منذر جميل حافظ والتأليف الموسيقي..من لقاء أجراه الاستاذ ثائر صالح مع الفنان باسم حنا بطرس.

منذر جميل حافظ والتأليف الموسيقي..من لقاء أجراه الاستاذ ثائر صالح مع الفنان باسم حنا بطرس.

للتأليف الموسيقي، كما هو معروف، صيغ مختلفة وعديدة؛ فلو رجعنا إلى الموسيقى الآلية في البلاد العربية، والعراق من بينها، لما وجدنا فيها ما يوازي الموسيقى الغنائية. بمعنى أن مواسِقة هذه البلاد إهتمّوا بتلحين الأغاني وفق القوالب الشرقية المتوارَثة،

وقاموا بـ (تحليتِها) بمقدِّمات وفواصل موسيقية. ما خلا القطع الموسيقية المكتوبة بالصيغ التركية (السماعي والبشرف واللونكا، وغيرها) التي إنتقلت كـ (صيَغ للتأليف في الموسيقي العربي) وأخذت بالإنتشار ومن ثم جرى إعتمادها تدريجياً. لكنها تطوَّرت بمرور الزمن لتبرز "مدارس" – إن صَح تسميتها، في صياغات تلحينية جديدة، إنتشرت في زمن النشر التسجيلي (الأقراص الفونوغرافية) والسينمائي والإذاعي والتلفزيوني، على إمتداد القرن العشرين.

وإذ نحن بصدد ندرة التأليف الموسيقي في الصيَغ الأوربية (الكلاسيكيّة كما إعتدنا تسميتها) ومن خلال أسماء الموسيقيين العراقيين المذكورين في السؤال، فسبب ذلك يعود إلى أنَّ معاهدنا الموسيقية، قدر تعلق الأمر بذلك، بما فيها معهد الفنون الجميلة (وهو المعهد الأول في العراق، المؤسَّس عام 1936 كمعهد موسيقي أصلاً)، قد أولَت إهتماماً أساساً في إعداد مؤدّين للموسيقى (عازفين) وبمستويات متفاوتة، كما أن الدراسة فيه لم تكن تخصصية بل كانت تلبيةً لهواية الدارسين. فتخرَّج فيه مَنْ هم بمستويات جيدة بشكل عام، سعَوا ذاتياً إلى تطوير قابلياتهم وإهتموا بتشكيل كيانات آلية من بين صفوفهم (الثنائي والثلاثي والرباعي، حتى الأوركسترا – كالفرقة السمفونية العراقية منذ بداياتها الأولى عام 1941)؛ كل هذا كان بدعم ومؤازرة مباشرة من أساتذة المعهد عراقيين وأجانب. لذلك لم تكن للمعاهد ثمة خطَّة برامجيَّة فيها للثقافة والعلوم الموسيقية، ما عدا دراسات أولية للنظريات، والتاريخ، بحسب ما يضعه الأستاذ المدرِّس من مواد تُعتَمَد كمنهاج للدراسة، تتغير بتغيُّر الأستاذ. وبهذا ما كان هناك حصص لتدريس التأليف الموسيقي، ولئن أضيفَت قبل سنوات إلى مناهج التدريس في مؤسسات التعليم الموسيقي في العراق، فإن نتائجها لا ترقى إلى مستوى الطموح، كي يصل بنتاجاته إلى الجمهور المتلقي.

إلاّ أن الذي شجَّع على بروز أعمال موسيقية هو وجود كيانات موسيقية أدائية (كالفرقة السمفونية – مرة أخرى، والتشكيلات المصغرة الأخرى) لتؤدّي مثل هذه الأعمال.

في حقيقة الأمر، دعني أكون دقيقاً في هذا الجانب: إن الذين قدَّمت الفرقة السفونية أعمالهم هم: حنا بطرس* (لديه خبرة عملية ودراسة إختصاصية في التأليف من إنكلترة)، فريد الله ويردي (قدمت فرقتنا السمفونية له عملاً واحداً له فقط عام 1952، قبل سفره للدراسة التخصصية في فرنسا - لم يتعامل إيجابياً مع الفرقة السمفونية حتى اليوم)، تلاهم من الجيل الثاني منذر جميل حافظ (دراسة تخصصية من إنكلترا)، عبد الرزاق العزاوي (دراسة تخصصية في الموسيقى العسكرية من إنكلترا)، وبياتريس أوهانيسيان (دراسات متقدمة في أوربا وأميركا)، وآكنس بشير (دراسة تخصصية من الإتحاد السوفياتي)، وكذلك عبد الأمير الصراف (دراسة تخصصية من بلغاريا، قدمنا له عملاً واحداً إبان عودته للعراق؛ قدَّم أعمالاً للسينما التسجيلية)؛ ومن بعدهم جيل لاحق قدم أعمالاً في مسابقات التأليف الموسيقي السنوية (التي إعتمدتها دائرة الفنون الموسيقية فترة التسعينات) لتبرز أسماء من أمثال: حسين قدوري، جون بشير، علي خصّاف، محمد أمين عزت، حسين الحسيني، محمد عثمان صديق، ومحاولات في التأليف لآخرين. كل هذه المؤلفات لم تأخذ طريقها نحو النشر الأوسع؛ لذلك ظلَّت في بعض حدود برامج حفلات الفرقة السمفونية العراقية، ونالَها بالتالي النسيان.

أود أن أضيف ملاحظة عابرة هنا: كنا في أواسط السبعينات نجري التدريبات اللازمة لأحد مناهج الفرقة السمفونية في حفلتها المقامة على مسرح قاعة الشعب، وكانت الفرقة بقيادة الهنكاري (جورج مان)، ومعنا عدد من العازفين الأجانب المتعاقدين للعمل فيها؛ إشتمل البرنامج على قطعة بإسم (شواطيء دجلة) كأول عمل لمنذر جميل حافظ. أثناء التدريب قال عازف الكونترباص الجيكي (بوشكاريف) بأن علينا أولاً أن "نهضُم" العمل كي نستسغه ونستطيع أداءه بالتعبير المطلوب.

وفي ذات الحفلة، قال الطبيب والفنان التشكيلي (قتيبة الشيخ نوري) الذي كان يحضر حفلات السمفونية معلقاً على قطعة منذر(لا تجعلوا منا جرذان إختبار لتمرير أعمالٍ لا نستطيع إستيعابها) – طبعاً الكلام هذا ليس قياساً، فكما هي الحال مع نصب الحرية لجواد سليم – حتى اليوم – في إستيعاب المفاهيم المضمنة فيه؛ لذا يبقى تقييم الأعمال الفنية الجديدة متفاوتاً نسبيّاً عند المتلقي.

ــ قدمتم مع منذر جميل حافظ برنامجاً اسبوعياً في التلفزيون العراقي بعنوان: مع الموسيقى العالمية (1974-1976). كيف بدأ هذا البرنامج الناجح ولماذا توقف؟

ج: لهذا الموضوع ذكرى عبقة عندي: كنّا منذر جميل حافظ وأنا قد كُلِّفنا بإدارة والإشراف على قسم الموسيقى في (المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون والسينما – هكذا كان إسمها) للفترة بين 1974 – 1975، وكان إرتباطنا مباشراً مع مدير عام المؤسسة آنذاك، الأستاذ محمد سعيد الصحاف. عرضنا عليه فكرة برنامج (مع الموسيقى العالمية)، كأوَّل برنامج ثقافي من نوعه في تلفزيون العراق، فوافق فوراً وأتاح لنا " حريَّة " العمل بالبرنامج إعداداً وتقديماً، وخصَّص له مدة ساعة كاملة كل أسبوع، يُعرض في بغداد، ويتنقَّل من بعدُ للعرَض تباعاً في تلفزيونَي البصرة ومن ثم الموصل. فأوعز بربط البرنامج بقسم البرامج الثقافية آنذاك، بشخص مديره الأستاذ محمد مبارك الذي أبدى تعاوناً كاملاً معنا، وكلَّف المخرج عمانوئيل رسّام (ع ن ر) لتنسيب من يتولى إخراج البرنامج. عند إنتهاء مهمتنا في المؤسسة، إرتأينا، منذر وأنا، قطع علاقتنا بالبرنامج، فتم تكليف زميلنا عبد الرزاق العزاوي بالإستمرار به.