دراما المُغيّب.. من السجن إلى واحة الغياب

دراما المُغيّب.. من السجن إلى واحة الغياب

خضير فليح الزيدي

أقفُ كثيرا عند قضيّة الاختفاء القسري للأدباء والكتّاب والمثقفين عامة. فالعلاقة كانت وستكون دائما بين السلطة والأدب علاقة غير سوية مطلقا، إذ أفرزت لنا نوعين من الأدباء ونوعين من السلطة الحذرة من الأقلام الجادة والمحرضّة والسلطة الأخرى هي القامعة.

النوع الأول هم "أدباء سلطة" من حيث لا يعلمون وإن سكتت السلطة أو غضّت الطرف عمّا يكتبون. والنوع الآخر هم الأدباء الأحرار من الوطنيين. فكانت علاقتهم دوما علاقة سجن وموت وغياب قسري. فالموت هنا لم يكن واحدا كما يشاع، بل هو متعدد الطرائق، ومنه اختفاء وتغييب ودفن وسجون وسيانيد وجرعات كيميائية قاتلة لأسماء مبدعة على مساحة التاريخ الثقافي العراقي. حتى أن بعض هؤلاء تمَّ نسيانهم، أو ربّما لا يتذكرهم أحد، ومنهم هذا القاص الضحية" عبد الرزاق الشيخ علي.

منذ اختفاء عبد الرزاق الشيخ علي في تموز 1957 إلى المُغيّب الكاتب توفيق التميمي في آذار 2020. كأن هؤلاء انفلتوا من أيادي أمهاتهم في زحمة الأسواق. والغريب في جلِّ القضية أن لا أحد يلتفت أو يدرس ظروف هذا التغييب العنيف والقسري، ولا حتى بالاحتجاج المعلن ضد سلطة التغييب. ليس لعدم أهمية الأنسان على هذه البقعة الملعونة، بل الأمر يذهب إلى خوفنا المبطّن من السلطات دائما كي لا تنزعج، أو ربما كون المسلسل يستمر في كل حين، وكأن مُغيّب اليوم أكثر حظّا في الاستذكار من مغيّب الأمس. فيما الكاتب ليس له إلا منتجه الإبداعي الذي يحلم طوال حياته أو في غيابه للوصول إلى الجميع ليقول: " أنا هنا من أجل الجميع".

*

بمقهى في كرادة بغداد التقي كل يوم اثنين من كل أسبوع صديقي وشيخي الدكتور شجاع العاني كونه منجما ثقافيا نادرا وفريدا. منجم لتاريخ الكتّاب الذين أهملهم الجميع في ظروف غير عادية، وفوق غيابهم تلوح آفة النسيان، ليُسدل الستار عنهم كليا ليرزحوا في العتمة القاتلة.

لفت العاني - في جلسة ما- نظري إلى القاص المبدع والكبير الوطني العملاق عبد الرزاق الشيخ علي الذي لا يُعرف مصيره لغاية هذه الساعة. لم يلفت نظري حسب، إنما زوّدني بملف ضخم عن نتاجات هذا العملاق المفعم بالوطنية الخالصة. يلحُّ الصديق العاني على ذاكرته ليدلي بمعلومات متفرقة عن القاص المُغيب؛ قال:" هو زميل وصديق يومي لغائب طعمة فرمان – والكلام لشجاع العاني- أنهما يغرفان من بئر الواقع ذاته. لهما قدرة عجيبة في محاكات الواقع ليمثلانه في السرد الفني الذي نما على أيديهما بطريقة لافتة."

*

سعيتُ واجتهدتُ كثيرا في أحياء الأثر لهذا الكاتب، ولكل مجتهد نصيب من الصواب والخطأ. إذ كانت رغبتي خالصة للتذكير بزميله العملاق غائب طعمة فرمان وهما يتمثلان بما يسميه جبرا إبراهيم جبرا بأسلوبهما المتفرد من "الواقعية المركبة". وانا أطلق تسميتي على أسلوبهما بـ "الواقعية العراقية" لخصوصية التجربة وريادتها. فقد عثرت على تماثل تطابقي لتجربتهما وخاصة في قصص فرمان والشيخ. تطابق في الأسلوب ذاته بخصوصية الحوارات العامية والمبتكرة وسرد يتنفس من عبق الشوارع والحانات والدرابين والحارات والأزقة والمقاهي. فلو نصّصنا على سبيل الافتراض بعض مقاطع من القصة الطويلة المسماة "عباس أفندي" مع قصة "عمّي عبّرني" أو أية قصة من مجموعة فرمان "حصيد الرحى" لغائب فرمان لوجدنا قرينة بارزة على أسلوبية القص الواحد لدى الكاتبين. لكن مَنْ تأثّر بمَنْ؟ لا أحد من قبل درس ذلك المفصل البحثي. وكذلك ما سرّ "أسومة" الشخصية النسائية شاخصة بهذا الاسم بالذات في قصة "عباس أفندي" للشيخ وفي رواية النخلة والجيران لغائب، سوى عاهة من عرج رجلها في النخلة والجيران. هذا ما دفعني إلى الغوص عميقا باستقصاء الأثر للكاتب المُغّيب لعبد الرزاق الشيخ علي، وتلك بالطبع ليس مهمتي، كونها مهمة الصحافة الثقافية الجادة في الاستقصاء البحثي الثقافي التي نفتقر إليها حاليا، ولكني والحق يقال أصبتُ بشغف حماسي للاستمرار في جمع كل ما أصل إليه وتنقيته كشهادة عن عظمة هذا الكاتب -غير المعروف في الأوساط الثقافية المعاصرة- الذي غيّبته الأنظمة المستبدة بقصد والمثقفين من غير قصد كذلك.

*

وعليّ أن اعترف هنا أني أصبت بالعجز الكلي للحصول على أثر استدلُّ إليه عن كتاب "آلهة الأرض" هذا الكتاب الذي صادرته السلطة الملكية وضاع خبره في اقبيه السجون وهوى السجانين، وربما تحوّل إلى ورق لفّ التبوغ في السجون. وغير هذا الكتاب فالمزيد من قصصه التي ذكرتها الصحف ولم نعثر عليها، لكنني استطعت من جمع هذه القصص في أول بادرة كتاب يذكر به فضل هذا الكاتب على ريادة القصة العراقية في بواكيرها.

*

خرجت بانطباعات شخصية لدراستي في قصص الشيخ بودي أن اصرّح في هذه المساحة المسموح بها.

• كانت معظم قصص الكاتب هي قصص طويلة، ذلك لأن فضاء الخمسينيات، أي قبل أكثر من نصف قرن، كانت فسحة القراءة تسمح في القصص الطويلة. قصص تقارب النوفيلات من حيث البناء السردي لها.

• كل قصص الشيخ يتصاعد منها دخان السجائر ومفعمة برائحة العرق المحلي وتبوغ أفرنجية بنكهة الغليون والخيانات. والغريب أن قصصه كانت مخصصة لقيعان المجتمع المسحوق، ولم نجد قصة منها تنتمي لأدب السجون، إلا بإشارات عابرة، بوصف القاص المغيب عاش حياته خلف قضبان السجون أكثر من حياته خارجها.

• كما أن هذه القصص كانت تبني الحوارات بمشهدية لغة بغدادية خاصة "عامية" كما درجت العادة في سرديات ذلك الزمن. لذلك على القارئ اللبيب لا يحاكمها بوعي مفصول عن زمنها. فالأدب ابن لحظته بل ابن بيئة وفضاء زمن يبعد ما يقارب السبعين عاما خلت.

• الكتب الدراسية لنماذج من القص العراقي ككتابي الدكتور علي جواد الطاهر وعبد القادر السامرائي لم يقتربا من تجربة الشيخ القصصية.

• في النهاية بودي القول إن بعض الأدباء يحضون بنجومية ذلك الزمن كي تصل إبداعاتهم إلينا، وبعضا آخر يفقد بوصلة الشهرة لمزاجه الخاص أو لظروف قهرية كما حصل للشيخ القاص. لكن المتبحّر الفاحص بوعي حاذق سيجد أنه لا فرق بين فرمان والشيخ أو عبد الملك نوري والشيخ إلا بانتشار أحدهما عن الآخر بفارق حيف عظيم لَحِق بالشيخ هذا.

مقدمة كتاب "عبد الرزاق الشيخ علي.. قصة القاص الضحية"