مائة عام على ميلاد  الصوت المقدس  .. ماريا كالاس نجمة الغناء الأوبرالى الأولى فى القرن الـ 20

مائة عام على ميلاد الصوت المقدس .. ماريا كالاس نجمة الغناء الأوبرالى الأولى فى القرن الـ 20

أمجد مصطفى

- امتلكت صوتًا غنائيًّا قادرًا على التلوين الغنائى.. وحياتها الخاصة المليئة بالدراما ساهمت فى نبوغها الفنى

- وفاة ابنها من أوناسيس كانت نقطة فارقة فى حياتها.. والملياردير اليونانى ساهم فى حالات الاكتئاب التى عاشتها

- عاشت ظروفًا اجتماعية قاسية.. وأُجبرت على الغناء فى سن الخامسة من عمرها

تحتفل الأوساط الفنية العالمية هذه الأيام بمئوية مغنية الأوبرا العالمية ماريا كالاس، والتى يعتبرها نقاد وأساتذة الفن الأوبرالى نجمة الغناء الأولى فى القرن الـ 20، والتى يتوقف نجوم الأوبرا حول العالم كثيرا أمام صوتها، لكونه فريدًا من نوعه، بما يحمله من دراما، وقدرة كبيرة على تجسيد المعانى، فضلا عن كونها شخصية قادرة على تطويع لغة الجسد لصالح المعنى المكتوب والمغنى، فضلا عن أنها صاحبة صوت درامى يعكس معنى الكلمة ويرسلها للجمهور بإحساس نادر، وهو ما جعلها تعتلى قمة الغناء الأوبرالى لسنوات طويلة، وتصبح النجمة الأولى لهذا اللون الغنائى خلال القرن الماضى.

عاشت ماريا فى حياتها الخاصة دراما كبيرة، تأثرت بها وبالتالى ساهمت فى تكوينها الفنى، ولأن الإنسان ابن بيئته، يتأثر بها ويؤثر فيها، لذلك كانت ماريا حكاية درامية فى حد ذاتها؛ كغيرها ممن عاشوا حياة صعبة وأصبحوا فى الصفوف الأولى فى مجالات الأبداع، ويكفى أن نعرف بأن هذا الصوت الذى هز قاعات الأوبرا حول العالم أصيب بمشاكل فى أواخر الخمسينيات، وهى فى عز عطائها الفنى، وغابت عن المسرح بحلول عام 1962، ولأنها صاحبة حياة مليئة بالدراما، تستعد النجمة الأمريكية أنجلينا جولى لتجسد دورها قريبا فى فيلم روائى يحكى سيرتها المليئة بدراما تجعل من قصة حياتها مادة سينمائية بامتياز.

الصوت المقدس

هى ماريا كالاس مغنية أوبرا يونانية ــ أمريكية، ينتمى صوتها لطبقة السوبرانو، ولدت بمستشفى فلاورز بنيويورك فى 2 ديسمبر 1923، باسم "صوفيا سيسليا كالوس"، للأبوين جورج كالوجروبولوس، وإلمينا إيفانزيليا أو "ليستا" كما كان يطلق عليها، وقام والداها بتعميدها باسم ماريا آنا سيسيليا صوفيا كالوجيروبولوس، واختصر والدها الاسم الأوسط من كالوجيروبولوس إلى كالوس ثم إلى كالاس.

عاشت سنوات طفولتها فى الحى اليونانى بنيويورك، قبل أن تعود مع والدتها لـ"أثينا" باليونان فى سن الثالثة عشرة من عمرها.

درست العزف على البيانو وأصول الغناء باليونان، وبدأت مسيرتها الفنية فى أواخر الثلاثينيات، وبلغت ذروة عطائها فى الخمسينيات، ومطلع الستينيات، وابتعدت عن أداء أى ألوان غنائية أخرى غير الأوبرا، لأنها إلى جانب صوتها العظيم، كانت تضفى على أدائها التعبير الداعم للكلمة والموسيقى من خلال التمثيل ولهذا السبب تعد التسجيلات الحية الجزء الأهم فى مسيرتها، والأقرب إلى عشاق هذا الفن، بينما لم تكن الأعمال المسجلة بنفس نجاح حفلاتها.

تميز صوت ماريا كالاس بأن له قدرة عالية على التلوين وأداء المهارات الصوتية، كان صوتها من طبقة السوبرانو وهى الطبقة الأعلى بين أصوات النساء، وربما تكون أشهر مغنية أوبرا فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وصفها المحللون بأنها مغنية بالغة التنوع فى الأدوار التى اتسع مداها ما بين الكلاسيكية إلى أدوار البل كانتو للمؤلفين الإيطاليين الذين قدموا فن الـ"بل كانتو" فى القرن التاسع عشر، مثل "نورما" لبلّينى و"توسكا" و"مدام باترفلاى" لبوتشينى و"عايدة" و"ماكبث"، إضافة إلى "لاترافياتا" و"حفلة تنكرية" لفيردى، أخرجهما للأوبرا السينمائى الإيطالى الشهير لوتشينو فيسكونتى، وغيرها. كذلك أدت بالفرنسية "كارمن" رائعة المؤلف الفرنسى جورج بيزيه، وبالألمانية "تريستان وإيزولد"، و"دى فالكوره" و"بارسيفال" لفاجنر.. إضافة إلى أعمال أخرى من العصر الكلاسيكى (القرن الثامن عشر) وصولا إلى القرن العشرين.

أما الدور الأهم الذى لم تجسده فهو "ملكة الليل" فى أوبرا "الفلوت السحرى" لموزار، ولو أنها فعلت، لأحدثت زلزالا فى العالم كما قال نقاد وباحثون موسيقيون، وذلك لأن ما كتبه موزار من ألحان لهذه الشخصية الأساسية، ينطبق بأدقّ خيوطه على القياس الاستثنائى الصوتى للسوبرانو ماريا كلاس صاحبة الصوت الدرامى القادر على التلوين.

هذا التنوع الذى ميز صوتها جعل المهتمين بالفن الأوبرالى يطلقون عليها "الإلهة الإغريقية" أو "الصوت المقدس".

وحسب ما جاء فى بعض الإصدارات المهتمة بالغناء الأوبرالى، نجد أنها بعد عدة سنوات من الدراسة كطالبة، بدأت كالاس الظهور فى الأدوار الثانوية فى الأوبرا الوطنية اليونانية، وأنهت دراستها الأكاديمية الموسيقية بإشراف المغنية الإسبانية المشهورة إلفيرا دى هيدالجو، ثم قامت بإكمال دراستها العليا فى نيويورك.

من أوائل الأعمال التى قدمتها على مسرح الأوبرا فى أثينا "كافاليريا روستيكانا" وهى مشاهد شعبية من فصل واحد عن قصة للكاتب الإيطالى جوفانى فيرجا والمؤلف الموسيقى بييترو ماسكانيى، ولعبت فى عام 1941 أول دور مأسوى "توسكا لأوبرا تحمل الاسم نفسه للمؤلف الموسيقى جاكومو بوتشينى، ثم قامت بتقديم أدوار مأسوية أخرى مثل إزولده فى تراجيديا "تريستان وإزولده" وبرونهيلده فى ثلاثية ريشارد ڤاجنر، وكذلك شخصية عايدة فى أوبرا لفيردى.

فى عام 1947 سافرت كالاس للمرة الأولى إلى إيطاليا وقدمت على المسرح الرومانى فى مدينة فيرونا الأوبرا الميلودرامية "الجوكوندا" المقتبسة من رواية فكتور هوجو، تأليف الموسيقى أميلكاره بونكييلى، وفى العام نفسه حصلت على الجنسية الإيطالية.

بعد عام 1949 وبتشجيع من أستاذها قائد الأوركسترا توليو سيرافين، قبلت بعد تردد طويل أن تلعب أدوارا تحمل فى طياتها أبعادا درامية معقدة مثل "كارمن" للمؤلف الموسيقى جورج بيزيه، و"نورما" لأوبرا تحمل الاسم نفسه للمؤلف فينشنزو بلينى و"لوتشيا دى لامرمور" للمؤلف الموسيقى جايتانو دونيزيتـى وأوبرا "لاترافياتا" لفيردى، والعديد من شخصيات الأوبرا الإيطالية التى نادرا ما تقدم على المسرح مثل شخصية "ميديا" للمؤلف الموسيقى لويجى كيروبينى.

فى عام 1950 قدمت كالاس على مسرح الأوبرا فى روما كوميديا "تركى فى إيطاليا" للمؤلف جاكومو بوتشينى، ثم انتقلت إلى ميلانو ووقعت مع مسرح الأوبرا الشهير لاسكالا عقدا مدة ست سنوات، ثم انتقلت من عام 1951ـ1958 إلى الغناء على جميع المسارح الأوربية والأمريكية، مثل المسرح الفينيقى، فى البندقية، ومسرح "كوفنت جاردن فى لندن، وميتروبوليتان للأوبرا هاوس فى نيويورك، واستطاعت أن تحقق نجاحا وشهرة فى جميع أنحاء العالم.

أعادت ماريا كالاس إحياء التاريخ الأسطورى لما كان يسمى بالسيدة الأولى وأصبحت ندا قويا للسوبرانو الإيطالية رناتا تبالدى، ثم أصبحت النجمة الأولى فى العالم على جميع مغنيات الأوبرا من نفس طبقة الصوت السوبرانو عندما تم تصنيفها أعظم مغنية أوبرا فى القرن العشرين.

وحسب محللين ونقاد نشروا فى دوريات بعدد من اللغات، أن أهمية السوبرانو كالاس وشهرتها لا يعود إلى تألقها فقط فى الأدوار المعقدة دراميا التى تحتاج لمساحات صوتية واسعة ولكن بصورة خاصة إلى قدراتها العالية فى الأداء ومعايشة الدور على المستوى الفنى والدرامى، صنفت مساحة صوتها بثلاث ثمانيات "أوكتاف" فهو يبدأ من الميتزو السوبرانو حتى يصل إلى السوبرانو الخفيف، إضافة إلى ذلك يتميز صوتها بجاذبية خاصة، ولا تنقصه التهدجات والتباينات اللونية الموسيقية التى تتجلى بأحاسيس وانطباعات مؤثرة ودرامية.

ماريا منحها الله صوتا لا يقارن عملت عليه بشكل كبير وصقلته بالعلم والمعرفة والدراسة والتدريبات التقنية العالية حتى استطاعت أن تؤدى تلك الأدوار والشخصيات الأوبرالية التى تعد فى غاية الصعوبة والتناقض فيما بينها من دون حدود.

هناك مخرجون كبار عملوا إلى جانب ماريا كالاس مثل لوكينو فيسكونتى الذى قدم معها أعمالا مأسوية خالـدة مثل لافيستاله للمؤلف جاسبارى سبونتينى وسونانبولا للمؤلف بلينى، كما قدم أعمالا أخرى ميلودرامية مثل "لاترافياتا" لفيردى وغيرها

كما صاحب مع كالاس فى قيادة الأوركسترا موسيقيون كبار مثل هربرت فون كارايان، الذى شارك كالاس فى أعمال كثيرة مثل "لوتشيادى لامرمور"، وآنا بولينا تلك الشـخصية المأسوية لملكة إنجلترا التى ألقيت من أعلـى بـرج فى لندن.

فيلم وحيد

رافق كالاس أيضا المؤلف وقائد الأوركسترا الإيطالى فيتوريو دى ساباتا فى أعمال عديدة مثل "فيسبرى سيتشيليانى" لفيردى، و"ميديا" هذه الشخصية المأسوية الإغريقية التى كتبها أوربيديس، وقد جسدت ماريا كالاس هذه الشخصية فى السينما عام 1970 بإدارة المخرج السينمائى بييترو باولو بازولينى الذى صور بعضا من مشاهده فى قلعة حلب بسوريا، وتميز هذا الأداء بحرفية عالية، وإحساس تعبيرى مرهف، وحضور مسرحى وسينمائى لا يمكن أن يُمحى من ذاكرة الجمهور الذى شاهدها فى جميع أنحاء العالم.

قامت ماريا كالاس عام 1969 ببطولة الفيلم المقتبس عن الأسطورة اليونانية القديمة ميديا، وهو إنتاج دينو دى لورنتييس، وبطولة الإيطالى ماسيمو جيروتى والفرنسى لوران تيرزييف، وكان الفيلم هو دورها السينمائى الوحيد، ولم تغنى فيه

وتدور قصة الفيلم عن الساحرة الشهيرة "ميديا" هى ابنة أيتس ملك كولخيس، والتى رماها أبوها فى السجن خوفا من سحرها الذى استخدمته فى الهرب إلى معبد هيليوس إله الشمس ـ جدها حيب الايطورة ـ وهناك تقع فى حب جاسون زعيم الأرغونوت.

تراجيديا من نوع خاص

كانت ليتسا والدة ماريا، مقتنعة بأن طفلها الثالث سيكون فتى، فكانت خيبة أمل كبيرة جدًا عند ولادته عندما اكتشفت أنه أنثى أخرى لدرجة أنها رفضت حتى النظر إلى طفلتها الجديدة "ماريا" لمدة أربعة أيام. وتم تعميد ماريا بعد ذلك بثلاث سنوات فى كاتدرائية الثالوث المقدس فى عام 1926.

بدأت موهبة ماريا الغنائية تظهر فى سن الخامسة، وبعد أن اكتشفت والدتها ليتسا أن ابنتها تملك صوتا جيدا، وبدأت بالضغط على "ماريا" للغناء، وقالت كالاس فيما بعد: لقد أُجبرت على الغناء عندما كنت فى الخامسة، وكرهت ذلك كثيرا.

كان جورج والد ماريا غير سعيد بضغط زوجته على ابنتهما، وإجبارها على الغناء، فى حين كانت ليتسا أيضا تغضب من زوجها، ووصل الأمر إلى أنها كانت تعتدى عليه أمام أولادهما، واستمر الزواج فى التدهور حتى عام 1935 فقررت الزوجة العودة إلى أثينا مع ابنتيها.

وهذا يعكس أن ماريا ولدت فى ظروف اجتماعية مضطربة، ولم تعش طفولة سعيدة، بسبب طباع والدتها الحادة، ووصل الأمر لاتهامها والدتها بأنها حرمتها من طفولتها، وقالت إنها ضغطت على بناتها لمواعدة ضباط ألمان فى أثينا خلال الحرب.

وعاشت ماريا مأساة أخرى عام 1960 عندما أنجبت طفلا من الملياردير أوناسيس أسمته أوميروس، لكن الطفل توفى لأسباب طبيعية بعد ميلاده بأيام.

وقالت برونا لوبولى خادمة كالاس: سيدتى لم تحمل سوى مرة واحدة عندما أنجبت الطفل فى شهره الثامن وعاش أسبوعا واحدا، وأضافت أن وفاة الوليد أثرت كثيرا على كالاس، وأنها كانت تقطع المسافة من باريس إلى ميلانو لمجرد زيارة قبره.

تزوجت من رجل الأعمال الإيطالى "جيوفانى مينيجينى" عام 1949، ثم ارتبطت عاطفيا لسنوات من "أرسطو أوناسيس"، والذى التقته لأول مرة فى إيطاليا عام 1956، وباللغة اليونانية قال لها جملة لم تنسها: مدام ماريا كالاس، أنت فعلا الإلهة الإغريقية التى كنت أتخيلها وأتمنى أن نلتقى مرة أخرى، وكان اللقاء الآخر عام 1959 عندما دعاها وزوجها لرحلة بحرية على متن السفينة (كريستينا) التى يملكها أوناسيس، وكان ونستون تشرشل متواجدا أيضا، وكانت هذه الرحلة هى بداية مرحلة جديدة فى حياة ماريا؛ حيث بدأت ترتبط عاطفيا بأوناسيس، أما زوجها جيوفانى فقد ترك نابولى وعاد إلى مدينة فيرونا حيث كانا يسكنان فى سنوات زواجهما.

وبدأت الصحف تكتب عن قصة الحب الذى أصاب أشهر مغنية أوبرا وأشهر الأثرياء فى العالم، وكان لابد من الانفصال بين ماريا وزوجها، ورغم الانفصال، إلا أنه ساعدها ودعمها فى حياتها المهنية لإثبات نفسها فى إيطاليا.

وبعد طلاقها من زوجها الأول بدأت ماريا كالاس بالظهور مع أوناسيس، وكانت آنذاك نجمة المجتمع الباريسى، وفى تلك الفترة كان أوناسيس يدعى إلى الحفلات العامة والخاصة بصحبة ماريا؛ ولكن أوناسيس كان ينصرف إلى متابعة أعماله المالية، والتى اعتاد أن ينقش أمورها مع زوجته السابقة اثينا ليفانوس، بينما لم تكن ماريا تحب أحاديث المال والأعمال، وتعيش فى أحلام فنها

عاشت ماريا مع أوناسيس حياة تنعم بالحب، إلا أنه كان سببا فى دخولها فى حالة اكتئاب، وبلغت الأزمة ذروتها معه حينما طالبته عام 1966 بالزواج كما وعدها، لكن أجابها بسخرية: أنت تريدين عائلة وأنا أريد العالم؛ هنا أدركت أن قصة الحب لن تتوج بالزواج، وتزامن ذلك مع قرار أوناسيس بالزواج من أرملة جون كينيدى، مما جعلها تنهار وتصاب باكتئاب واعتزلت الحياة الاجتماعية.

طقوس جنازة يونانية

توفِيت ماريا كالاس فى 17 ايلول من عام 1977 عن عمر 54 عاما بباريس، وذلك إثر أزمة قلبية، وصرح الطبيب أن الوفاة بسبب فشل عمل القلب نتيجة الآثار الجانبية للأدوية التى تناولتها؛ حيث كانت تتناول كمًّا من عقاقير تساعدها على النوم.

وبحسب الطبيبين الإيطاليين، فرانكو فوسى ونيكو باوليلو فإن ماريا كالاس أصيبت بالتهاب فى العضلات والأنسجة بشكل عام، بما فى ذلك الحنجرة.

وأقيمت الطقوس الجنائزية فى كاتدرائية أجيوس ستيفانوس اليونانية الأرثوذكسية (القديس ستيفن) فى شارع جورج بيزيه بباريس فى 20 سبتمبر 1977. وتم إحراق جثة ماريا كالاس، وألقى بها فى بحر إيجة قبالة سواحل اليونان وفق الطقوس اليونانية القديمة (حسب وصيتها).

عن صحيفة الشروق المصرية