نص نادر .. من تراثنا الشعبي طوب أبو خزامة

نص نادر .. من تراثنا الشعبي طوب أبو خزامة

كاظم الدجيلي

لما استولى الشاه عباس الصفوي على بغداد في نحو سنة ١٠٣٣هـ ١٦٢٣م وذلك بعد حصاره إياها مدة ثلاثة أشهر وكان استيلاؤه عليها بخيانة ابن بكير رئيس الشرطة وبعد أن دخل الشاه المدينة وملكها أمر بقتل الخائن ابن بكير أغا فقتل ثم بقى الحكم للشاه ومن يوليه أمرها من رعيته إلى سنة ١٠٤٨هـ.

وذلك أن السلطان مراد خان العثماني قصدها بجيش جرار كامل العدد والعدد فحاصرها في ٨ رجب سنة ١٠٤٨هـ ١٥ ت ٢ سنة ١٦٣٨م وكان يشتغل بنفسه في أعمال الحصار الشاقة تنشيطاً للجند. وسلط على أسوارها المدافع الضخمة التي نقلها إليها. ولما فتحت المدافع فيها فتحة كافية للهجوم أصدر السلطان أوامره بذلك فهجمت الجيوش كالليوث الكواسر (كذا) صبيحة ١٨ شعبان سنة ١٠٤٨هـ - ك١ ١٦٣٨م ولم يثنها قتل الصدر الأعظم طيار محمد باشا... بل استمر الحرب ٤٨ ساعة متوالية ختمت بانتصار الجنود العثمانية، ولما دخل الجند العثماني بغداد وملك زمامها السلطان مراد خان ولى عليها من قبله والياً هو كجك حسن باشا أو حسن باشا الصغير وبعد أن تم ذلك رجع السلطان مراد إلى من حيث جاء وقد ترك المدافع التي أتى بها من الأستانة والتي غنمها من الشاه عباس لينتفع بها عند الحاجة إليها ولتصد عن بغداد هجمات العدو وإلى اليوم تراها مطروحة في قلعة الطوب خانة، وقد أخبرنا أحد ضباط المدفعية أن الحكومة تريد نقلها إلى الأستانة لتوضع في محل التحف والآثار القديمة.

وصف طوب أبو خزامة

ومن تلك المدافع المار ذكرها مدفع يسمى أبو خزامة وهو اليوم في محلة الميدان في الجانب الشرقي من بغداد أمام باب الطوب خانة) الشرقي (أي باب قلعة المدافع على دكة تعلو الأرض نحو نصف ذراع يبلغ عرضها نحو ٤ أمتار في طول ٨ أمتار وفي كل ركن من أركانها الأربعة مدفع صغير مركوز في الأرض من فوهته ومربوط بأطراف هذه المدافع العليا سلسلة حديد بغلظ الزند توصل الواحد بالآخر فهي شبه سور لطوب أبوخزامة والمدافع شبه أبراج ومشدودة بتلك السلسلة كثير من الخرق وفي رأس مدفع من المدفعين اللذين مما يلي الشرق فانوس وضعته الحكومة ليسرج في ليلة الجمعة.

وهذا الطوب )أعني طوب أبو خزانة(مصنوع من الصفر أي النحاس الأصفر )البرنج( والحديد وهو مضطجع على مرقد في وسط الدكة السالفة الذكر. والمرقد عبارة عن جذوع نخل لم تبلها الأيام لأنك تراها على حالتها الأولى في أول وضعها. وللمرقد المذكور دولابان من الحديد قد نزل نصفهما في الأرض لمرور الزمن عليهما ولما عليهما من ثقل الحديد وعند فوهة طوب أبو خزامة أربع قنابل ثلاث منها في الأسفل والرابعة قائمة عليها محيط كل منها ٢٩ س ويبلغ طول طوب أبو خزامة ٤ أمتار و٤٤ س ومحيطه من مؤخره مترين و٤ س ومحيطه مما يلي فوهته متراً و٤٤ س وقطر فوهته ٤٨ س ومكتوب على ظهره مما يلي فوهته بالحرف المركب البارز ما نصه: مما عمل برسم السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان ووراء الكتابة المذكورة أربع سمكات صغار وأربعة أنجم ووراءها في الوسط عروتان مقوستان محيط ل منهما نحو ٥٠ س فيهما خرق مشدودة - ترمز إلى ما يطلبه الزائرون من الأماني وكذلك قل عن الخرق المشدودة في السلسلة المتقدم ذكرها - وفي جنبه الأيسر أعني طوب أبو خزامة مما يلي العروة انخفاض محيطه ٢٨ س وغوره نحو ٣ س ووراء العروتين السالفتي الذكر أربع سمكات كالتي تقدم ذكرها وكذلك خمسة نجوم وهلالان صغيران ووراء الأسماك والنجوم والأهلة على ظهر الطوب الذي نحن بصدده مما يلي مؤخره مكتوب بالحروف المركبة البارزة ما نصه: عمل على كتخداي جنود بردركاه عالي سنة ١٠٤٧) معناه عمل على الذي هو رئيس الجنود في الباب العالي (أي باب السلطان وقد ساعدنا على قراءة الكتابة المذكورة وتعريها شكري أفندي الفضل وفي مؤخرة شبه ذنب ينتهي بكتلة مخروطة الشكل وفي فوهته مما يلي داخله صدع أي شق طبيعي غير سوي.

يعتقد العامة في طوب أبو خزامه ما يعتقدونه بالأنبياء والأولياء ويزعمون أنه ولي من أولياء الله تعالى فلذا تراهم يزورونه ويتبركون به ويطلبون منه تحقيق أمانيهم وتجد دائماً خرقاً معقودة بسلسلة الحديد والعروتين السالفتي الذكر وهذه الخرق ترمز إلى الأماني أو المراد. ومن اعتقاداتهم فيه أنه لا يخيب قاصداً قط وفيهم كثيرون وينذرون له النذور ويسرجون حوله الشموع في ليلة كل جمعة وأكثر زواره وقصاده النساء. ولا تقصده منهن إلا المرأة العقيمة فتمر أحشاءها عليه كي يعطيها ولداً.

أو المقلات التي لا يعيش لها ولد فتأتي إليه بالمولود وهو ابن سبعة أيام وتدخله في فوهته وتخرجه تفعل ذلك ثلاث مرات. ثم تتوسل إليه أن يطيل الله عمر ولدها وتنذر له النذور وتفي بنذرها أن أعطاها مرادها. ومنهن أعني من النساء من في عينيها رمد فتأتيه قاصدة إياه للاستشفاء ببركته فتدخل رأسها في فوهته وتخرجه ثلاث مرات ثم تغسل شيئاً أو من السلاسل التي حوله بقليل من الماء وتداوي بها عينيها ثم تنذر له نذراً وإن زال الرمد منها وإذا تم ذلك وفت بنذرها في الحال ويعتقد مثل هذه الاعتقادات بعض الأغرار من الرجال لا سيما الأكراد منهم.

خرافاتهم في طوب أبو خزامه

يزعم ضعفاء العقول في الانخفاض الموجود على ظهر المدفع إن هذا المدفع توقف عن السير يوم الحرب فغضب عليه السلطان مراد وضربه بجمع أي بكف مجموعة أصابعها إلى راحتها فحصل من تأثير ضربة السلطان هذا الغور.

ويعتقدون في الصدع الذي في داخل فوهته أن هذا المحل هو مكان أنفه الذي كان فيه خزامة ولما استعصى على السير نتله السلطان مراد من خزامته فخرم أنفه وهذا أثر الخرم باق إلى اليوم.

ويذهبون في وجود تسع السمكات الموجودة على ظهره إلى أن السلطان لما خرم أنفه غضب المدفع ورمى بنفسه في دجلة فخاض عليه السلطان مراد وأخرجه واسترضاه ولما خرج بانت على ظهره هذه السمكات ملصوقات إشارة إلى إنه ألقى نفسه حقيقة في دجلة لما سكن من غضبه ورضى على مراد خان أخذ السلطان ينثر له الدخن في ممره على الأرض ليسهل مروره عليها وهو ينساب الهوينا وفي أثناء الحرب نفذ ما عند الجند من البارود والرصاص والقنابل فأخذ الطوب يلهم التراب والحجارة من الأرض ويقذف بها الأعداء فتقع عليهم أشد من وقع القنابل الحقيقية والبارود الحقيقي عليهم وما زال هذا دأبه حتى فتح الله عليه.

هذا خلاصة ما تعتقده العوام في طوب أبو خزامة وما يحكمونه من الأسباب التي سهلت للسلطان مراد خان فتح بغداد. وفي العراق كثير من مدافن الأئمة والمزارات التي هي أشباه طوب أبو خزامة لا بد أن نأتي على ذكرها في فرصة أخرى ولله في خلقه شؤون.

مجلة (لغة العرب) في 1 شباط 1914