أستاذي جميل نصيف التكريتي

أستاذي جميل نصيف التكريتي

د. حسين القاصد

عرفته وجها لوجه في كلية الآداب جامعة بغداد، منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان بقامته المهيبة، ومشيته الهادئة كأنه يفكر بشيء ما دائما، وابتسامته المتواضعة التي لا تشعرك أنك غريب وأنت تكلمه على الرغم من هيبته العلمية؛

وكنت أنتظر الوصول للمرحلة الرابعة في البكالوريوس كي أجلس بين يديه تلميذاً؛ لكنه منحني شرف التلمذة قبل أن أدخل محاضراته؛ فقد عرفني شاعرا وانتبه لي، فأهداني آخر كتبه في المسرح العربي وجذوره وريادته، ومنه عرفت ( مارون النقاش) إذ لم يكن من هموم طالب مثلي أن ينشغل في المسرح وفنونه وشجونه بل لم يكن المسرح من مقررات الدراسة كما هو الآن في أغلب كليات الآداب في العراق ليس من المقررات، مع الأسف الشديد.

أهداني كتابه الثمين في وقت كنت لا أتمكن من شراء ( لفة فلافل) فقد أطبق علينا الحصار وصار من ملامحنا؛ وقد كتب في الإهداء : ( إلى تلميذي النجيب الشاعر حسين القاصد الذي اتوقع له مستقبلا زاهرا في عالم الشعر) كانت هذه الشهادة الكبيرة هي الثانية بعد ما قاله وكتبه استاذنا عناد غزوان ( رحمهما الله) .

كنت في المرحلة الثالثة أتوجس خيفة وقلقاً كبيرين؛ فالدكتور جميل نصيف التكريتي بانتظارنا في المرحلة الرابعة، إنْ بالمذاهب الأدبية أو في الأدب المقارن أو علم الجمال، وهو الأستاذ في جميعها؛ فقلت لأطلع على الأدب الروسي لأن الرجل يشغله الأدب الروسي وقد ترجم منه الكثير.

وصلنا المرحلة الرابعة وكانت متعة مخيفة، متعة أن تنصت لجميل نصيف التكريتي، والخوف من أن يحرجني لأن تهمة الشاعر وضعتني في الواجهة وقد يسألني عما لا أعرفه.

وحدث ذات يوم أن خرج من موضوع الدراسة ليحدثنا عن بدايات الحرب العراقية الإيرانية، إذ قال: طلبت منا الحكومة أن نكتب للحرب وننشر في الصحف، فهب يوسف الصائغ وجنّد قلمه ومثله فعل الآخرون، أما أنا ( والحديث للدكتور جميل) فقمت بترجمة القصص الألمانية ونشرها في الصحف، لكن سرعان ما طلبتني الجهات الأمنية لتسألني ( ليش تصور للناس الحرب بهذه البشاعة.. احنه نريد ندعم الحرب، يقول : فسألتهم هل الحرب جميلة؟) كان يقول لنا هذا والجو في كلية الآداب ملغوم ومشحون بجواسيس السلطة، ونحن الطلبة ليس لنا أن نبدي رأيا نجهل عواقبه، ولم يكن بيننا من هو تكريتي ليحميه لقبه! هكذا كنا نظن أن جميل نصيف التكريتي ربما نجا بسبب لقبه؛ قبل أن نعرف أنه شيوعي قديم ومن مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.

كانت الأيام تمر بسرعة معه حتى سقط النظام الساقط واختفى أغلب الأساتذة البعثيين والجواسيس، وحين بدأنا نتردد على الجامعة بغية استئناف العام الدراسي، كان الدكتور جميل يتواجد معنا، وعلى قلة عددنا اتفقنا أن ندعو لاستئناف الدوام؛ وتبرعت أنا أن أطلب منه أن يكون رئيس قسم اللغة العربية، وقد تم ذلك فعلا.وحين انتهى العام الدراسي اختفى الدكتور جميل نصيف، وقيل إنه عاود الهجرة وقيل إنه قصد لندن هذه المرة وانقطعت أخباره تماما.لا جامعة ذكرته ولا وسط أدبي احتفى بتجربته.

بعد مدة قصيرة توفي عناد غزوان، ثم عاد إلى العراق محمد حسين الأعرجي، وكان يشكو من جميل نصيف التكريتي بسبب ما حدث في مناقشة الدكتوراه لمحمد حسين الأعرجي؛ لكني وعلى شدة حبي ووفائي للأعرجي لم يساورني الكره لجميل التكريتي، فذلك أمر بينهما، مثلما كنت أوازن بين محبتي للدكتور عبد الإله أحمد و عناد غزوان، حيث كان عبد الإله أحمد يتكلم أمامي ضد عناد غزوان، لكن - أيضا - ذلك أمر بينهما.

رحمهم الله جميعاً أعلام الأدب والتعليم العالي، والرحمة والمغفرة لأستاذي الدكتور جميل نصيف التكريتي.