الفلسفة والدين والفن في حياة الشيخ مصطفى عبد الرازق

الفلسفة والدين والفن في حياة الشيخ مصطفى عبد الرازق

د. إيمان الجمال

"إن الحياة ينبغي أن تكون سبيلاً إلى أمنية عالية، فمن ضحى في سبيل أمنيته بكل عزيز عنده، حتى نفسه التي بين جبينه، فذلك إنسان كل الإنسان. أما الذين يضنون بأرواحهم ويضمون آمالهم وأغراض حياتهم فأولئك لا يقام لهم وزن عند الله ولا عند البشر".

ولد في قرية أبو حرج في محافظة المنيا بصعيد مصر 1885، ووالده من مؤسسي جريدة الجريدة وحزب الأمة.

مفكر مصري وأديب وأول شيخ أزهري يتولى مهام وزارة الأوقاف عدة مرات، شغل منصب شيخ الجامع الأزهر.

كان مناصراً للحركة الوطنية التي قادها سعد زغلول، وتم استبعاده من الأزهر واستمر في الكتابة والبحث. صدر عن شقيقه كتاب من آثار مصطفى عبد الرازق– صفحات من سفر الحياة.

تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، والشيخ بسيوني عسل والشيخ محمد حسين البولاقي والشيخ محمد شقير والشيخ محمد الحلبي، واشترك مع الشيخ محمد عبده في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة، وألقى سلسلة من المحاضرات في الجامعة المصرية عن الإمام محمد عبده وآرائه، درس في جامعة السوربون في فرنسا، وحصل على شهادة الدكتوراه برسالة عن "الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام"، وترجم إلى الفرنسية "رسالة التوحيد" للإمام محمد عبده بالاشتراك مع "برنار ميشيل" وألفا معا كتابا بالفرنسية.

خلف الشيخ وراءه نتاجاً خصباً من المؤلفات، وكان مهموماً بتأسيس جيل من رواد الباحثين، وتنوع إنتاجه العلمي ما بين الأدب والفلسفة والترجمة وقام بتقديم مجموعة من الكتب وله مقالات في مجلات الهلال والسياسة الأسبوعية ومجلة الأزهر والجريدة والمقتطف، ومن مؤلفاته: البهاء زهير وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ومحمد عبده وفيلسوف العرب والمعلم الثاني وصفحات من سفر الحياة والصوفية والفرق الإسلامية وترجم رسالة التوحيد وغيرها من الكتب العديدة.

ما بين ابن سينا والفارابي لم يعتبر الشيخ تلك الفلسفة التي يجد فيها فلسفة التشريع وابتغاء سعادة البشر، فلا ينبغي أن يفسر الدين بالفلسفة.

يرى الفارابي أن طرق الفلسفة يقينية أما طريق الدين فإقناعي، وتعطي الفلسفة حقائق الأشياء كما هي، ولا يعطي الدين إلا تمثيلاً لها، ورأى الشيخ أن الفارابي لا يفرق في ذلك بين ما هو عملي وعلمي، فقد ذكر الفارابي في كتاب تحصيل السعادة، عن ابن سينا أن بين الدين والفلسفة فرقاً آخر هو وجه الدين عملية أصالة ووجهة الفلسفة بالأصالة نظرية.

من أقواله "ولقد نبرأ بدين هيئة كبار العلماء الذي يدفع بالكفر كل نزوغ إلى العلم والفهم والذوق، فلما جاءنا دين أهل نجد يهدم على من فيها قباباً، قد تكون آثاراً فنية وتاريخية يعرف خطرها أهل الفكر والتاريخ، إن الدين بريء من مثل هذه الدعاوى وإنما يشوه الدين أولئك الذين يريدون كيداً وقيداً للعقول والقلوب.

وعن الفن

عن تحريم الفن يرى الشيخ انه في البداية عند المسلمين الأوائل الخوف من الارتداد إلى عبادة الأصنام فتم تحريم الرسم والنحت، ولكن عند زوال الخوف من عبادة الأصنام زال مبدأ التحريم لان الفن له فائدة في السمو بروح الإنسان وإعلاء قيمه الروحية.

عن الفلسفة

اعتمد الشيخ في كتاباته وآرائه على المنهج النقدي التاريخي والمقارن والتجديد وإثبات أهمية الدرس الفلسفي وضرورته في النهضة الفكرية الإسلامية المعاصرة.

تناول الشيخ في كتابة تمهيدا لتاريخ الفلسفة الإسلامية، روح العصر الدينية عند مؤلفي القرن التاسع عشر وروح العصر في ناحية التعصب الجنسي وآراء الغربيين في الفلسفة الإسلامية.

ويقول إن الذين يجحدون وجود فلسفة عربية يثبتون وجود فلسفة إسلامية، بيد أن الإسلام برغم كل ما نفذ إليه من العناصر الأجنبية ظل أثراً من آثار العبقرية العربية.

والفلسفة الإسلامية ليست إلا صورة مشوهة من مذاهب أرسطو ومفسريه وأصبح في حكم المسلم أن للفلسفة الإسلامية كياناً خاصاً يميزها عن مذهب أرسطو ومذاهب مفسريه فيها عناصر ليست يونانية مستمدة من مذاهب يونانية غير مذهب أرسطو وفيها عناصر ليست يونانية من الآراء الهندية والفارسية وفيها ثمرات من عبقرية أهلها ظهرت في تأليف نسق فلسفي قائم على أساس من مذهب أرسطو مع تلافي ما في المذهب من النقص باختيار آراء مذاهب أخرى وبالتخريج والابتكار وظهرت أيضاً في أبحاثهم الصلة بين الدين والفلسفة.

يرى الشيخ أن فيلسوف العرب الكندي والمعلم الثاني الفارابي وبطليموس العرب ابن الهيثم.

عن الدين

الدين ينفر من السحر نفور السحر من الدين، والسحر نزاع إلى امتهان الأمور المقدسة، وهو في أفاعيله يعارض الأعمال الدينية، وإذا لم يكون الدين يحرم أفاعيل السحر فإنه ينظر إليها غالباً نظرة ازدراء وإنكار.

الدين هو نظام من عقائد وأعمال متعلقة بشؤون مقدسة، تؤلف كل من يعتنقونها أمة ذات وحدة معنوية، وربما كان من غرور العقل البشري أن يزعم لنفسه القدرة على هدم بناء متين متغلغل في الفطرة الإنسانية من قبل أن يعرف مواد هذا البناء أو يعرف كيف تم بناؤه.

توفي الشيخ في 15 فبراير/ شباط 1947 ومن مؤلفاته الأدبية كتابه البهاء زهير الذي عرض فيه سيرة الشاعر في الخلق العظيم وحب الخير وفضيلة العفو وشرف النفس وعزة الإباء.. هو الشيخ المستنير مصطفى عبد الرازق.

· عن مجلة روز اليوسف