ليلى مراد.. صوت حاضر في حياة العرب اليوم كما كان حاضرا في حياتهم

ليلى مراد.. صوت حاضر في حياة العرب اليوم كما كان حاضرا في حياتهم

جهاد فاضل

لا شك في ان ليلى مراد التي توفيت قبل عشر سنوات تقريبا مازالت تعيش في قلوب المصريين (والعرب أيضا) الى اليوم، فهي مطربة حاضرة في حياتهم اليوم كما كانت حاضرة في حياتهم بالأمس القريب والبعيد،

وربما امكن القول انها ستحيا في المستقبل أيضا لانها غنت بحرارة وباحساس وكانت متوفرة أصلا على صوت جميل. غنت للحب العظيم، والوجد المبرح، والشوق اللافح، الذي يشعر به كل بشري اذا ما استبدت به تلك العاطفة القوية الغلابة، فكلمات اغانيها كانت تشفي غليل الحب، وتسد رمق الجوى، وتعطي لتذوق الوجد طعما ولونا ورائحة.

اذا كانت أم كلثوم هي بلا منازع مطربة مصر الأولى على مدار القرن العشرين، فإن مصر عرفت، وفي زمن أم كلثوم، مطربات كثيرات ان كن أقل رتبة منها، فإن مكانتهن كانت رفيعة عند الجمهور وفي تاريخ الغناء العربي في آن. من هؤلاء المطربات ليلى مراد واسمهان ونور الهدى وصباح.

والغريب انهن جميعا غير مصريات، فليلى مراد مغربية الأصل، واسمهان، واسمها الأصلي آمال الأطرش، من جبل الدروز في سوريا، اما نور الهدى وصباح فلبنانيتان.

وقد تكون ليلى مراد من بين هؤلاء المطربات الأربع، هي الوحيدة التي تمصرت تمصرا تاما واعلنت بصراحة اعتناقها الإسلام بعد ان ولدت في أسرة يهودية، اما اسمهان فظلت تحمل الجنسية السورية طيلة حياتها ولم تحصل يوما على الجنسية المصرية، ثم ان اقامتها في مصر لم تكن، مثل اقامة ليلى مراد، اقامة نهائية بدليل انها تركت مصر عندما تزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش لتقيم عنده في السويداء بسوريا عدة سنوات قبل ان تعود بعد ذلك الى مصر لتموت وتدفن فيها، فمصريتها اذن لم تكن بلا حدود، ان جاز التعبير، كما كانت مصرية ليلى مراد، ذلك ان هذه الأخيرة ولدت في مصر ونالت جنسيتها ورفضت رفضا قاطعا ان تغادرها لا الى المغرب، حيث أصل العائلة، ولا الى اسرائيل التي عرضت عليها ان تأتي اليها معززة مكرمة.

ليلى وصباح ونور الهدى

ومن هذه الجهة تختلف ليلى مراد عن المطربتين اللبنانيتين نور الهدى وصباح، فقد كانت نور الهدى وصباح ‹لبنانيتين في مصر› أكثر مما كانتا ‹مصريتين›، او متمصرتين. فالأولى، نور الهدى، اقامت في مصر سنوات طويلة عادت بعدها الى لبنان كما لو انها كانت مجرد مغتربة عن بلدها لبنان لا أكثر.

أما صباح فعلى الرغم من انها تجذرت في مصر المجتمع والبيئة والفن والغناء والسينما أكثر مما تجذرت نور الهدى، فانها ظلت لبنانية في اعماقها، وقد طغت هذه اللبنانية مع الوقت عندما عادت الى لبنان بصورة نهائية، وباتت مصر بالنسبة اليها مجرد ‹هجرة› أو ذكرى، على الرغم من ان امجادها الفنية الاساسية صنعت في مصر، أو صنعتها مصر، ذلك ان تاريخ صباح اللبناني، لم يكن وحده قادرا على ان يجعل منها هذه المطربة والفنانة الكبيرة التي عرفها العالم العربي على مدى أكثر من نصف قرن.

والغريب ان نجم هؤلاء المطربات الأربع لمع في وقت واحد تقريبا وانطفأ في وقت واحد أيضا، فإذا كانت ليلى مراد قد ولدت في 17 فبراير سنة 1918 واعتزلت الغناء سنة 1955، وهي في السابعة والثلاثين، فإن عمرها الفني لم يزد في واقع الأمر على عشرين عاما، ويمكن قول ذلك، والى حد بعيد، عن العمر الفني لنور الهدى وصباح في مصر. فقد عاشتا في مصر في الاربعينات وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، في الفترة الذهبية للغناء والسينما التي سبقت ثورة يوليو عام 1952، ومن اللافت ان هذه الثورة مهدت لأفول نجم هؤلاء المطربات، او ان افول نجم هؤلاء المطربات كان بسببها، فالزمن الجميل للفن في مصر ومعه الحياة الحلوة الرغدة، كان قد بدأ ينسحب رويدا رويدا مع ثورة يوليو ليحل محله زمن آخر ارتفع فيه صوت المعركة على صوت المغني.. والجو نفسه لم يعد ملائما، وعلى هؤلاء المطربات هجمت ادارة الضرائب لتنتزع منهن قسما من أجورهن، بعد ان كن، زمن الملك فاروق، قادرات بطريقة أو بأخرى، على التهرب من هذه الإدارة.

نهاية الأيام الحلوة

وما ان مضت سنوات قليلة على اندلاع ثورة 23 يوليو، حتى وجدت كل من نور الهدى وصباح، نفسها في مطار بيروت الدولي عائدة من مصر، ومع ان ليلى مراد تشبثت، كأي مصري، بأرض الكنانة، بصرف النظر عن النظام السياسي فيها، فإنها سرعان ما أعلنت اعتزالها الفن عام 1955 على الرغم من انها كانت عند اعتزالها مطربة كبيرة وممثلة ممتازة شاركت في عشرات الأفلام الناجحة، وعلى الرغم ـ أيضا ـ من العروض الكثيرة التي انهالت عليها بعد اعتزالها، ولا شك ان من مدلولات هذا الاعتزال شعورها بان ‹الزمن الجميل› للفن قد ولى، وان ‹الأيام الحلوة› قد أصبحت اثرا بعد عين!

ومن بين المطربات الأربع اللواتي تحدثنا عنهن: ليلى مراد واسمهان ونور الهدى وصباح، رسخت ليلى مراد في الذاكرة المصرية أكثر مما رسخت المطربات الثلاث المتبقيات، فاسمهان تثير في الذاكرة المصرية الشجن والحسرة بمأساة حياتها وموتها، ولكنها في هذه الذاكرة، شامية في مصر. اما نور الهدى فلا اعتقد ان اسمها ورد في اي صحيفة فنية مصرية منذ أربعين عاما الى اليوم، فهي في الذاكرة المصرية ملحقة بجرجي زيدان ومجلة ‹المقتطف› ويعقوب صروف وكريم ثابت وبقية الشوام الذين وفدوا الى مصر، ولا يحب المصريون ان يتوقفوا طويلا عندهم.. واذا كان في شخصية صباح، وفي سيرتها الفنية، ما يتمرد على البلى والنسيان، في الذاكرة العربية عموما، فإن صفحتها المصرية قد طويت تماما والى غير رجعة، واستقر في الذهن المصري انها لبنانية أولا واخيرا، وانها حتى عندما كانت تمثل في الأفلام المصرية، أو تغني ‹بالمصري› لم تتمثل تماما اللهجة المصرية، بل كانت تنطقها بلكنة لبنانية.. وما هكذا ليلى مراد التي تمصرت بما فيه الكفاية، وفقدت مع الوقت كل جذورها المغربية واليهودية، لقد اندمجت لا في الغناء المصري، وفي السينما المصرية، وحدهما بل في الحياة الاجتماعية المصرية كبقية المصريين، واذا كانت في الاساس، وافدة الى مصر، فهناك الكثيرون سواها وفدوا الى مصر وباتوا مع الوقت جزءا لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي، بحيث جبت مصريتهم جنسياتهم السابقة، وهؤلاء يعدون بالألوف، بل بالملايين.

صوت غائب حاضر

ولا شك في ان ليلى مراد التي توفيت قبل عشر سنوات تقريبا من اليوم (توفيت في 10 نوفمبر 1995) مازالت تعيش في قلوب المصريين (والعرب أيضا) الى اليوم، فهي مطربة حاضرة في حياتهم اليوم كما كانت حاضرة في حياتهم بالأمس القريب والبعيد، وربما امكن القول انها ستحيا في المستقبل أيضا لانها غنت بحرارة وباحساس وكانت متوفرة أصلا على صوت جميل، ثم انها غنت لا ‹للواوا› أو لغير ‹الواوا› الذي تغني له هيفا وهبي وسائر مطربات اليوم، بل غنت للحب العظيم، والوجد المبرح، والشوق اللافح، الذي يشعر به كل بشري اذا ما استبدت به تلك العاطفة القوية الغلابة، فكلمات اغانيها كانت تشفي غليل الحب، وتسد رمق الجوى، وتعطي لتذوق الوجد طعما ولونا ورائحة. ويا عيني على من لم تتفتح مسام عشقه، وتزدهر ورود هواه، وتغرد بلابل غرامه، وتجلجل اصداء هيامه على ‹يا دي النعيم اللي أنت فيه يا قلبي من بعد العذاب›.. و›أنا قلبي دليلي قال لي حتحبي.. دايما يحكي لي وأنا اصدق قلبي›.. و›الدنيا حلوة›، و›رايداك والنبي رايداك›، و›يا اختي عليه›، و›يا أعز من عيني›، و›مناي في قربك›.

غنت الحب بكل صوره

وقد ظفر العرسان عند ليلى مراد بحصة وافرة، مطربة الشرعية كما هي مطربة حالة الرضا التي تسبقها، ففي أغنية شهيرة لها تغني: ‹إحنا الاتنين والعين في العين اهنأ قلبين واسعد حبيبين.. كنا قلبين جت نظرة عين.. شبكت الاثنين صبحهم عريسين›، بل انه كلما امتدت يد العريس الى ذقنه ليحلقها في الصباح، كانت ليلى مراد حاضرة: ‹نعيما يا حبيبي.. نعيما يا مناي›.

على ان ليلى مراد لم تهمل بالطبع بقية الحكاية، فاذا كانت قد غنت للحب، وللعروسين، فإنها لم تنس ان تغني لما يعقب ذلك، من اغانيها التي مازالت تتردد الى اليوم: ‹يا ريتني انسى الحب يا ريت.. وان عدت اكون على روحي جنيت›.. و›يا قلبي مالك كده حيران›.. ثم يطلع الفجر من جديد على القلب المعذب: ‹يا دي النعيم اللي أنت فيه يا قلبي من بعد العذاب، كان لك حبيب تشتاق اليه وارتد لك بعد الغياب›. وهذا ان دل على شيء فعلى انها غنت الحب بكل صوره، وعلى انها دعت الى التسامح واصلاح ما افسده الخصام، والاعتراف بالخطأ والاعتذار، وكله من لزوميات الحكاية الخالدة: ‹كانت ساحبة أوراق الكون من بعد ما حجبك عني/ وكان خيالي كله ظنون في اللي بدا لعينك مني›.

معلمها وموجهها وحبيبها

ويقترن اسم ليلى مراد باسم معلمها وموجهها وحبيبها المطرب الكبير محمد عبدالوهاب الذي ظهرت الى جانبه في بعض افلامه، والذي لحن لها قسما كبيرا من اغنياتها، وقد بدأت علاقتها به مبكرا وهي في سن الثانية عشرة من عمرها عندما زار والدها الملحن زكي مراد في منزله في العباسية، وفي هذا المنزل سمع عبدالوهاب هذه البنت الصغيرة الواعدة تردد أغنيته: ‹ياما بنيت قصر الأماني›، وكذلك أغنيته الأخرى ‹ياما أرق النسيم لما يداعب خيالي›، فيقترح ان تغني ليلى في الحفلات العامة.

وتقف ليلى في هذه السن تردد على مسرح رمسيس ‹آه من الغرام والحب› التي لحنها السنباطي خصيصا لها، وتفتتح محطة الاذاعة الرسمية لتشدو ليلى في عام 1938 خلف المايكروفون ولتسمعها كوكب الشرق أم كلثوم: ‹فوجئت بأبي يقتحم الاستديو على غير عادته ليهمس في اذني: ‹غني بثقة وابدعي لأن أم كلثوم بره بتسمعك، جاي تشوف مواهبك اللي الناس بتتكلم عنها›.. واضطربت ساعتها، خاصة كان من المفروض ان أغني في تلك الوصلة لحن الشيخ علي محمود الشهير لقصيدة أبي فراس الحمداني: ‹أراك عصي الدمع شيمتك الصبر›، وهي احدى روائع أم كلثوم المميزة، وخفت ان تظلمني المقارنة وتخذلني امكاناتي الصوتية في حضرتها، فارتجفت وكانت عيني على الفاصل الزجاجي، حيث وقفت أم كلثوم تنصت إلي والى جوارها القصبجي والشيخ محمد رفعت، وكان والدي من خلفهم يرفع يده لي مشجعا. وبدأت أغني، واحسست اني اقدم أوراق اعتمادي، كمطربة، لكوكب الشرق، ولم ارفع عيني عنها طوال غنائي، كانت ضربات قلبي كمروحة مرتعشة في صدري كلما بدرت منها مبادرة استحسان بهزة رأس أو اشارة يد، وانتهيت من الغناء، وفوجئت بالتصفيق، وصاحب الصوت الذهبي الشيخ محمد رفعت لا يتوقف عنه، وعندما ذهبت اليهم خارج الاستديو لتحيتهم، بادرني الشيخ محمد رفعت قائلا: بارك الله فيك. ولك يا بنتي فكرتيني بالمغنين الكبار بتوع زمان، ان شاء الله ستكونين مطربة عظيمة. وقالت لي أم كلثوم بصوت مرتفع سمعه الجميع: برافو برافو يا ليلى، حاجة هايلة وحافظي على ما وهبك الله.

ليلى مراد سندريلا السينما المصرية، العذبة الرقيقة، تدور على الحفل وتغني: ‹مين يشتري الورد مني وأنا بنادي وأغني›، والتي كانت افلامها تحمل اسمها: ‹ليلى بنت الريف›، و›ليلى بنت الفقراء›، واسمها منفردا: ‹ليلى›. ووقف امامها الأبطال: زكي رستم ومحمد عبدالوهاب ويوسف وهبي ومحسن سرحان وأنور وجدي ومحمود المليجي وأحمد سالم وفريد شوقي، والتي لحن لها عمالقة التلحين كالسنباطي والقصبجي وزكريا أحمد وعبدالحليم نويرة، وقد كتب عنها محمد كريم في مذكراته: ‹كانت وديعة وخجولة الى ابعد حد، كانت تخجل حين تضحك، وتخجل حين تتكلم.. وضايقني ان لها ظروفا خاصة تسبب لها حزنا دائما، لهذا كانت بادية الكآبة يغمى عليها من أقل مجهود كانت تبذله›.

ويمضي محمد كريم في مذكراته عن ليلى مراد: ‹عندما رأيتها لأول مرة في منزل محمد عبدالوهاب الذي رشحها للوقوف امامه في بطولة ‹يحيا الحب›، متمنيا ان تنال اعجابي خاصة من ناحية القوام، وافقت عليه باستثناء جزء من جسمها لا حيلة لها فيه.. لم يعجب الفيلم والدها زكي مراد، فقد اخذ يضرب كفا بكف بعد مشاهدته، ويقول: ‹عبدالوهاب قضى على ليلى مثلما قضى من قبل على منيرة المهدية›.. ولكن مخاوف الأب لم تتحقق، وانما كانت لهفة على نجاح ابنته›.

ليلى والملك

وكما اقترن اسمها باسم العمالقة في الفن، اقترن اسمها، ولو لبعض الوقت باسم الملك فاروق الذي حام حولها وكانت مطربته المفضلة تغني له، تبعا لاوامره، وبدون مصاحبة الفرقة الموسيقية، قصائد التراث، وتختم السهرة باغنيته الأثيرة عنده: يا ريتني انسى الحب يا ريت/ وان عدت أقول على روحي جنيت›.

في زمانها الأخير، وبعد اعتزالها الفن، كانت مطربة الحب والمرح والشجن والليل: يا ليل سكونك حنان، الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها، تتحدث عن بعض من عرفتهم من كبار الفنانين في زمانها.

عن عبدالوهاب قالت: اصر منذ ان سمعني في أغنية ياما بنيت قصر الأماني، وأنا صغيرة، على ان يوقع معي عقد احتكار لمدة عشر سنوات في الغناء والسينما معا، واذكر انه اثناء تسجيل اغنية ‹الحب جميل› ان طلب ايقاف التسجيل حين كنت أردد المقطع: ‹ولما القلب يجي يفرح›.. وظننت انني اخطأت في شيء، فإذا بالموسيقار الكبير يقول: ان لك أجمل حرف حاء..

وعن نجيب الريحاني الذي مثلت معه في ‹غزل البنات› الذي تعتبره من أجمل أفلامها: لقيته في الاسانسور وكنا نسكن في العمارة نفسها، فقال لي: ‹أتمنى موت ان تمثلي معي فيلما قبل ان أموت..

وفي هذه المرحلة المتأخرة في حياتها، وهي معتزلة في شقتها الصغيرة بالجيزة، حيث جاهد محمد عبدالوهاب ليحصل لها على معاش استثنائي قدره 120 جنيها في الشهر، من نقابة الممثلين، يسألها احد الصحافيين عن القنوات الفضائية التي تتابعها، تضحك كثيرا قبل ان تجيب: لما يبقى عندي دش أولا أبقى أقول رأيي في القنوات الفضائية.

عن القدس العربي