لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الدكتورة نزيهة الدليمي.. ذكريات حية وعقود من النضال المثابر الدؤوب

لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الدكتورة نزيهة الدليمي.. ذكريات حية وعقود من النضال المثابر الدؤوب

كاظم المقدادي

مقابلة أجريتها قبل ربع قرن مع الدكتورة نزيهة الدليمي رائدة الحركة النسوية العراقية، وأول رئيسة لرابطة المرأة العراقية، وأول وزيرة عراقية في تأريخ العراق الحديث، ومناضلة سياسية واكبت النضال الوطني التحرري والديمقراطي طيلة نصف قرن.أعيد نشرها لمناسبة الذكرى المئوية لميلادها (1923 – 2007)..

قبل خمسة وعشرين عاماً زارت الرفيقة الدكتورة نزيهة الدليمي السويد تلبية لدعوة البيت الثقافي العراقي وجمعية المرأة العراقية في يوتيبوري بالسويد.وقد شاركت بالإحتفالات التي جرت بمناسبة الذكرى الأربعين لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة. وجرى للرفيقة الكبيرة تكريم مهيب في كل من يوتيبوري وستوكهولم تقديراً لمكانتها وتأريخها النضالي الطويل، بوصفها إحدى رائدات الحركة النسوية العراقية، وأول رئيسة لرابطة المرأة العراقية، وأول وزيرة عراقية في تأريخ العراق الحديث، ومناضلة سياسية واكبت النضال الوطني التحرري والديمقراطي طيلة نصف قرن.

إغتنمت فرصة وجودها في ستوكهولم وأجريت معها المقابلة التالية لـ " طريق الشعب"، فأجابت على أسألتي العديدة في حديث شيق عن ثورة الرابع عشر من تموز، وعن نشأتها، والحياة الطلابية، وحركة تحرر المرأة، وأول مؤتمر لأنصار السلام، ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية، وأول لقاء بنساء العالم، وإتحاد النساء الديمقراطي العالمي، و" ضغبرة" نساء السلطة، وعن طبيعة العلاقة بين "رابطة المرأة العراقية" والحزب الشيوعي العراقي..والمهمات الراهنة للرابطيات الشابات..وذكريات الماضي ضمن مسيرة الحزب النضالية.

نُشرت المقابلة في العدد المزدوج: رقم 3، تشرين الأول ورقم 4، تشرين الثاني 1998 من صحيفة "طريق الشعب" تحت عنوان:" ذكريات حية وخمسون عاماً من النضال المثابر الدؤوب"..

* بإعتبارك من الشخصيات الوطنية والسياسية المعاصرة لأحداث ثورة 14 تموز 1958، والمشاركة فيها، وبغض النظر عما اَلت إليه مسيرتها، وعن عوامل إنتكاستها، ما رأيك بالتسميات التي تطلق عليها، من قبيل " حركة"، و"إنقلاب" و" حدث" و"ردة" وما شابه، تجنباً للإعتراف بها كثورة حقيقية؟

- أنني على قناعة لا يشوبها أي شك بأن ثورة 14 تموز 1958 هي ثورة حقيقية لكافة طبقات الشعب العراقي وفئاته وقومياته،عرباً وكرداً وأقليات قومية وطائفية، نساءاً ورجالاً..قامت من أجل الأنعتاق من التبعية للأستعمار والإحتكارات ألأجنبية، ومن ربقة العلاقات الإقطاعية، وللخلاص من النظام الملكي..أي الإنعتاق من تلك العوائق الرئيسية الثلاث، التي كانت تقف أمام تطور وتنمية طاقات شعبنا في ظل نظام وطني ديمقراطي حقاً.ومن هذا المنطلق، أعتقد أن تسميتها بـ " حركة" أو "إنقلاب" هي تسميات بعيدة كل البعد عن واقع الأوضاع السائدة اَنذاك.إنها تسميات غير موضوعية، وليست علمية.أما إنتكاسة الثورة فنتجت عن ردة فعل الدوائر الإستعمارية لأسترجاع مصالحها "الحيوية" في عراقنا الغني بخيراته وبشعبه، ونجاحها في تفتيت الوحدة الوطنية،ولاخفاق الثورة وقيادتها في إقامة نظام الحكم الوطني الديمقراطي، وفي حل المسالة الكردية على أسس صحيحة. من ناحية أخرى،.ان الذين يحكمون العراق منذ عام 1963، لا يمثلون الحركة الوطنية العراقية، إنما يمثلون أعداءها.فلا يجب خلط الأوراق وتحميل ثورة 14 تموز مسؤولية الأوضاع التي عاشها العراق في ظل حكمهم الأسود، بل على العكس،علينا ان ندرك ان مسؤولية ذلك تعود لأسباب وعوامل خارجة عن إرادة الشعب العراقي، ومناهضة لما حققته ثورة 14 تموز من إنجازات ومكتسبات، وفي مقدمتها إنهاء التبعية السياسية والإقتصادية للأستعمار.

* الدكتورة نزيهة الدليمي معروفة بوصفها إحدى رائدات الحركة النسوية العراقية، ومن المؤسسات لرابطة المرأة العراقية، وأول وزيرة عراقية..إلا ان الشبيبة لا تعرف المزيد عن مسيرتها النضالية..

- ولِدتُ في عام 1923 في بغداد، أبنة بكر، وتبعني 6 أطفال اَخرين، 4 أشقاء وشقيقتين.نشأت في ظل عائلة ذات دخل متوسط، حيث كان والدي يعمل مستخدماً في أسالة ماء بغداد.وعلى الرغم من كبر عدد أفراد الأسرة(كانت جدتي- والدة أمي- تعيش معنا أيضاً)سعى والدي الى تنمية الأهتمامات الثقافية لدينا، موصلاً لنا، في اللقاءات المسائية اليومية، المعلومات العامة، عن طريق قراءته للكتب التأريخية والإجتماعية. وكان يقرأ لنا ما تنشره الجرائد اليومية، وأصبحنا متعلقين بجريدة "حبزبوز" ونقدها للأوضاع السائدة، بإسلوبها الساخر. وعن هذا الطريق نمت لدينا القدرة على المناقشة والتساؤل والمتابعة.وإزداد تعلقنا بتراثنا، وحبنا لوطننا وشعبنا.

وفي أعوام الحرب العالمية الثانية كنت طالبة..

كنا نعيش في منطقة قرب باب المعظم،إلا ان أقرب مدرسة لنا كانت مدرسة "تطبيقات دار المعلمات"،وكانت في حينها مدرسة نموذجية، حيث درست الأبتدائية والمتوسطة،أما الدراسة الثانوية فقد أكملتها في "الثانوية المركزية للبنات".

كنت طالبة تتأثر بما تدرس من علوم،تحاول ان تتفهم من خلالها، وما تشاهده من أوضاع ومعاناة مريرة يعيشها شعبنا، خاصة بعد دخولي الكلية الطبية في عام 1941-1942 الذي أتاح لي فرصة الإطلاع على تفشي مختلف الأمراض بين بنات وأبناء شعبي، وإرتباطها بأوضاعهم المعاشية المتردية، وكانت لي طالبة صديقة..

* هل تذكرين إسمها؟

- نعم!، وهي لاتزال حية ترزق، وأسمها نزيهة رؤوف مخلص- شقيقة زوجة عبد الفتاح إبراهيم..يعني من عائلة متنورة بالأفكار الديمقراطية.كنت أتناقش معها حول اسباب الأوضاع الإجتماعية السائدة..وعن طريقها تعرفت لأول مرة على نشاط " الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".وكنا نحضر سوية الندوات والمحاضرات،التي تعقدها الجمعية لتبيان خطر الأفكار الفاشية.وكانت نشاطاتها عامة، لأن الجمعية كانت مجازة رسمياً.وفي عام 1945 دعتني نزيهة الى إجتماع عام للجمعية حضرته 400 امرأة.

* أين عقد الأجتماع؟

- عقد في بناية الثانوية المركزية للبنين في بغداد.وفي ذلك الإجتماع تقرر تبديل إسم الجمعية/ذلك ان الحرب إنتهت، والفاشية والنازية إندحرتا.وبعد نقاسات وإقتراحات رسى الأختيار على إسم "رابطة النساء العراقيات، وأصبحت عفيفة رؤوف- شقيقة نزيهة- رئيسة لها.وتم إنتخاب هيئة إدارية جديدة، أصبحت عضوة فيها، وكنت لا أزال طالبة في الكلية الطبية.وقمنا في صيف ذلك العام بفتح صفوف لمكافحة الأمية.وقد أدركت على نحو أعمق أهمية العمل بين النساء،لرفع مستواهن ثقافياً وإجتماعياً،ليصبحن أكثر قدرة على حل مشاكلهن بأنفسهن، والمطالبة بحقوقهن المهدورة.

طبعاً لكي أكثف الإجابة إختصرت الكثير من الأمور.لكنني أود الإشارة هنا الى ان " رابطة النساء العراقيات" كانت تعقد إجتماعات ولقاءات علنية طيلة فترة إجازتها رسمياً في كليات الطب والحقوق ودار المعلمات العالية، وغيرها.

وكانت طالبات كل كلية يعقدن إجتماعهن لوحدهن.الى جانب الكليات،كنا نستفيد من المؤسسات الأخرى.فقد عقدنا، مثلاً، إجتماعاً في النادي الرياضي الأولمبي في الأعظمية، حضرته أكثر من مئة امرأة، تحدثت فيه عفيفة رؤوف عن المؤتمر الأول للنساء العربيات،الذي عقد في القاهرة، وكانت الرابطة مدعوة إليه، ومثلتها فيه الرئيسة.وكانت مدام هدى الشعراوي هي المبادرة لعق المؤتمر.وكان من قراراته تأسيس إتحاد نسائي في كل قطر عربي، لا جمعية نسائية، ويتشكل من كل الجمعيات التي حضرت المؤتمر.بالنسبة للعراق، كانت قد حضرته،الى جانب "رابطة النساء العراقيات، كل من " جمعية مكافحة الأمية", (هي جمعية تقدمية أيضاً،كانت تعمل فيها الدكتورة روز خدوري، وهي التي مثلتها في المؤتمر) و" جمعية حماية الطفل"، ومثلتها الدكتورة سانحة أمين زكي.وأكد المؤتمر على أهمية دور المرأة في النضال ضد الأستعمار والصهيونية، الى جانب نضالها في سبيل حقوقها.أي ان عمل المرأة كان مراعياً للإطار الوطني والقومي، وهو سمة من سمات ذلك العهد، ولم يكن عملآ إنثوياً محضاً منعزلاً عن المجتمع وقضاياه الوطنية.وفعلاً تمخض إجتماع النادي الرياضي الأولمبي،الذي تمثلت فيه كافة ممثلات الجمعيات المذكورة عن تأسيس " الإتحاد النسائي العراقي" وتشكيل هيئته الإدارية،التي مثلت فيها "رابطة النساء العراقيات" بثلاث عضوات.وكان ذلك في عام 1945.وأصدرنا صحيفة بإسم "تحرير المرأة"،, كنا نكتب فيها خواطر.أما التوجيه الفكري،فكانت عفيفة رؤوف مسءولة عنه، وكانت تكتب أشياء لطيفة جداً تخص حياة المرأة والطفل والحرمان في العراق. لازلت أتذكر تعقيباً لها إسمه "الحرمان"،الذي تأثرت به جداً لعمق محتواه وإسلوب كشفه لمشاكل الشعب..لم يتحمل نظام نوري السعيد هذه الصحيفة، فأغلقها في عام 1947 مع بداية الحملة الشعواء ضد الحريات في ذلك العام، ولم يكن قد صدر منها سوى عددان.

في أوج الحملة،في عام 1947، قررت الإنتماء الى حزب التحرر الوطني، ومن ثم الى الحزب الشيوعي..

* لماذا حزب التحرر الوطني؟

- لأنه كان قد قدم طلباً لأجازته رسمياً، وهو الحزب الجماهيري، الذي نعرفه اَنذاك، ولا يحتاج المرء الى بحث وتوغل.. ولكن السلطة لم تجيزه. عندئذ إنتميت، مع الكثير من الأعضاء الآخرين، الى الحزب الشيوعي العراقي..

* كيف تعرفت على مبادئ الحزب السيوعي العراقي؟

- بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي، تعرفت على أفكاره من خلال النقاشات التي كانت تدور في الكلية بين الطلبة،وكان يشارك فيها العديد من الطلبة من مختلف الأحزاب العراقية.إضافة الى ذلك كانت هناك صحف وطنية، مثل جريدة حزب الشعب، وجريدة الحزب الوطني الديمقراطي كـ" الوطن" و " الأهالي" وغيرهما من الصحف التقدمية الليبرالية.وكان الحزب الشيوعي العراقي يحوز على شعبية متميزة وسط الطلبة، مقارنة بالأحزاب الأخرى، لوضوح أهدافه، وصموده، وصلابته،وعدم مراوغته حول القضايا الوطنية، وكان يطرحها بالشكل الصحيح.

كان للحزب نشاط في كليتنا، وكان يمثله اَنذاك فاروق برتو،الذي كان يزودنا بجريدة الحزب السرية وأدبياته الأخرى. ويمكن القول ان الدكتور فاروق برتو هو أول من عرفني على الحزب، وكان تحركه مقتصراً على إيصال أدبيات الحزب فقط. وكانت لدينا نشاطات مع مع قوى وطنية أخرى.فعندما أعدمت السلطات الملكية الضباط البرزانيين الأربعة،قام طلبة صفنا، وهم من مختلف الميول والإتجاهات، بإضراب عن الدراسة.وكان زميلان من البارتي هما اللذان أخبرانا بجريمة الإعدام، وهما جمال رشيد فرج وكمال ناجي.فأعربنا عن تضامننا الوطني.وكنا نقوم بنقاشات سياسية، نقرأ الجرائد العلنية ونناقش ما فيها.. وكل هذا وسع من مداركنا.

* متى تم ترشيحك للحزب؟

- رشحت للحزب في عام 1947، ونلت شرف العضوية في سنة الوثبة ضد معاهدة بورتسموث في عام 1948.وفي هذه السنة تخرجت من الكلية وباشرت ممارسة مهنة الطب، وساعدني عملي السياسي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، والتمعن في أدبياته وأفكاره، على تفهمي،على نحو أعمق، لمشاكل أبناء وبنات شعبي، الأمر الذي ساعدني،أيضاً، على الإندفاع في خدمة شعبي ووطني.وأتاحت لي مهنتي كطبيبة الإطلاع عن قرب على مشاكل شعبي، وصرت أربط تلك المشاكل بشكل واع بسيطرة الإستعمار والأقطاع وبالتخلف في مختلف مناحي الحياة، خصوصواً بعد مساهمتي في مشروع منظمة الصحة العالمية..

* كيف جاءت الخطوة الأكبر وأصبحت عضوة في حزب الكادحين الذي كانت قلة قليلة من ذوي المهن الطبية تتعاطف معه؟

- لقد تنامى الوعي أثناء الحرب العالمية الثانية بإتجاه معاداة السلطة.وكانت هناك حريات نسبية، سُمح بها بُعيد الحرب، ومنها حرية تأليف الأحزاب، فأُجيزت في عام 1946 أحزاب وطنية، وهي حزب الشعب، والحزب الوطني الديمقراطي، والبارتي.وقبل ذلك، كان هناك نشاط المنظمات الجماهيرية.فمثلاً، كان لدينا في الكلية لجنة لأتحاد الطلبة، وكنا ننتخب سنوياً ممثلينا فيها.كانت المشاعر الوطنية تتأجج وتنصقل خلال النقاشات التي تدور بين الطلبة.علماً بان إتحاد الطلبة كان يقوم بنشاطه علناً ودون خوف، وهو نشاط لم يكن محتواه سياسياً صرفاً، بل طلابياً مهنياً،أولاً، وذو محتى وطني تحرري، ثانياً.. لفضل كل هذا، دخلت من صفي نسبة غير قليلة(بالنسبة الى ذلك الوقت) الى صفوف الحركة الوطنية، وبالذات الى الحزب الشيوعي العراقي.

* نعود الى سنوات التخرج الأولى وبدايات عملك كطبيبة..

- عُينت، بعد تخرجي، كطبيبة مقيمة في المستشفى الملكي ببغداد.وهناك قضيت فترة الأقامة،إلا أنه أثر إعترافات مالك سيف، والإعتقالات التي جرت، وورود إسمي ضمنها بأنني أمارس نشاطاً سياسياً في المستشفى،الى جانب النشاط النسوي، تم إستداعي الى " التحقيقات الجنائية"..أنكرت الإعترافات، مؤكدة بأن طبيعة عملي بالمستشفى، وفحصي للمرضى، تجعلني أحتك يومياً بعشرات المواطنين، دون أن أعرف هذا المريض او ذاك من أي حزب أو إتجاه سياسي، فتم إطلاق سراحي، ونقلوني الى مستشفى الكرخ. وهنا، لن أنسى أبداً، من بين أمور كثيرة، والد الشهيد زكي بسيم، الذي أُدخل المستشفى عقب إعدام نجله.. لقد ترك أعدام الرفاق الأبطال: فهد وحازم وصارم، أثره على الجميع.وفي بيتنا بالذات أُعلن الحداد، مثلما فعل الكثيرون، لشعورهم بالظلم الجائر بحق المعدومين.والشهيد زكي بسيم كان يعمل مع أبي في إسالة الماء، وكان يحدثه عن أمور كثيرة تخص شعبنا.من هنا مبعث الحزن العميق الذي خيم على أسرتي.. جلبوا والد الشهيد الى القسم الذي أعمل فيه، وكان في حالة من الذهول والشرود الذهني، فإعتنيت به عناية خاصة حتى شفائه..كنت أجلس عند سريره، وكان يحدثني عن زكي وعن نشاطه وتضحيته في سبيل شعبه..في تلك الفترة أيضاً جيء الى المستشفى بسجينات سياسيات مضربات عن الطعام، مطالبات بتحسين ظروفهن في السجن، ورأيت صمودهن، وكيف كن يقاومن محاولات كسر أضرابهن بالقوة..وكل ذلك أثر عليَّ كثيراً..

بعد هذه الأحداث نقلوني الى السليمانية، ثم الى كربلاء.وهناك مررت بتجربة جديدة،إبتدأت بخروجي من بغداد وإلتحاقي بمجتمع اَخر- مجتمع كربلاء..بقيت هناك أشهر عديدة.كنت أسكن مع عائلة الدكتور مهدي مرتضى، الى ان إفتتحت عيادتي الخاصة..عموماً، كنت هناك مقيدة في مجتمع محافظ جداً تجاه المرأة..

* وعملك الحزبي؟

- في هذه الفترة، تدرجت في التنظيم الحزبي، وعملت في اللجنة النسائية التابعة لمحلية بغداد(تأسست في عام 1954)، وبعد ذلك تقدمت الى محلية بغداد(ولم تكن في ذلك الوقت قد أصبحت بعد منطقية).وبعد ثورة 14 تموز 1958 رُشحت الى اللجنة المركزية للحزب، وعملت في اللجنة المركزية حتى إنعقاد المؤتمر الوطني الرابع للحزب في عام 1985.

* وما أثر العمل الحزبي عليك؟

- من خلال نشاطي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي تحققت صلتي بالحركة الوطنية العراقية، وبدأنا في الرابطة التوجه للنشاط داخل الحركة الوطنية العراقية.فكنا ننظم، خلال الأحداث الوطنية والسياسية، الوفود الى الأحزاب السياسية،تأييداً، أو لإبداء موقف،أو لأعلان وجهة نظر.وكانت الوفود معروفة بكونها لرابطة الدفاع عن حقوق المرأة.وصرنا نُقرن نشاطنا بين العمل السري والعلني. على سبيل المثال،إنتمت أثنين أو ثلاث عضوات من أعضاء اللجنة العليا للرابطة في "الأتحاد النسائي العراقي"، الذي أجازه نوري السعيد بإسم " جمعية النساء العراقيات، وكانت رئيسته اَسيا وهبي- زوجة توفيق وهبي- التي فرحت بوجودهن في جمعيتها لنشاطهن المتميز بعد أن افتقرت لأي نشاط يذكر.ولم تكن فيها طالبات كليات، ولا عضوات نشطات مثلهن.وقد عرفن (الرابطيات) كيف يُنَشِطنَ الجمعية المذكورة لخدمة حقوق المرأة العراقية.فأقترحنا، مثلاً، على رئيستها ان تنظم الجمعية إسبوعاً خاصاً لحق المرأة في الإنتخابات، فوافقت.,سمي "إسبوع المرأة"، وإشتمل على العديد من اللقاءات والمحاضرات،التي كنا نعبئ الجماهير النسوية لحضورها، وتقودها الرابطيات، ويتحدثن فيها الى النساء.. وهكذا كنا نحرك الأوساط النسائية.

* ما هي حصيلة ذلك على حركة الدفاع عن حقوق المرأة؟

- الحصيلة إيجابية جداً.فقد أتاح لنا العمل العلني في صفوف المنظمات النسوية الأخرى منافذ عديدة ومفيدة جداً لممارسة نشاطنا، والتعريف بهويتنا الوطنية لأوسع الجماهير.وسهل العمل العلني أصلاً تحرك العديد من الفتيات اللواتي كن يجدن صعوبة كبيرة في الخروج من البيت، فأخذن يحضرن الفعاليات المُعلنة لجمعية مجازة رسمياً.وقد لقين الدعم المعنوي من قبلنا، الذي شجعهن على الخروج والمشاركة..

* بودنا ان يعرف قراؤنا نبذة عن نشاطك على صعيد إتحاد النساء الديمقراطي العالمي،, في حركة السلم العراقية..

- إنتُخبت رابطتنا الى إتحاد النساء الديمقراطي العالمي في عام 1953،أي بعد سنة من تأسيسها، وتم قبولها في مؤتمر النساء العالمي الثالث في كوبنهاغن، الذي حضرته ممثلة عنها.وكان المؤتمر خاص بحقوق المرأة.وقد أتاح لي ان أرى لأول مرة نساء من كل أنحاء العالم.بعد رجوعي الى العراق،قمنا بطبع قرارات مؤتمر كوبنهاغن في كرس، بإسم مستعار، ووزعناه بشكل واسع. وقمنا بقراءته لمن لا تعرف القراءة.ونظمنا إجتماعات كرست لمناقشة القرارات.أعقبناها بإجتماعات أوسع لمناقشة ومعالجة المشاكل التي تعاني منها النساء العراقيات، وأصدرناها بكراس بإسم " المرأة تحل مشاكلها" بإسم مستعار أيضاً.وتضمن أمثلة، وتجارب، وأساليب عمل لحركات نسوية أخرى.وقلنا في خلاصته على المرأة ان لا تنتظر الآخرين ليحلوا مشاكلها، بل يتعين ان تأخذ قضيتها بيدها.. بالمناسبة، كان الأستاذ عبد الفتاح إبراهيم يساعدنا كثيراً في مسائل الطبع في مطبعته..

لقد إستفدت كثيراً من حضوري لمؤتمر النساء العالمي الثالث.وأصبحت لدى قيادة الرابطة قناعة بأهمية المشاركة في مثل هذه المؤتمرات.فأخذنا نرسل ممثلات للرابطة للمساهمة بفعاليات إتحاد النساء الديمقراطي العالمي، وأصبح للرابطة ممثلة دائمة في سكرتارية الإتحاد.وفي عام 1959 إنتُخبتُ في مؤتمر إتحاد النساء الديمقراطي العالمي(لا أتذكر الآن ترتيبه) الى عضوية لجنته التنفيذية،, بقيت عضوة تنتخب في مؤتمراته اللاحقة الى ان قام إتحاد السلطة بـ" ضغبرته" في عام 1979، مطالباً بعضوية مكتب الإتحاد.وتأزم الموقف فيما بعد بين السلطة الحاكمة ورابطتنا.

بالنسبة لحركة السلم، ساهمت مساهمة جدية،ضمن الجهود الجماعية للتحضير لعقد المؤتمر الأول لأنصار السلام في العراق،الذي تم بشكل سري في بغداد.كنت ضمن لجنة خاصة للعمل في صفوف أنصار السلام، كانت تضم الرفيق صفاء الحافظ وعدد اَخر من الرفاق.تشكلت للمؤتمر لجنة تحضيرية واسعة، ضمت طلعت الشيباني، فاروق برتو،وعدد من الوجوه الديمقراطية الأخرى.حضرت المؤتمر وفود من المحافظات.عُقدت الجلسة الأولى للمؤتمر في حديقة خاصة تابعة للزميل الطبيب أحمد الجلبي، وحضرها أربعون نصيراً وعشرين نصيرة سلام من مختلف المحافظات.إفتتح المؤتمر الشيخ عبد الكريم الماشطة(مع إتساع الحركة بدأت تنظم وجوه إجتماعية معروفة، مثل الماشطة والشيخ محمد الشبيبي- والد الشهيد حسين الشبيبي- وعدد من رجال الدين- لا تحضرني الآن أسماءهم- ومن أحزاب عديدة- كالحزب الوطني الديمقراطي، وشخصيات مستقلة.وحضره أيضاً جلال الأوقاتي ونائل سمحيري وخدوري خدوري، وغيرهم من رجالات البلد المعروفين..بالنسبة للأسماء أحياناً تغيب عن بالي ويصعب عليَّ تذكرها)..

إشتمل اليوم الأول للمؤتمر، عدا الإفتتاح، على مناقشة الأوضاع ومخاطر إنضمام العراق الى الأحلاف، وغيرها من القضايا التي تهم حركة أنصار السلام.وأجمع الحاضرون على شجب الأحلاف العسكرية، والسلاح النووي. في اليوم الثاني تشكلت لجنتان،أحدهما إجتمعت في بيت فاروق برتو، والثانية في بيت كمال عمر نظمي. الأول كان والده رئيساً لمحكمة التمييز.والثاني والده وزيراً. لذا لا يجلب الإنتباه تواجد عدد غيرقليل من الناس في بيوتهما. في اليوم الثالث عقد إجتماع عام في حديقة بيت فاروق برتو، ـمخض عن صياغة البيان الختامي.وفي صباح اليوم التالي صدرت وقائع المؤتمر في إحدى الصحف الوطنية (كان صحابها ينتظر، في كل لحظة، غلقها من قبل السلطات،فوضعها تحت تصرفنا).ووزعت الجريدة على نطاق واسع.ففاجأنا الحكومة بإنعقاد المؤتمر، وبنشر بلاغه الختامي وقراراته.فأغلقت الجريدة إثر ذلك، طبعاً،إلا ان أخبار المؤتمر وتفاصيله وصلت الى جمهور واسع في كافة أنحاء العراق.

بعد المؤتمر إتسعت حركة أنصار السلام العراقية كثيراً.وأفلحت بنشر الوعي ضد الأحلاف العسكرية.وكانت الصحف الوطنية،ومنها " الأهالي" تنشر أفكار الحركة.وكان توفيق منير مساهماً نشيطاً في النشر على صفحاتها، والمسؤول عن ركن خاص بأنصار السلام في الجريدة.وكان هناك إلتفاف جماهيري واسع حول الحركة وأنشطتها.