الكاتب الإسباني أنطونيو غالا: الأندلس تتملكني، فهي الهواء الذي تنفست

الكاتب الإسباني أنطونيو غالا: الأندلس تتملكني، فهي الهواء الذي تنفست

خالد سالم

عندما طلبت منه إجراء المقابلة لم يدع أنه مشغول، على غير عادة كبار الكتاب المشهورين، وأنا أعلم مسبقاً أن إرتباطاته كثيرة، وعجل بموعد اللقاء عندما علم أنها لقراء العربية، فاستقبلني في منزله بالعاصمة الإسبانية الذي تملأ جدرانه الكتب واللوحات والتحف الفنية،

وقد أدهشني أدبه الجم وعذوبة ألفاظه، ورقة كلماته كأنك تجلس إلى أمير أندلسي ممسكاً بعصاه المميزة، ومنديل حريري يلتف حول عنقه، وإبتسامة شفافة تعلو شفتيه طوال هذا الحوار الذي ما أن إنتهى ودعني على عجل لينصرف بغية المشاركة في فعالية ثقافية:

* كيف يمكن الجمع بين كونك مسرحياً وشاعراً وروائياً وكاتب مقال؟

- إنني أؤمن بنظرية لأفلاطون، هي أن الإبداع عندي هو الشعر، أي أنه كل شئ. إنه كأي سائل يتكيف مع شكل الإناء الحاوي له. وهكذا نجد بيوت القصيدة شعراً، وهناك شعر روائي يتمثل في المسرح، وشعر قصصي في القصة، وشعر المقالة، وشعر الحياة، كيفية تأمل الحياة، الطريقة التي نرى بها مرورها وقدوم الموت.

وعند الكتابة، أنا لا أختار الشكل، فكل لحظة لها من لحظات الكتابة عندي تقرر الشكل النهائي للعمل. والكاتب يتمتع بهذه الصفة لأن له موهبة الإستقبال والإدراك التي تحركه.

* معروف أن أنطونيو غالا من أكثر الكتاب الإسبان المقروئين ، فما سر ذلك في رأيك؟

- أقر المختصون في علم الإتصال الذين درسوا هذه الظاهرة، أن هذا الأمر يرجع إلى أنني أتكلم مثلما أكتب، وأكتب مثلما أتكلم، أي أن هناك تواصلاً بين الفعلين. أعتقد أن لاوجود لفاصل أوفارق بيني وبين القراء، فأنا منهم وأنتمي إليهم، وأتحدث بالطلاقة وبالطريقة التي يفهمونها. هناك كتاب كثيرون يعتقدون أنه كي تبدو كتاباتهم أكثر عمقاً يقومون بتعقيدها. إنني أحاول توضيحها قدر الإمكان.

إنني أرى أن نتاجي الأدبي كعصير البرتقال، كالرحيق، يصل من الشجرة إلى الشفاه مباشرةً دون وسيط. وهذا التواصل كتيار الدم لايقف في طريقه عائق، أي بين ما أكتب وما يدركه ويفهمه القراء. وهو ماحدث لي دائماً، بما في ذلك عند نظم الشعر، رغم أن الشعر صعب الفهم.

إن هذا التواصل هبة لم أبحث عنها. أعتقد أنني لا أبحث عن أسلوبي، فالبحث عن أسلوب أمر ضار أدبياً. إننا نملك وسيطاً بين ما يُحكى وبين الصورة التي يُحكى بها، إننا كالحنجرة المستعارة، مثل يد الفنان التشكيلي الإسباني بلاثكيث المستعارة، وعلينا أن نتصرف ونعمل متخفين ومتنكرين قدر الإمكان.

* إلى من تكتب؟

- في الواقع لا أكتب لأحد على الإطلاق. إنني أكتب لأتعلم ولأنني بحاجة للكتابة، فالكتابة بالنسبة لي طريقة للعيش بعمق وكثافة. وأنا لم أكتب البتة للإتصال بالآخرين، بل أريد إبلاغهم شيئاً أعتقد أن الآخرين يمكنهم أن يتعلموه معي. الكتابة بالنسبة لي مصير، قدر، ليست موهبةً. وإذا كانت موهبة لربما ناقضتها.

* ومع ذلك فإن المتابع لشخصيات أعمالك يدرك أنك تبحث عن شئ ما؟

- إن معنى الحياة يكمن في أنها بحث وإستقصاء. وبحث المرء عن نفسه أهم ما يمكن أن يقوم به الإنسان. وسؤال: من أنا؟ هو أول الأسئلة، ولكن إذا لم تكن تستطيع الإجابة على هذا السؤال بطريقة جذرية فإنك ستظل خارج عن معرفة حقيقة ذاتك، والإستمرار على هذه الحال يعني خللاً وعدم ثبات، أي إنفصال عن الواقع، أو كسلعة تباع معرضة للغش. لهذا من الضروري أن يعرف الإنسان من هو.

بيد أن عملية البحث طويلة، وقد يكشف جوانب من ذاته ويثريها شيئاً فشئ، ولكنها ليست جانباً واحداً بل أوجه عديدة. لهذا فإن عملية البحث والإستقصاء هذه ضرورية و لا نهاية لها، وإذا وصلت إلى لحظة تعرفت فيها على نفسي تماماً، أي لم أعد أندهش أمام ذاتي، فإن هذا لن يعني أن ساعة موتي قد حانت.

* من منطلق ممارستك لكافة أجناس الأدب، أيها أقرب إلى القراء وأقوى تأثيراً عليهم؟

- في حالة إدراك الناس للحقيقة، قد تكون القصيدة الشعرية أكثر تأثيراً لأنها درب للمعرفة، ليست شكلاً تعبيرياً كالمسرح، بل هي شكل معرفة ودراية، لهذا إن وصلت القراء تأثروا بها. بعد الشعر يأتي المسرح على أساس أنه مباشر، يصل بلا وسيط إلى قلب المتفرج، وتأثيره يختلف عن تأثير العمل الروائي حيث يتصل القارئ بالكاتب رغم المسافة التي تفصل بينهما عند القراءة. المسرح يتمتع بالظاهرة الجماعية، مشاركة الجمهور، وهو شأن القصيدة، إذ يفترض أنها تكتب لتنشد على الجمهور، وإن كانت هذه الخاصية قد سرقها المسرح من القصيدة، إضافة إلى أنه أكثر تأثيراً ومباشرةً. ربما كان هذا هو سبب ممارستي لكتابة المسرح أكثر من أي لون أدبي آخر.بيد أن المسرح لايغير، فوظيفته التنبيه، الإيقاظ. إنه يشير إلى موطن الداء، ولا يضع الدواء. أما مهمة التغيير فتقع على عاتق الحكام.

* تحدثت مسبقاً عن الشعر، وحسب معلوماتي فقد بدأت نظمه وأنت مراهق وواصلت في مرحلة الشباب، ثم توقفت عن قرضه...

- إنني لم أترك الشعر ولم يتخل الشعر عني، فأنا أكتب دواوين شعر قدر ما يجب أن أكتب من هذا الفن الأدبي، وكل مايحدث أنني أشعر بخجل جم يمنعني من نشر هذه الدواوين. ودور النشر تلاحقني كي أسمح لها بنشر أشعاري. نشر الشعر في إسبانيا يتم في كتب صغيرة الحجم، وهو ما لاينطبق على شعري، فالكثيرون ينتظرونه. وكنت مصراً على التوصية بنشره بعد رحيلي عن هذا العالم، إلا أن إحدى دور النشر أقنعتني بالتراجع عن رأيي هذا ونشره في ربيع هذه السنة 1997.

كنت قد بدأت نظم الشعر في سن مبكرة فعلاً، فأصدرت بمعية بعض الأصدقاء، وقد صاروا اليوم جميعاً كتاباً، مجلتين خصصناهما للشعر، الأولى في إشبيلية والثانية في مدريد، في محاولة للهروب من الوحدة والإنطواء على النفس والإحساس بالشاعرية والعيش في برج عاجي. وكان لتلك التجربة فضل في عدم شعوري بالوحدة في تلك السن المبكرة، إذ كنت في السادسة عشرة، وأنا طالب في جامعة إشبيلية، فكتبنا ونشرنا.

*ألا يرجع ذلك إلى أن الكثير من الكتاب يبدأون حياتهم الأدبية بكتابة الشعر، ثم يتحولون إلى القصة عند نضوجهم أدبياً ؟

- على الأديب أن يغادر الشعر بعد أن تكون قد قُبِّلَت كافة الشفاه، وتمت زيارة كافة المدن. المشكلة تكمن في أن الكثيرين يخلطون بين الشعر والقئ الطيب الرائحة، فبما أنه سريع ونحن كسالى، نكتبه مرةً واحدة ثم نصححه أو لا نقوم بهذه المهمة، فتختلط الأمور على القراء.

* هل من الممكن جعل الشعر في متناول الجميع، شعبياً، حتى يصل إلى أكبر عدد من الناس؟

- إنها مشكلة حقب ومراحل، فهناك حقب فائقة الثقافة. من الصعب الهبوط بالشعر إلى العامية، جعله أدباً جماهيرياً، والدليل على ذلك في إسبانيا أن أفضل شعر فدريكو غارثيا لوركا ليس ما يلقى الآن في الأمسيات الشعرية، بل تُلقى من أشعاره تلك التي يسهل على العامة فهمها واستيعابها، وغير أنه ليس أردئ ما كتب هذا الشاعر الغرناطي. هناك شعراء يعكرون المياه مثل الجاموس كي تبدو هذه المياه أكثر عمقاً.

* إهتمامك بالتراث العربي الأندلسي جلي وواسع، فكيف بدأ هذا الإهتمام ؟

- أعتقد أن طفلاً يولد في مدينة أبيلا-شمالي إسبانيا- ليس مثل آخر يولد في قرطبة، ليس أفضل ولا أسوأ، بل بكل بساطة مختلف. والطفل الذي أدافع عنه طفل يشم هواءً معيناً، ويرى أثاراً خاصة، ويعيش في وسط مختلف.

عندما يسألونني عن أثر الأندلس في شخصيتي لا أملك سوى الضحك، لأن الأندلس تتملكني، إنها الهواء الذي تنفست والحليب الذي رضعت في الصغر، فهي عميقة وقوية وصريحة في أعمالي وفي شخصيتي، إنها كل أعمالي. وعملي قبل الأخير، رواية “ خلف الحديقة”، تجري أحداثها في إشبيلية، وإشبيلية الحالية هي أكثر المدن أندلسيةً أو إحتفاظاً بروحها الأندلسية...

إنه الإهتمام بأجدادي، بأصولي. وإن كان التطور قد أساء إلى الأندلس، فالتقدم يعني التخلف هناك. كانت الأندلس عظيمة، ولكي تصبح عظيمة من جديد عليها أن تعود كما كانت عليه في الماضي. كانت حلماً تاريخياً. الطريق الذي كان يصل بين قرطبة ومدينة الزهراء كان مرصوفاً بمسحوق الذهب والطيب والقرفة، حتى لاتطأ أرجل العبيد، الذين كانوا يحملون الهودج، الأرض في طريقهم إلى مدينة الزهراء، وهو ما يحملني على الشعور بالأسى عندما أرى طريقاً سريعاً يمر بقرطبة. فقرطبتي كانت أفضل بكثير مما هي عليه الآن. وإذا كان لي أن أتكلم عن الأثر التاريخي الذي خلف أعمق بصمة في حياتي فإنني سأختار بلا تردد المسجد الكبير في قرطبة، ولو لم يكن هذا الأثر موجوداً في مسقط رأسي لتغيرت حياتي كثيراً.

إنني أشعر أنني أنتمي إلى الثقافة العربية. وقد درستها بتأنٍ ورويةٍ لأكتشف أنها ثقافة مدهشة. ومن منطلق هذا الإعجاب الشديد قمت بتأسيس جمعية الثقافة الإسبانية العربية.

إنني أشعر أن إسم الأمويين محفور على جبهتي، وفي قلبي إسم العباسيين الإشبيليين، وفي يدي إسم بني نصر الغرناطيين. إنني أشعر بصلةٍ قويةٍ تجمعني بالأندلس، لهذا أردت أن يكون أول عمل روائي لي هو “المخطوط القرمزي”، وكما تعرف تدور أحداثه في غرناطة العربية.

* كيف تتعامل مع التراث الأندلسي إنسانياً وأدبياً، خاصة وأن من المعروف أنك تعارض الإحتفال بعيد الثاني من يناير، يوم سقوط غرناطة، وتقف ضد الإحتفال بحرب الإسترداد...

- لقد فسرت حرب الإسترداد - طرد العرب من الأندلس- من قبل المنتصرين. فليس صحيحاً أن التوتر كان سائداً طوال ثمانية قرون، فالتعايش كان غاية في الخصوبة والإنسانية والإنسجام بين الطرفين، وهو ما تعالجه الفصول الأخيرة من “ المخطوط القرمزي».

اللغة الإسبانية لغة ثنائية، أصلهاعربي بقدر ماهو لاتيني. والكلمات الأكثر رقةً وتسميات الحرف والمهن في الإسبانية عربية الأصل، فالعربية هي التي وضعت كلمات مثل الأحجار الكريمة، وأسماء الوظائف المهمة، والتقدم، والمواطنة، والحمامات. أي أن كل ما يعني تقدماً وجمالاً وفرحاً حيوياً في اللغة الإسبانية قَدم من العربية. هذا بالإضافة إلى تعريف الأرض والزراعة وعلم النبات والبساتين.

كيف إذن يمكن السماح لمدينة كغرناطة بأن تحتفل بيوم سقوطها إذا كان يعني الرعب، وعدم إحترام ما تم الإتفاق عليه أثناء الإستسلام -بين أبي عبد الله والملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيسابيل-، في الوقت الذي حاول فيه أبو عبد الله الصغير الخروج في صمت حفاظاً على كل شئ؟ كيف لمدينة أن تحتفل بيوم الثاني من يناير؟

إنه أمر صعب وقاسٍ. كيف يمكن السماح لمدينة أخرى، هي مالقة، الإحتفال في أغسطس بيوم سقوطها، اليوم الذي لم يبق فيه على قيد الحياة سوى خمسة عشر آلاف نسمة في هذه المدينة، فاستعبدوا جميعاً. إنها أمور لاتحتمل. لايمكن السير ضد التاريخ، فإذا كنا متأثرين إنسانياً بما هو عربي، بالمناخ والوسط حسب الطرق والسبل العربية، فلايمكننا إنكار هذا وإلا أنكرنا ماكنا وما نحن عليه.

* كيف ولدت رواية “ المخطوط القرمزي” ؟

-إنني لا أبتدع المواضيع، فالحياة هي التي تحملني إلى إختيار مواضيع أعمالي الأدبية، ومنها موضوع أبي عبد الله الذي راودني منذ زمن بعيد، بكل ما يعنيه. إن حضارة بني نصر كانت تمثل النقاء، الصفوة والقمة، وفي الوقت نفسه تدهور ماهو عظيم.

لقدت إهتممت بكل شئ حتى المادة التي تشكل الهندسة المعمارية العربية في إسبانيا، فالمعمار الأندلسي ترك أثره على مدى العصور. فهناك الحجر الذي صنعت منه حضارة الموحدين في إشبيلية، والجص والمعجون وهو قمة التقدم وعلى أساسه بني قصر الحمراء، النموذج الحي لحضارة بني نصر.

هذا في الوقت الذي ساعدتني فيه الظروف على التعرف على هذا الفن، على هذه الحضارة، وبشكل خاص على كل ما هو متعلق بحضارة بني نصر.

أذكر أنني كنت أتناول الغداء مع تسعة سفراء عرب في منزلي هذا حيث نجري الحوار، وقلت لهم “ أرجو أن توفروا لي كل ما لديكم في بلدانكم حول هذه الفترة الأخيرة من الوجود العربي في إسبانيا، لأن أقسام المحفوظات هنا لاتحتوي على وثائق حولها، فأنا أريد أن أكتب كتاباً عن أبي عبدالله الصغير”. وفجأة خيم الصمت على طاولة الطعام، لأن أبا عبد الله لايتمتع بسمعة طيبة على ما يبدو بين العرب. حينئذ فكرت في أن هذه الشخصية التي كانت سبب صمت السفراء العرب هي التي يجب أن أكتب عنها. كان من الضروري إسترداد هذه الشخصية التي لم تنصف، فالتاريخ يفسره ويكتبه دائماً المنتصرون، ويكتبونه بشكل سيئ.

المؤكد أن أبا عبد الله عاش محصلة ظروف صعبة ومعقدة، لم يكن له دور في صياغتها. لقد تسلم مقاليد الحكم في ظروف غاية في الصعوبة إضطر على أثرها قبول الإستسلام وقضاء بقية حياته في فاس، وإن كان قد بكى فإن بكاءه كان جزءاً من المشاعر الإنسانية النبيلة وليس ذلاً أو تخاذلاً.

* ولكن هل إهتمامك بهذا الرجل، أبي عبد الله، كان لدواعٍ إنسانية؟

- إنني أعتقد أن أبا عبدالله ربي تربية كأمير ليحكم في عصر النهضة، لهذا كان أكثر أهمية من أمراء قشتالة- المسيحيين- من أترابه. إضافة إلى أن كتابي هذا كان محاولة لمعالجة التاريخ وسرده من خلال الشخصية الأرقى تربية والأكثر أهمية في عصره، فهو في رأيي أكثر أهمية من فرناندو الكاثوليكي أو إنريكي الرابع. من هنا جاء إختياري لهذه الشخصية لتقديم الصيغة التي كان من الممكن أن تكون عليها إسبانيا ومايمكن أن تصبح عليه.

أبو عبد الله الصغير لم يبكِ مثل النساء، كما قيل عنه، ولم يكن خائناً. كان أميراً من أمراء عصر النهضة، وكل ما أراده هو الإنسحاب دون أدنى ضجيج حتى لا تتضرر الثفافة التي تركها أسلافه العرب فوقع على مواثيق إستسلام وافق عليها الملكان الكاثوليكيان، فرناندو وإيسابيل، وهما يعلمان مسبقاً أنهما لن يحترما هذه المواثيق.

* فيم يختلف أنطونيو غالا عن الكتاب الإسبان الآخرين الذين تطرقوا إلى مسألة الأندلس في أعمالهم الأدبية مثل الشاعرين الأندلسيين رفائيل ألبرتي وفدريكو غارثيا لوركا، أو الكاتب فرناندو سانشيث دراغو؟

- سانسيث دراغو تطرق إلى هذا الموضوع بشكل أقل ومن منظور مختلف. أعتقد أن الفارق يكمن في أنني أعشق ما هو أندلسي، إضافة إلى أنني، وقد لايصح أن أقول هذا، بحثت أكثر في هذا الأمر، من الناحية العلمية، إلى درجة أن كتاب “ المخطوط القرمزي” كان على وشك أن يفلت مني ليصبح كتاباً علمياً، بعيداً عن الأدب، مما دعاني إلى اللجوء إلى الخيال حتى أنقذه من المنحى العلمي. ولهذا أعتقد أنني أحب إلى درجة العشق كل ماهو أندلسي، وقد عالجته أكثر من ألبرتي ولوركا.

* من خلال الدراسة العلمية إكتشف أثر الشعر الأندلسي في الكثير من شعراء جيل الــ 27، وهو ما إعترف به ألبرتي في لقاءاتي به، وبشكل خاص كتاب إميليو غارثيا غوميث “ قصائد عربية أندلسية” فما رأيك في هذا الأمر؟

- هذا حقيقي ففي فترة الوجود العربي كان الشعر العربي متفوقاً على شعر قشتالة التي لم يكن فيها سوى شعراء معدودين، في حين أن الأندلس أنجبت حضارة متلاحمة، أفرزها العرب والأندلسيون، نتيجةً للحب من أول لحظة بين الشعبين، فالإسبان فتحوا أبواب بلادهم أمام العرب، أثناء الفتح، لأنهم كانوا قد سئموا حكم القوطيين ذوي الحضارة المتخلفة التي كانت لاتقارن بحضارة العرب الفاتحين.

هذا في الوقت الذي شعر فيه العرب أنهم لم يخرجوا كثيراً من ديارهم، فقد سبق لهم أن تعرفوا على الثقافة الرومانية إلى حد ما في الهند وبلاد فارس وسورية، لهذا عندما وصلوا إلى الأندلس لم يشعروا بالغربة، في حين وجدت فيهم الأندلس رحيق الشرق الذي تركه لها من قبل الفينيقيون والقرطاجنيون. فكان هذا التزاوج بين الثقافتين، والإحترام الشديد بينهما، مما أفرز شعراء عظماء في الأندلس العربية.

عن الحوار المتمدن