رحيل الإسباني غالا عاشق التراث الاندلسي

رحيل الإسباني غالا عاشق التراث الاندلسي

وليد خالد الزيدي

سحر الكتب من ضروريات مشاعر قادة الفكر والأدب، ومن ملهمات الحكماء وشغف العلماء وبوارج الأدباء الى عالم الحكمة والخيال، وصور الذكاء التي تختزنها تلك المدونات في نفوس البشر، وعلى تلك الشاكلة يأتي الشاعر والمسرحي والروائي الاسباني انطونيو غالا،

الذي رحل قبل أيام عن عمر (92) عاما، وهو أحد أعظم شخصيات كتاب الأدب بكل أجناسه، وأبدع فيه واستلهم تراث بلاد الاندلس، تاريخها وإرثها، حينما استمر حتى آخر أيام حياته، وهو يحلم ببقايا غرناطة كأحد عشاقها، وكتب عن اخر ملوكها المعروف بأبي عبد الله الصغير رواية (المخطوط القرمزي)، التي تناولت اعترافات ابنه الامير عبد الله الصغير، حينما تنبأ بموقعة سقوط ملكه، وهو يقول له عبارته الشهيرة (أنت آخر ملك ستخرج من غرناطة) حيث ابدع في موضوعاتها ومحورها ومجملها وارتباطها بتاريخ العرب في الأندلس، وانطلاقاً من علاقة إسبانيا بالعرب والمسلمين بشكل عام، ومضمونها الحب الذي يعد الهاجس الأساسي، ويكاد يكون الوحيد فيها لانتصار الإنسان.

وُلِد أنطونيو غالا في قرية برازاتورتاس بمنطقة سيوداد ريال عام 1930، كان والده طبيباً اضطرته ظروف العمل إلى الانتقال لقرطبة، عندما كان ابنه طفلا رضيعاً، فاعتبر نفسه منذ تلك اللحظة قرطبياً أصيلاً، وتلقى تعليمه الثانوي فيها وعشق دراسة الفلسفة والقانون، حيث كان كثير الفخر بمدينته، بسبب احتضانها الأيقونات والمساجد والكاتدرائيات، ومعرفته بتفاصيلها، حتى أن الملكة صوفيا كانت تستعين به في زيارتها للمدينة، كدليل سياحي لها، وكان شغوفا بمساجدها الى درجة وقوفه ضد قرار الملك الاسباني تشارلز الخامس، بتحويل المسجد إلى كاتدرائية، واعتبر ذلك انتهاكاً للإسلام والكاثوليكية في آن واحد، حتى ندم الملك على فعلته.

بكى غالا حيناً على عالم مضى كان العلم والأدب والفنون، وبالتالي الإنسان محوره، عكس ما كانت معظم النصوص تروي عن أبي عبد الله الصغير آخر سلاطين الأندلس على أنه كان خائناً، وأضاع الأندلس كما يروي لنا التاريخ، لكن الكاتب الإسباني أنطونيو غالا حاول في هذه الرواية أن يضعنا أمام شخص آخر، غير الذي عرفناه ووقعت عليه لعنة التاريخ، واصفا اياه بإنه شخص من لحم ودم يعيش الحياة حلوها ومرّها شخص يبكي، لأنه يعرف أن الماضي سيضع على كاهله، ما لا يد له فيه، برغم مناداة والدته له بكلماتها المشهورة، حين التفت ليرى غرناطة لآخر مرة باكياً، وهي تحدثه (ابك كالنساء ملكا لم تصنه كالرجال)، وبعد مرور خمسة قرون كتبت تلك القصة حياة أبي عبد الله الصغير بقلم أندلسي وحصلت على جائزة بلانيتا عام 1990، كأهم جوائز الرواية في إسبانيا.ومهما كانت نظرة هذا الكاتب عن تاريخ ملك غرناطة آخر معاقل العرب في الاندلس وطريقة تناوله تلك المسألة سلبا أو إيجابا، فإننا نتناول غالا انطلاقاً من ذلك ككاتب آمن، بأن مفهوم الأندلس يستند إلى التعايش بين الأديان واللغات، عادا إياه الحل الوحيد، ليجعل الانسان دائم الانتصارات يخلده التاريخ، معتبرا أن هذا الملك من أشجع القادة في تلك الفترة، وتلك الموقعة، لأنه قبل السلام من أجل المحافظة على أرواح الناس من أبناء قومه، وبقية الأقوام غير العرب، وقد تحول مسجد قرطبة الكبير إلى موقع للتراث العالمي عام 1948، بإقرار اليونيسكو حتى يومنا هذا وقبل وفاته في الثامن والعشرين من شهر أيار الماضي كانت روايته، قد طبعت وأعيدت طباعتها أكثر من عشرين مرّة حتى الآن، ووصل عدد النسخ إلى أكثر من مليون نسخة.