من تاريخ الحركة النيابية في العراق.. إنتخابات 1954 .. ذكريات ومواقف

من تاريخ الحركة النيابية في العراق.. إنتخابات 1954 .. ذكريات ومواقف

نصير الجادرجي

كان السيد (حسين جميل) يشرف وينظم الحملة الانتخابية للمنطقة الثانية "منطقته" التي فاز منها فيما بعد بالتزكية، جراء انسحاب المرشح الآخر السيد (عبد الرزاق القيسي) من الترشيح، أما المنطقة الثالثة فقد كان مرشحها السيد (كامل الجادرجي) والمشرف على حملتها الانتخابية السيد (حسين جميل) حيث كنت مساعداً له، ومُروّجاً لتلك الحملة مع عدد من الشباب نتجول وننظم الاجتماعات وغيرها.

بعد عدة أيام طلب أهالي المنطقة بضرورة زيارة (الجادرجي) الى منطقتهم، أيد السيد (حسين جميل) هذا الطلب بشدة، بل عدّه من ضروريات الحملة، لكن (الجادرجي) رفض هذا الأمر جملة وتفصيلا، وقال حينها الاتي:

في الأيام الاعتيادية وقبل الانتخابات لم أزرهم، أما الآن فزيارتي لهم تعد ضربا من ضروب الرياء!.

لم يكف السيد (حسين جميل) عن محاولاته بإقناع الجادرجي، لكن وسط اصرار الاخير برفضه، كلفني بحل هذا الموضوع، عبر دعوة بعض وجوه المنطقة للسيد (كامل الجادرجي) لزيارتهم فتكون صادرة من قبلهم، علَه يقتنع.

أبديت قناعتي بالفكرة حينها، فتحدثت مع أصدقائي سامي طبره وعبد الرحيم الخزرجي وعبد الرحمن الصفار، وغيرهم عن فكرتي بتنظيم وفد كبير من شخصيات المنطقة لزيارة الجادرجي، يقدمون له فيها الدعوة لزيارة منطقتهم بمحلاتها (فرج الله والطاطران وأبو سيفين)، والمحلات المجاورة لها.. (كان جلَ ابناء هذه المحلات من الطبقات الكادحة ومعظمهم منحدر من جنوب العراق)، ثم الى المناطق الأخرى، وفعلا تم ما خططنا له، وقام وفد من ابناء المنطقة، بزيارة السيد (كامل الجادرجي) ليتم الاتفاق على دعوته للمنطقة بعد يومين من ذلك الاجتماع.

حضر الجادرجي الى المنطقة في مساء يوم 11/5/1954 لنشاهد وإياه مهرجاناً انتخابياً رائعاً قل نظيره في تلك الفترة، والقى بالحاضرين كلمة ارتجالية عبر فيها عن عظيم سعادته بما يشاهده، مشيراً لهم، بأن قائمته (الجبهة الوطنية الموحدة) إن فازت فلن تتمكن من تشكيل حكومة بالمطلق "في تلميح منه الى موقف الحكومة منه"، لكنه قال للجماهير بأننا بأصواتكم وتعاونكم سنمنع التحالفات العسكرية والاتفاقيات الجائرة بحق العراق.. في تلك الاثناء ألقيت على رأسه الزهور من قبل بعض طالبات المدارس الحاضرات في ذلك المقهى في مشهد أثر عليَنا جميعاً.

من هناك، انطلقت الحملة الانتخابية بشكل منظم، وقد كتبت حينها (جريدة الأهالي) وصفاً لهذا الاحتفال في عددها الصادر بتاريخ 12/5/1954.

بعد مدة قصيرة أعلن السيد (صبيح الدفتري) انسحابه من الانتخابات، عبر بيان نشره في الصحف، وعلى اثر ذلك أصدر رئيس الوزراء قراراً يقضي بنقله من مدير عام ديوان وزارة المواصلات، الى مفتش في وزارة الزراعة.. وعلى إثر ذلك قدم (الدفتري) إلى رئيس الوزراء (استقالة) جميلة المغزى ذكر فيها انه (لا يملك المؤهل لاشغال وظيفة زراعية، لأن الله لم يهبه الموهبة التي منحها للسيد رئيس الوزراء من كفاءة وقدرة مهندس، ليشغل منصب رئاسة الوزراء)!.

موقف لآل طبره!

في صباح أحد الأيام .. جائني الأخ سامي طبره وأخبرني الآتي:

مساء أمس عُقد اجتماع لـ (آل طبره)، في منزل شقيقي الكبير السيد (عيسى طبره)، "الذي كان عميد أسرتهم"، ثم أضاف قائلاً:

إن السيد جميل عبد الوهاب (كانت تربطه صداقة وعلاقة بآل طبره) – وقد شغل عدة مرات منصب وزير العدل– قد طلب من الأخ عيسى مساعدته وتأييده في ترشحه للانتخابات عن المنطقة الثالثة – وذلك بعد انسحاب السيد (صبيح الدفتري) الذي احدث صدمة غير متوقعة لدى الفئة الحاكمة – كون (الوصي عبد الاله) لايريد ان يكون (الجادرجي) نائباً في البرلمان.

قال له (عيسى طبره) بأن الظرف صعب جداً في هذه الانتخابات، فرد عليه جميل قائلا: وان (سموّه) سوف يساعدني، لكن لا استطيع الفوز دون ان أحظى بتأييد من قبلكم.

بعد ذلك ذهب السيد عيسى طبره بصحبة السيد (جميل عبد الوهاب) لزيارة (الوصي) في قصر الرحاب مترجياً منه المؤازرة والتأييد، وقد وعده الوصي بأن الحكومة ستقدم المساعدة له.

وفي اجتماع (آل طبره) طرح السيد (عيسى) موضوع ترشيح السيد (جميل عبد الوهاب) وقصة ذهابه الى قصر الرحاب طالباً التأييد من عائلته، فانبرى له السيد (سامي طبره) مبدياً معارضته الشديدة إزاء ذلك الأمر، وقال له: إنني وكل شباب (آل طبره) والبقية نبدي كل التأييد والمساندة للجادرجي، مناشداً شقيقه الكبير بالقول: اننا نحترمك ونجلك، لكن لاتجعل الناس يتندرون علينا، أقول لك هذا وإني مخوّل من البقية.. ثم أيده اخوه الآخر السيد (يوسف طبره)، لتحدث بعدها مشادة كلامية بين الأطراف.. تبين من خلالها للسيد عيسى ان الحاضرين لا يؤيدون مسعاه..

أخبرت والدي بتلك الحادثة، فطلب مني اللقاء بالسيد (سامي)، فأحضرته وروى له القصة كاملة..

بعد أن انتهى (الجادرجي) من الاستماع، قال:

هل أنت مستعد بالادلاء بالشهادة اذا اقتضى الأمر، فيما لو قمت بالكتابة عن هذه المعلومة؟!.

أجابه سامي قائلا: اكتب مارويت لك بكل صراحة، واني مستعد لاعلان ذلك بالتفصيل، كذلك مع بعض الاخوة الآخرين كشهود يؤكدون هذه الواقعة. وبعد يومين ظهر في جريدة (الاهالي) تنويه عن الموضوع.

انتخابات الهيئة التفتيشية

في تلك الانتخابات التي سُميت بعامها (انتخابات عام 1954) كانت مهمة الاشراف على صناديق الإقتراع من (مسؤولية الهيئة التفتيشية)، وهي التي كانت تقوم بفرز الأصوات وعدَها، ومن ثم إعلان النتيجة.. وعن طريقها كان يتم التلاعب والتزوير بمساعدة الجهات الرسمية.

كان يجري انتخاب تلك الهيئة، من مُختاري المحلات وأعضاء المجالس البلدية.. حينها قدمنا مرشحينا وفازت اسماؤهم بالاجماع بتاريخ 23/5/1954 وهم السادة:

المحامي عبد الرحمن الصفار وناجي الطبقجلي وسامي طبره ومكي سلمان الصفار وكاظم الصالح وعبد الرزاق الصالح وعبد الرزاق احمد طه وعزيز البحراني وناجي الخشالي وعزاوي حسين القيسي.

جرت انتخابات (الهيئة التفتيشية للانتخابات) في متصرفية بغداد "محافظة بغداد"، وبعد يومين طلب مني السيد (حسين جميل) أن تعقد الهيئة اجتماعاً، وقسّم العمل بينه وبيني على أن يقوم كل منا بالاتصال بمن يعرفه لإبلاغه.

بقي أحدهم لم يتم تبليغه وهو (عبد الرزاق الصالح)، إذ لم تكن لنا معرفة به. سألنا بعض الاخوة من المنطقة الثالثة عنه وأبدى الجميع جهلهم به، ليتبين لنا فيما بعد بأن عامل المطبعة الذي قام بطبع القائمة قد أخطأ في الاسم بوضعه (عبد الرزاق الصالح) بدلاً من الاسم الصحيح.

بعد يوم من ذلك التاريخ، وبينما كنت جالساً في غرفة المحامين إذا بالسيد (خلوق أمين زكي) يقول لي:

إن (إرزوقي) ويقصد (السيد عبد الرزاق الصالح) من محلة الفضل وليس من المنطقة الثالثة.. قلت له شكراً وكنت اعرفه شخصياً، وفي المساء ذهبت الى السيد عبد الرزاق وأخبرته بأنه قد تم انتخابه عضواً في الهيئة التفتيشية للمنطقة الثالثة، فشكرني مبدياً استعداده للحضور والعمل معنا، أو في أي عمل يُكلف به.

عن (مذكرات نصير الجادرجي ، طفولة متناقضة ... شباب مُتَمرّد .. طريق المتاعب)الصادر عن دار المدى .