أسوار النجف

أسوار النجف

خليل ابراهيم المشايخي

وللموقع الجغرافي المتفرد للنجف عن باقي المدن العراقية الاخرى ولأهميتها الدينية، ولتعاظم بعض الحركات الإجرامية التي اتخذت من الدين ستارا لتتمكن من دق أسفين الطائفية في جسد الاسلام واتخاذه ذريعة لذبح الأبرياء والتنكيل بهم، ولقربها من السعودية، كان لابد ان تتحصن بسور منيع، فمن يقرأ كتب التاريخ يجد فظاعة ما ارتكبه الأعراب القادمون من وراء الحدود بالتعاون مع من احكموا السيطرة على عقولهم من العراقيين.

ويؤيد ذلك ما ذكره الرحالة المستر (بارلو) الذي زار النجف عام (1889) واستاذ علم الآثار الامريكي جون بيترز الذي زار النجف عام (1890) والرحالة البرتغالي الذي زار النجف عام (1885).ز فمن يقرأ عن رحلاتهم وما دونوه عبر مشاهدتهم يلمس فظاعة ووحشية هؤلاء الاعراب فاغلبهم ذكر ان من ينام قريباً من السور في الليل يرى رؤوس الابرياء ترمى من قبل الاعراب من فوق السور، هؤلاء الأبرياء ذنبهم انهم جاؤوا لزيارة الامام (علي بن ابي طالب) (ع) وهم اناس مسالمون، لان ابواب السور كانت تغلق عند صلاة المغرب..

لذلك حصن أهالي النجف مدينتهم ولحماية الضريح الشريف ولحماية الزوار القادمين من اماكن شتى من العراق وخارجه من محبي آل بيت رسول الله «ص».

قامت للنجف ستة أسوار هي:

السور الأول: كان هذا السور حول المرقد بناه محمد بن زيد الداعي.. إذ قام هذا المحب لآل بيت رسول الله «ص» باعادة بناء الضريح بناء فنياً معمارياً بأحسن ما كان متبعاً من فن معماري للاماكن المقدسة، واقام لأول مرة فوق الضريح قبة منورة استدعى لبنائها خيرة المعماريين، فصارت تحفة تسر الناظر وبعد ان انتهى من بناء الضريح ضرب حوله سوراً لرد هجمات المعتدين ولتوفير الأمن لقاصدي قبر امير المؤمنين لزيارته والساكنين قرب الضريح.

السور الثاني: أخذ عدد الساكنين يزداد بازدياد عدد الوافدين الى زيارة قبر امير المؤمنين «ع» فضاق السور الأول بهم واصبح لا يلبي الحاجة ولا يؤمن الحماية والامن لعدد كبير من القادمين للزيارة، فقام الامير الحمداني ابو الهيجا التغلبي عبد الله بن حمدان (ت 317هـ- 929م) وهو من القواد العباسين، ببناء سور منيع وجعله حصنا منيعا، وقد جاء ذكر هذا السور في كتاب (صورة الأرض) لابن حوقل (ت 977م) وهو رحالة عربي وجغرافي جاب العالم الاسلامي من المشرق الى المغرب.

السور الثالث: اطلق على هذا السور بسور (عضد الدولة) السلطان البويهي (ت983).. وقد ذكر صاحب (المنجد في اللغة والاعلام) ص71 ان عضد الدولة أول من اظهر قبر الامام علي بن ابي طالب (ع) في النجف وبنى عليه وقد جانب الصواب في ذلك، وما دوناه عن السور الأول يفند زعمه..

وبعد ان صار القائمون على رعاية الزوار يزداد عددهم بازدياد الزوار وكذلك القائمين على رعاية الضريح. ادى ذلك الى ان تضيق المدينة بمن فيها، مما حدا بعضد الدولة بعدما زارها الى تحصينها، فبنى سوراً منيعاً، فصارت البلدة اوسع مما كانت عليه واخذت تحيط بالمرقد الشريف..

السور الرابع: يروي لنا المؤرخ العربي (ابن الاثير) في كتابه الشهير (الكامل في التاريخ) قصة بناء هذا السور، إذ يذكر ان وزير سلطان الدولة ابن بويه ابو محمد الحسن بن سهلان (ت 461هـ) مرض مرضاً شديداً حتى انه شارف على الموت وعجز الأطباء عن شفائه واتفقوا على انه لا يرجى شفاؤه الا بقدرة الخالق (جل جلاله) فتوجه بقلبه ووجدانه قاصداً امير المؤمنين، فنذر نذراً لوجه الله تعالى إذا عوفي من هذا المرض وخلصه الله من هذه الشدة واعطاه الصحة والعافية ليبنين سوراً عظيماً لمدينة امير المؤمنين.. وتحقق له ما اراد وبل من مرضه فامر ببناء سور ضخم يبعد عن الصحن الشريف بـ(199 متراً) وشرع ببنائه ابو الحسن الارجاني بأمر من الحسن بن سهلان عام (400 هـ) واستمر ببنائه الى اواخر القرن السادس الهجري.

السور الخامس: قام ببناء هذا السور السلطان (اويس) بضم الهمزة وفتح الواو لا كما ذكر بعض المؤلفين المحدثين (ويس) وهو من سلالة مغولية، تسمى بالسلالة (الجلائرية) ولذلك يلقب بـ(اويس الجلائري) ويعتبر من اشهر سلاطين هذه السلالة التي حكمت العراق من سنة (1339 الى سنة 1411م) ثم ابنه حسن، واحمد الذي قام ببناء باب ضخم للسور بعدما اتمه والده.

وقد ذكر هذا السور الرحالة (تكسيرا) الذي دخل النجف عام (1013 هـ) ومما ذكره: (ان مدينة النجف محاطة بسور ولكن هذا السور لم يكن منيعاً لان فيه أكثر من الف فتحة لانه بني من الاجر والطين مثلما كانت تبنى الجوامع والدور السكنية).

السور السادس: شرع ببناء هذا السور سنة (1217هـ) وانتهى من بنائه سنة (1226هـ) وقد عنى ببنائه وتخطيطه ليكون سوراً منيعاً ضد هجمات الاعراب المجرمين القتلة، وقد حفر خلف السور خندق عميق، واقيمت في اعلاه الابراج المكتنفة بالمعاقل والمراصد، وجعل المعماريون الذين صمموه واشرفوا على بنائه منافذ متقاربة مختلقة الأحجام تناسب حجم فوهات المدافع والبنادق التي يستخدمونها في حالات الدفاع عن المدينة.

وكان هذا السور يبعد عن السور الخامس بـ(170) خطوة ومحيطه ما يقارب من (4500) خطوة.

ما كتبه الرحالة الاجانب وعلماء الاثار عن سور النجف: اغلب الرحالة الاجانب الذين زاروا النجف كتبوا مشاهداتهم عن سور النجف ووصفوه بشكل جيد، وقد سبق ان ذكرنا ما كتبه الرحالة البرتغالي (تكسيرا) عن سور النجف وكان قد كتب رحلته بالبرتغالية وترجمت الى الانكليزية سنة (1902م).

ومما ذكره ايضاً (ان الكثير من الاماكن فيه آيلة الى السقوط وفيه أكثر من الف فتحة يستطيع اللصوص والمجرمون النفاذ منها الى البلدة وقتل ابنائها والاعتداء عليهم ونهبهم..).

اما الرحالة (بيترز) وهو استاذ امريكي رئيس بعثة (بنسلفانيا) فقد زار النجف عام (1890م) بعد ان وصلها من السماوة سالكاً الفرات عن طريق (شط العطشان) بعد ان استأجر (طرادة) ومما قاله:(كانت النجف محاطة بسور تسد ابوابه عند الغروب.. وهذا السور متداع مشرف على السقوط.. ثم يصف ارتفاع السور بقوله: (وكان ارتفاع السور يبلغ خمساً وعشرين قدماً وسمكه خمس الى ست اقدام..).

وله رأي طريف له صلة وثيقة باختصاصه فهو عالم آثار لذلك يحاول ربط مشاهداته بقراءته فهو يرى ان (العرب في المنطقة الجنوبية يعيشون عيشة تشبه عيشة البابليين قبل اربعة الاف سنة في كثير من الاشياء لاسيما الطقوس الدينية، وطقوس دفن الموتى في الاماكن المقدسة.. وكذلك الاكشاك قرب ابواب الصحن التي تبيع الكثير من الحاجات واللوازم مثلما كان يحصل في ابواب معبد (بيل) في نفر من قبل.. ومما ذكره ايضاً عن السور قوله: (ويكون محيط الاسوار كله شكلاً مربعاً تقريباً، يضم في داخله كتلة كبيرة من البيوت المتماسكة).

اما الرحالة (ينبهر) الذي زار النجف عام (1765م) فيذكر ان النجف كانت مسورة بسور ضخم له بابان، باب المشهد، وباب النهر، وله باب ثالث يسمى باب الشام لكنه مغلق ببناء.

والسور مهدم بحيث يمكن الدخول الى المدينة من خمسين موضعاً. ويذكر الشيخ جعفر محبوبة في كتابه (ماضي النجف وحاضرها) ان هذا السائح قد شاهد السور الخامس وكذلك السائح الذي جاء بعده (تكسيرا) وهو سور السلطان (ويس الجلايري) (كذا).

نشأة المساكن والمحلات

يذكر الدكتور محسن عبد الصاحب في كتابه (مدينة النجف الكبرى) نشأت المساكن أول الامر شمال المرقد في عام 787 م ما يعرف اليوم بـ(طرف المشراق) واخذت تمتد غرب المرقد وجنوبه فظهرت محلات سكنية كـ(محلة الرباط والجية) لتي كان موقعها قرب جامع الهندي الحالي ومحلة (الزنجبيل) التي تشمل اليوم (عكد الحمير) ولم يرد تاريخ محدد لنشأة هذه المحلات كما يذكر محمد بن حوقل في كتابه (صورة الأرض) ص215 وبعد مجيء الطوسي في (1057م) اخذت البلدة بالتوسع فنشأت محلات سكنية اخرى كمحلة (العلا) التي تشمل اليوم المنطقة الممتدة من مرقد الامام (ع) حتى (سوق الريحة) ومحلة اخرى بالقرب منها.

وحدثنا الاستاذ علي جهاد حساني مدير مركز احياء التراث الاسلامي قائلاً: (يذكر ابن الاثير في كتابه الكامل ان النجف اتخذت شكلاً دائرياً طول محيطه (1250 متر) وكان السور الرابع يبعد عن المرقد الشريف في اغلب الجهات (199مترا) وموقعه عند أول (سوق الصفارين الحالي)، والسور الخامس يبعد عن الرابع بـ(75) متراً وكما يذكر جعفر محبوبة في كتابه ماضي النجف ص573 ان محيط النجف يبلغ (1721 مترا) وظهرت محلات سكنية جديدة كمحلة (آل جلال التي يحتل سوق المسابج الحالي جزءاً من موضعها ومحلة البركة، وتوسعت محلة العمارة وحول مرقد صاحب الجواهر.. ومن يلقي نظرة خاصة على الخريطة التي وضعها الرحالة (كارتسن نيبور) في سنة 1765 في كتابه (مشاهدات نيبور في رحلته من البصرة سنة (1765)م الى النجف /ترجمة: سعاد العامري/ بغداد 1955، ص 76- 77).

يقول الاستاذ الباحث والمحقق حسين الحساني قائلاً: ان المكان الذي تراه اليوم قد انتشرت عليه منشآت السوق الكبير وكذلك شارع الصادق وشارع زين العابدين وشارع الجبل وباب الولاية وفضوة المشراق كلها كانت موضع المقبرة العامة واستشهد: (ما أظن اديم الأرض إلا من هذه الاجساد).