فؤاد سالم- الحُلم الذي يُكحل العيون يرحل عنا

فؤاد سالم- الحُلم الذي يُكحل العيون يرحل عنا

د. علاء يحيى فائق

عندما يوظف الفنان طاقته الابداعية لقضايا شعبه، ويتخذ موقف رافضاً ان يوظف فنه وقدراته الابداعية لحاكم جائر فهو يستحق ان يلقب بفنان الشعب. فؤاد سالم يستحق هذا اللقب بكل صدق و أمانة... دفع بسبب التزامة الفني ثمن كبير لانه أراد فقط ان ينشد أغاني الحب و السلام لشعبه.

فؤاد سالم فنان عراقي موغل في عراقته، جذورة الفنية الممتدة في عمق التراث والاصالة الفنية العراقية. هو أحد رواد الأغنية العراقية السبعينية، اسمه الحقيقي فالح حسن بريج من مواليد محافظة البصرة قضاء التنومة في عام 1945.

بدأ الغناء عام 1963 وكان متأثراً بالمطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي، وكان يغني في الجلسات الخاصة بمحافظة البصرة وفي نادي الفنون الذي اسسته ورعته مجموعة من الفنانين والشعراء والكتاب البصريين، فكانت بداياتة هو ظهوره على المسرح مع أول أوبريت غنائي عراقي (بيادر الخير) في بداية السبعينات، الذي انتجه نادي الفنون بإمكانيات متواضعة وكان من أخراج الفنان قصي البصري، ثم أتبعه بعد عام باوبريت (المطرقة) وعرضت على مسارح البصرة و بغداد، وكلا الاوبريتين احدثا ضجة فنية واعلامية وسياسية. ظهر لأول مرة على شاشة التلفزيون العراقيl في بغداد عام 1968 ومن خلال برنامج (وجه لوجه). يصف فؤاد هذه المرحلة:

"أن السنوات التي مضت وتحديداً السبعينات كانت تحمل عصر فني مليء ببراءة الصدق وما زال له منطق مشع وأستطاع صوتي يصل الى قلوب الجماهير ويمثل موقع ومكان لا يمحوه الزمن علماً أن فني قد وزعتهُ بثوب معاصر أكثر قرباً وألتصاقاً بالذائقة العراقية وعلى هذا الأساس أصبح فني (حُلم يُكحل العيون)..

خرج من العراق لأسباب سياسية.. حيث اشتدت حملة التصفيات ضد أصحاب الفكر اليساري ووصلت ذروتها في بداية الثمانينيات، وأشتد الخناق على فؤاد سالم، فبعدما فصلوه من معهد الفنون.. منع من الغناء في الأماكن العامة.. ومنع دخول الاذاعة والتلفزيون.. ومنعت اغانية من البث الاذاعي والتلفزيوني.. و بعد مضايقات كثيرة هرب عام 1982 من العراق متوجهاً إلى الكويت وظل في بداية خروجه من العراق يتنقل في منطقة الخليج ومن بعدها انتقل الى الولايات المتحدة الامريكية. و بعدها استقر مع عائلته في سوريا.و أقعده مرضه حتى رحيله عنا.

عندما سئل فؤاد عن السبب الذي دفعه للغربة ولفترة اكثر من ثلاثة عقود فأجاب:

"ما يدفعك على المر غير الإمر منه وتركت العراق بسبب جاهل العصر الذي بات جهله أكثر من أبو جهل وكذبه أكثر من مسيلمة الكذاب ألذي عامل العراقيين بالقمع والتعسف وحرمانهم الحرية وكبد الأنفاس وجعلهُ لا يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان... كان صوتي يصُب لحرية الأنسان وحقوقه الطبيعية وصوتاً مسانداً لحقوق شعب العراق المغلوب على أمره لينال الحرية وبات دوري الفني عزيمته على الأصرار للنضال وأصبح يتماشى مع هموم وتطلعات الأنسان العراقي وأصبحت صديق مشوار العُمر لشعب العراق المنفي والمشرد".

كان لفؤاد أغاني شهيره كثيرة... فبالإضافة للغناء فقد كتب قصائد كثيرة. كتب فؤاد سالم الكثير من كلمات أغانيه. بالأضافة إنه لديه حالياً ثلاثة دواوين تتضمن شعرأً وزجلاً منها ديوان (عسر الحال) اذيعت بعض قصائده في السابق على اذاعات المعارضة العراقية. وديوان (للوطن للناس اغني) وديوان (مشكورة) وديوان اخر عن ادب الفنون الشعبية ويتضمن 140 أبوذية و 200 دارمي. و قام الفنان فؤاد سالم بتلحين كثير من أغانية... وحافظ على الهوية العراقية في أغانية... غنى لشعبه وللحب والسلام والغد السعيد.

...

لفؤاد حلم و مشروع لم يتحققا... والعودة الكاملة لم تتم... رجع لوطنه العراق و زار بصرته لكن الدمار هو الذي كان... هذا الدمار امتد للإنسان قد عمق من غربته... ورحل بصمت من وطنه مرة ثانية لأنه لا يزال هو الغريب في بيته و وطنه. بقى معتزًا بعراقيته وانتمائه للوطن و الشعب، جنسيته في جبينه و في قلبه... فهو يتغنى بهذا الانتماء:

"جرفي صافي..

كلبي صافي..آنه صافي

تجري بعروكي السواجي

وجفي بيه ريحة عراقي

آنه جنسيتي سماري

اقري بعيوني انكتب عنوان داري

اتنفس بريتي النخل

ويروح لهناك النفس بي مني طاري

وآنه ذاك... آنه العراقي"

فؤاد هو حلم العراقيين الذي كحل عيونهم في آلامهم و غربتهم..و حلمه بالغد السعيد و وطنٌ تشع علية شمس الحرية و السلام و استمر ينشد لهذا الغد القادم يوماً

"ماانام ابدا ياوطن الا تجي الكَمريه

ومن ليلك الهادي تشع شمس الضحى فجريه

ماانام الا والوطن مايه يحظن شاطيّه

واتمدد بفي النخل وعيوني ع البرحيه"

رحل عنا فؤاد...هذا الفنان الذي وقف بقوة امام اعتى حكم ولم يقبل بكل الإغراءات لبيع فنه و التزامه لقضية شعبه لحاكم ٍ جائر... كانت اغانية هي صوت الام الملايين و المظلومين من شعبه... لقد تناسى الكثير محنته... . لقد أعطى فؤاد و بسخاء و طيبة البصري الكثير الكثير للعراق... ولم يعطيه العراق اي شيئ...

في أغنيته لقصيدة السياب "غريب على الخليج" التي هي صرخة السياب ممتلئة بالحنين و ألم الغربة، حولها فؤاد الى صرخة كل عراقي في الغربة، هذه الاغنية تعكس لوعة الفنان الصادق ولوعتة لحب أرضه وشعبه الذي ضحى من اجله الكثير. ان غربة فؤاد هي نفسها غربة السياب و ربما كانت أعمق و أطول... كان صوت فؤاد هو صوت الملايين العراقيين الذين يتلوعون بمرارة الغربة... وهم يحلمون بالعودة لعراق فقدوه للابد... يختتم فؤاد الاغنية بأيقاع و ترنيمة جنائزية وحزينة كانها ترنيمة سومرية حزينة... يمتد فؤاد بصوته لأعماق الحزن والألم والوجع العراقي، و ينشد:

واحسرتاه، متى أنام

فأحسّ أن على الوساده

من ليلك الصيفي طلاّ فيه عطرك يا عراق؟

...

نم يا فؤاد فأنتظارك قد طال...

نم و أسترح فالشمس ستشرق من هناك من بلد اسمه عراق.

و الحلم سيتحقق لا محال