين فيه، وعلى رأسهم صلاح فضل الذي هامسني عندما خرجنا من منزل عبد السلام العجيلي: بدأ السحر يأخذني.

وعلى مشهد من نهر الفرات، أعاد العبارة. وحين استضاف المؤتمر كله الصديق بوزان علي البشير الهويدي الذي كان أحد الطلاب الذين درّستهم في ثانوية الرشيد في الرقة، وحين تربع صلاح فضل كالآخرين على الأرض وأمامه (المنسف) الذي توسطه خروف بقدّه وقديده، هامسني: خلاص، السحر يا نبيل أخدني خلاص.

أكاد أقول ما مر يوم منذ أربع سنوات لم نتبادل فيه بالواتس رسالة صوتية أو كتابية أو صورًا، إلى أن أعياه المرض. وقد كان لقاؤنا الأخير في مطلع عام 2018 حين دعاني إلى العشاء في نادي السيارات مع الصديقتين الدكتورة أماني فؤاد والدكتورة زهور كرام. وكان قد جمعنا مؤتمر (التنمية المستدامة) الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر. وقد أخبرني الدكتور سعيد المصري – وكان رئيس المجلس - أن أعمال المؤتمر سوف تصدر في أربعة مجلدات خلال معرض الكتاب القادم في القاهرة، وأن البحث الذي شاركت به (الإثنية والطائفية كصدوع هوياتية في سورية) سيظهر في المجلد الثاني. وكنت قد أهديت صلاح فضل نسخة من البحث، فهتف لي في الغداة حزينًا، ولن أنسى كلماته: هل هذه هي سورية المتشققة إذن!؟ لا، ليست هذه سورية. وفي ذلك الاتصال كانت الدعوة إلى النادي الذي أدخله لأول مرة، مثل زهور كرام. لكنني كنت أعرف القليل عن النادي من القليل الذي قرأته من رواية علاء الأسواني الضخمة (نادي السيارات – 2013). وبينما بدأ صلاح فضل يتحدث عن النادي رحت أدقق في الوجوه، وأستذكر من الرواية وأتساءل: من هو الخادم عبدون، وأين هو الكوو، وأيهم هو السفرجي والبارمان والشيف..؟

ولكن لماذا تُراني أكتب وأتذكر وأهرف وأحبس الآهة وأغالب الدمعة؟ من قال إننا لن نلتقي من بعد أيها الصديق الأستاذ، يا عين النقد ويا عاشق التميز؟

عن موثقع الضفة الثالثة