تأسيس الحكومة العراقية الأولى والأسر المتنفذة

تأسيس الحكومة العراقية الأولى والأسر المتنفذة

د. حميد حسون العكيلي

الثابت، أن الطبقة الحاكمة في العراق، إبان تأسيس الدولة العراقية، كان لها سيّر علمية ووظيفية تكاد تكون متطابقة من حيث الالتحاق بالمدارس العسكرية، والاشتراك في الحرب العالمية الأولى، والوقوع في الأسر البريطاني، والانضمام إلى الثورة العربية عام 1916،

والاشتراك في الحكومة الفيصلية في دمشق عام 1918، ومن ثم العودة إلى بغداد، بعد سقوط هذه الحكومة، والاشتراك في الوظائف العسكرية والإدارية بعد قيام الدولة العراقية، وتتويج فيصل بن الحسين ملكاً على عرش العراق في 23 آب 1921. ليس هذا فقط، بل انهم متطرفون في طموحهم. ننقل نصاً ما قالته المس بيل عن لقائها الأول مع نوري السعيد:

"اننا نقف وجهاً لوجه أمام قوة قهارة مطواعة، ينبغي علينا أما أن تعمل يد بيد معها، أو تشتبك وإياها في صراع عنيف يصعب إحراز النصر فيه".

إن نظرة معمقة لقول المس بيل، يؤكد لنا وبدون شك, ان الطموح وحب السلطة والثروة والمنزلة الاجتماعية هو الدافع الحقيقي لهذه الشخصيات.

وطبقاً لذلك، نجد أن ياسين الهاشمي قد تعرض للتهديد من قبل المندوب السامي البريطاني، عندما عارض معاهدة عام 1922، مشيراً الى أن امتيازاته في الأراضي الزراعية ستلغى إذا لم يصادق على المعاهدة، لاسيما وأن الهاشمي لم يكن يتمتع بميزة الثراء والمنزلة الاجتماعية الرفيعة، بل استولى على قطع أراضي تابعة للدولة بدون مقابل، بعد وصوله إلى السلطة بما يزيد عن (60) ألف دونم من الأراضي الزراعية.

أن العهد الملكي في العراق قد شهد تشكيل (59) وزارة، تناوب على رئاستها (23) شخصاً فقط، اختلفت من حيث عدد أعضائها، إلا ان دستور عام 1925، قد أكد على ان الحد الأدنى لأعضاء الوزارة هو خمسة أشخاص, بضمنهم رئيس الوزارة. والملاحظ، في عقدي العشرينيات والثلاثينيات، ان حجم الوزارات كان ما بين ستة إلى عشرة أعضاء، وقد تزايدت إلى حدٍ ما في عقدي الأربعينيات والخمسينيات لتصل من سبعة إلى سبعة عشر عضواً، نتيجة استحداث وزارات جديدة كالزراعة والأعمار لمواجهة المتطلبات التي شهدتها البلاد، علاوة على ذلك، تولى رئيس الوزراء مهمة تعيين وزراء بلا وزارات.

فضلاً عن ذلك، فإن السمة الرئيسة للوزارات العراقية هي أن عمرها كان قصيراً، فسقوط (59) وزارة، يظهر أن معدل عمر الوزارة قد تناقض من تسعة أشهر خلال عقد العشرينيات، إلى خمسة أشهر في عقد الخمسينيات، أي أن المعدل الإجمالي لعمر الوزارة في العهد الملكي، كان أقل من ثمانية اشهر، وفي الوقت الذي كان فيه معدل تغيير الوزارة عالي، فإن الدخول للمواقع الوزارية ظل محدوداً بحلقة صغيرة من النخب السياسية. إذ بلغت مجموع المناصب الوزارية خلال المدة (1920– 1958),(780) منصباً، شغلها (64) شخصاً من ذوي الأصول العسكرية، و(102) شخصاً من ذوي الأصول المدنية. بتعبير آخر، كانت نسبة ذوي الأصول العسكرية (38.6%) من المجموع الكلي. في حين, كانت نسبة ذوي الأصول المدنية (61.4%) من المجموع الكلي، وطبقاً لذلك نجد أن (77) شخصاً من النخبة السياسية تولوا مناصب رئيسة ومناصب ثانوية معاً، أي ما نسبته (46.4%) كان من بينهم (47) شخص من ذوي الأصول العسكرية و(30) شخص من ذوي الأصول المدنية، أما الذين تسنموا مناصب وزارية ثانوية فقط، كان عددهم (89) شخصاً، (17) منهم من اصول عسكرية و(72) من اصول مدينة، الأمر الذي يؤكد ومن دون شك، أن نظام الحكم الملكي في العراق كان خاضعاً لنفوذ عوائل متنفذة، إلى درجة يمكن وصفه بأنه حكم العوائل المعروفة، وهذه العوائل هي التي كانت تمثل النخب السياسية، والتي غالباً ما تكون مرتبطة بعضها ببعض، بحيث تم شغل ما يقارب (337) منصباً وزارياً من مجموع (625) منصباً، أي ما نسبته (62%) من قبل أشخاص تربطهم صلة القرابة أو المصاهرة، وحتى نكون دقيقين أكثر نركن إلى تقييم الكاتب الألماني جورج هارس George.Harris))، الذي قال مانصه:

"يقع على قمة الهيكل المعاصر للسلطة السياسية والاجتماعية للبلاد، افراد من عشرين أو ثلاثين عائلة حكمت العراق فعلياً, وتحالفوا مع بعضهم البعض من خلال المصاهرة والمصالح المشتركة، وان عددهم المحدود يجعل من الممكن لهم ان يعملوا بوحدة هدف اكبر مما هو موجود في غالبية النخب الأخرى في الشرق الأوسط".

إن اختيار رئيس الوزراء، كان قد خضع لإعتبارات السياسة البريطانية، وينطبق الأمر نفسه على اختيار الوزراء، لاسيما وإن اختيارهم في بلد ثائر هو أمر صعب للغاية. فضلاً عن, ان بعض الصعوبات قد نجمت من الاشخاص المرشحين انفسهم، فبعضهم كان متحفظاً لقبول المنصب الوزاري خوفاً من السقوط الجماهيري، لاسيما وان الوزارة الاولى قد تميزت بكونها بريطانية صرفة، ومن هؤلاء جعفر العسكري، الذي بالرغم من مسيرته مع البريطانيين في الثورة العربية عام 1916، وتوليه مناصب مهمة في سوريا، إلا إنه امتنع في البداية عن قبول منصب وزير الدفاع، متحججاً بما يقوله الناس عنه، لكنه وافق بضغط من البريطانيين، وليس التحفظ وحده كان عائقاً في قبول الوزراء، بل ان هناك من امتنع, لأنه يطمح بمنصب أكبر مثل طالب النقيب، الذي أنيطت به وزارة الداخلية، لأنه يرى في نفسه الأفضلية على الجميع، وقد اخبر الانكليز بذلك، فاستجابوا لمطاليبه، ووفروا له أجواء التشريفات التي يريدها، لاسيما وانه كان يشغل منصب رئيس الوزراء في حال مرض أو وفاة عبد الرحمن النقيب، وبعد تردد من قبل ساسون حسقيل في قبول منصب وزير المالية، لعدم رغبته في مزاملة طالب النقيب، تم إقناعه بقبول المنصب، المهم بالنسبة لنا، هو إعلان تشكيل الوزارة في 25 تشرين الأول 1920 والتي كان أعضاؤها يمثلون صنفين, الأول يتألف من وزراء عاملين وعددهم تسعة، والثاني يتألف من اثنتي عشر وزارة، وهم الذين يُعرّفون بأنهم وزراء بلا مناصب وزارية، والوزراء العاملون, هم كل من طالب النقيب وزيراً للداخلية, وجعفر العسكري وزيراً للدفاع, وساسون حسقيل وزيراً للمالية, وحسن الباجه جي وزيراً للعدلية. في حين, تسنم وزارة المعارف والصحة عزت الكركوكي ووزارة الأوقاف مصطفى الألوسي, فيما شغل عبد اللطيف المنديل وزارة التجارة ومحمد علي فاضل وزارة الأشغال والمواصلات، وبعد اعتذار حسن الباجه جي عن قبول منصب وزير العدلية، اسندت الوزارة الى مصطفى الآلوسي وزير الأوقاف حيث اعطي منصبه إلى محمد علي فاضل، فيما شغل عزت الكركوكي وزارة الأشغال والمواصلات، بعد ان منح منصبه إلى محمد بحر العلوم، الأمر الذي يؤكد ومن دون شك، أن السير برسي كوكس أراد أن يحذوا بالعراق حذوا الحكام البريطانيين في المستعمرات، فعيّن بعض المنتمين إلى البيوتات والأسر المعروفة وزراء بلا مناصب وزارية، وكان معظمهم ممن يلتمس فيهم المندوب السامي الفائدة المتوخاة لتنفيذ سياسته المرسومة، لاسيما وان بعضهم من المعارضين لثورة العشرين، الأمر الذي أبعد الشكوك عن سلوكهم السياسي. فضلاً عن, أن أغلبهم من الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، والوزراء الذين اسندت لهم حقائب وزارية, هم حمدي بابان وعبد الجبار الخياط وعبد الغني كبه, وعبد المجيد الشاوي وعبد الرحمن الحيدري وفخر الدين الجميل ومحمد الصيهود, وعجيل السمرمد وأحمد الصائغ وسالم الخيون وهادي القزويني وداود اليوسفاني، وبعد اعتذار حمدي بابان وهادي القزويني، تم اختيار ضاري السعدون ونجم البدراوي مكانهما.

والثابت على التشكيلة الوزارية، انها ضمّت بين صفوفها أقطاب من ذوي الأسر المعروفة بالوجاهة الأجتماعية والدينية، ومن طريف ما يذكر بهذا الصدد، انه عندما رشح فخري الدين الجميل ليكون أحد هؤلاء الوزراء، تردد كوكس في قبوله، فقال له النقيب:

"مولاي، انهُ إبن فلان وجده فلان، فبأي وجه أقابل اجداده في العالم الآخر إذا لم أدخله الوزارة".

فضلاً عن ذلك, فقد روي عن وزير العدلية مصطفى الالوسي, انه ذهب في نهاية الشهر إلى المصرف لاستلام راتبه، فأخذ المحاسب يفتح أمامه رزمة من الأوراق المالية، فسأله الآلوسي، أهذه الرزمة كلها ليّ، فلما أجابه نعم، رفع يده إلى السماء دون شعور قائلاً:

"اللهم انصر الدين والدولة".

عن رسالة: المصاهـرات الإجتماعية وصلات القربى وأثرهما السياسي في العراق الملكي.