ملف الانتخابات العراقية.. هكذا جرت الإنتخابات الأخيرة في العهد الملكي عام 1958

ملف الانتخابات العراقية.. هكذا جرت الإنتخابات الأخيرة في العهد الملكي عام 1958

د. فاضل محمد رضا

باشرت الحكومة وضع الخطط اللازمة لاجراء الانتخابات بعد أن صدرت الإرادة الملكية ذات العدد (160) في 27 أذار 1958 القاضية بحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة استنادا الى المادة(33) من قانون انتخاب مجلس النواب رقم 53 لسنة 1956,

تقرر إجراء الانتخابات العامة في جميع المناطق الانتخابية في العراق يوم 5 أيار 1958، وقد أصدرت وزارة الداخلية أوامرها الى جميع متصرفي الالوية للشروع بالمستلزمات الاولية استعداداً لاجراء الانتخابات، ولمّا كانت نتائج احصاء النفوس الذي جرى في 12 تشرين الأول 1957 أظهرت زيادة كبيرة في عدد نفوس سكان العراق اقتضى ان يكون عدد النواب (148) نائباً بدلاً من (137) نائباً، إلا أنّ الجهات الحكومة تذّرعت بأن نتائج احصاء النفوس الذي جرى لا يمكن أن تظهر بصورة واضحة, وصحيحة الا بعد عامين في الاقل، لذا تقرر ان يكون عدد نواب المجلس الجديد لا يزيد على (145) نائباً ومع هذا وعدت بزيادة منتظرة وذلك حينما يصادق المجلس الجديد على دستور الاتحاد العربي حيث سيختار (15) نائباً من بينهم لمجلس الاتحاد وتجري انتخابات فرعية لملء المقاعد الشاغرة، وبهذا سيكون للعراق 160 نائباً (145) منهم في المجلس النيابي و 15 نائباً في مجلس الاتحاد، وبعد ان تداول نوري السعيد رئيس الوزراء مع ولي العهد عبد الاله بشأن شكل المجلس الجديد وانتقاء اعضائه، اتفقوا على المجيء بمجلس نيابي موالٍ الى عبد الاله شخصياً على عكس المجلس السابق الذي كان الأغلبية فيه من انصار نوري السعيد، وقد أعلنت الحكومة على لسان رئيس الوزراء حيادها وعدم تدخلها في الانتخابات, وعلى من يريد ان يرشح للنيابة علية ان يتبع السبل القانونية، وفي الوقت الذي كانت بغداد تضج بالوجهاء والشخصيات الوافدة من الالوية والاقضية كافة الذين جاءوا لمقابلة رئيس الوزراء نوري السعيد, ووزير الداخلية سعيد قزاز طالبين النيابية، طامعين بتزكية الحكومة لهم.أعمّت وزارة الداخلية على متصرفيات الالوية كافة البيان الذي اصدرته الحكومة بتعيين يوم 5 أيار موعداً للانتخابات، وقد طلبت منهم التهيؤ لاعداد القوائم باسماء الذين يحق لهم الانتخابات, وتدقيقها وتعليقها في غضون عشرين يوماً من صدور بيان وزارة الداخلية، واصدر محمد محمود القشطيني رئيس محكمة استئناف بغداد امراً ادارياً بتعيين حكام المناطق الانتخابية التي تقع ضمن ألوية بغداد, والدليم, وديالى, والكوت وهي الالوية التي تقع ضمن صلاحيات رئاسة استئناف منطقة بغداد، واصدر كذلك شاكر الهلالي رئيس محكمة استئناف المنطقة الجنوبية في البصرة بياناً بتعيين حكام المناطق الانتخابية في ألوية البصرة والعمارة والمنتفك, وأصدر ياسين الكيلاني رئيس محكمة استئناف المنطقة الوسطى بياناً بتعيين حكام المناطق الانتخابية في ألوية الديوانية والحلة وكربلاء.وقد بدأ الراغبون في الترشيح للانتخابات من اعضاء المجلس المنحلّ, وغيرهم في الاتصال بوجوه محلات المناطق التي يرغبون الترشيح فيها، وكانت هذه الاتصالات من قبيل جس النبض، ولمّا كانت المادة (25) من قانون انتخاب مجلس النواب رقم 53 لسنة 1956 تنص على وجوب تقديم استمارة الترشيح للنيابة في مدة لا تقل عن 15 يوم قبل التاريخ المعين للانتخابات فسوف يكون اخر موعد لقبول الترشيحات يوم الاحد الموافق 20 نيسان 1958، وعلى هذا بدأ المرشحون للانتخابات بدفع التأمينات القانونية, وفي اليوم الأول دفع في بغداد ستة مرشحين التأمينات القانونية منهم عبد الجبار الراوي مدير الشرطة العام سابقا عن عانه, وعارف السويدي من المنطقة الثالثة في بغداد، وعبد المحسن الدوري عن المنطقة السابعة في بغداد، يوسف كتو عن المسيحيين في بغداد.وفي بغداد دفع التأمينات القانونية كل من حسام الدين جمعة عن المنطقة الثانية، وشاكر العاني عن المنطقة السابعة, ومحمد صالح معتصم المشهداني عن الكاظمية, وعبد الامير السعدي عن الدورة, وعزت مراد, ونوئيل رسام, وكامل نعمت نازو عن المسيحيين، وآخرين، حيث وتوالي المرشحون تباعاً لدفع التأمينات القانونية استعداداً للاشتراك في المعركة الانتخابية، بدأ النشاط الانتخابي في العاصمة بالاتصالات والاجتماعات التي جرت هنا وهناك في معظم المحلات, وفي يوم 7 نيسان اكتمل انتخاب الهيئات التفتيشية لجميع المناطق الانتخابية في لواء بغداد البالغ عددها (16) منطقة، وباشرت بتدقيق القوائم الموحّدة التي قدمتها إليها لجان تنظيم القوائم على وفق المادة السادسة عشر من قانون انتخاب النواب رقم 53 لسنة 1956 التي اوجبت تدقيقها في غضون خمسة أيام من تاريخ ايداع القوائم الموحدة اليها، ويتحتم بعد ذلك ان تنظم القوائم بأسماء الناخبين لكل شعبة انتخابية وترسل الى لجنة الانتخاب لتعليقها في أماكن مناسبة في مراكز الشعب الانتخابية.تزامن عيد الفطر مع موعد انتهاء مدة الترشيحات، لذلك استفتى ديوان التدوين القانوني بشأن الموضوع، فأفتى بأنه اذا صادف العيد يوم 20 نيسان، وهو اليوم المحدد لقفل باب الترشيح للنيابة فسيكون موعد انتهاء الترشيحات نهاية الدوام الرسمي من يوم الاربعاء الموافق 23 نيسان، أما اذا صادف العيد يوم 21 نيسان فسيظل الموعد ثابتاً أي 20 نيسان.شهدت المعركة الانتخابية في الموصل فتورا واضحاً منذُ بدايتها فقد قدمت قوائم المرشحين, ودفعت التأمينات القانونية وجرى انتخاب الهيئات التفتيشية، من غير ان تشهد مناطقها الانتخابية نشاطاً ملحوظاً للمرشحين. فلا توجد سيارات تطوف في الشوارع, ولا مكبرات صوت تحث الناخبين على الانتخاب، ولم تلقَ الخطب ولم يحدث أي اجتماع انتخابي، ولم تقسم الوعود والعهود من المرشحين، وقد انسحب عدد كبير من المرشحين بعد ان تأكدوا من عدم جدوى مشاركتهم لأن الامور معدة مسبقاً لفوز مرشحين معينين.وشهدت المعركة الانتخابية انسحاب الكثير من المرشحين, فقد انسحب كل من عبد الرزاق الازري، وعطشان الفرحان من عانة, وميخائيل كنو ويوسف كنو عن المسيحيين, وعبد الحميد الهلالي من بغداد وجابر السرحان من الديوانية, وكامل عارف الناصري من تكريت، وعبد الغفار المعتوق من ابي الخصيب، وثامر الحموده من سوق الشيوخ, ومحمد حسن سلمان من العمارة, وخليل كوان الجبوري من سامراء واخرين وكان انسحابهم لصالح مرشحي الحكومة الذين ضمنوا تأييد الادارات المحلية في الترويج لهم ودعمهم بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة.وبعد انتهاء المدة القانونية للترشيح بلغ عدد المرشحين في أنحاء العراق كافة (300) مرشح تنافسوا على المقاعد النيابية، وأعلن وزير الداخلية سعيد قزاز في المؤتمر الصحفي الذي عقده في قاعة الصحافة بدار الاذاعة يوم 5 أيار 1958 وتحدث فيه عن الدعايات المغرضة الصادرة من الخارج والتي زعمت بأن هناك ضغط على الناخبين مستدلاًّ على ذلك (ان بعض الفائزين بالتزكية كانوا نوابها منذ ما لا يقل عن 15 سنة وقد خرجوا في كل مرة بالتزكية لمكانتهم في مناطقهم الانتخابية)، ولدى مقابلته الى مراسل الاسوشيتدبريس ويونايتدبريس، اعلن ان عدد الفائزين بالتزكية بلغ (118) نائباً وان الانتخابات جرت في 6 ألوية لملء 27 مقعداً من مجموع 145 مقعداً، وسُئل عما اذا تبين للحكومة بوجود معارضة، فأجاب ان المعارضة اذا وجدت سوف تتبين بعد انعقاد مجلس النواب الجديد, وزعم في الاجابة بتوفير حرية الانتخابات, والدعاية الانتخابية, وحرية الرأي وأن المرشحين مارسوا كل ما ضمن لهم القانون من حرية، وقد سُئل عن احتمال قيام احزاب, اجاب ان الحكومة ستدرس الموضوع وتنظر اليه بانعام ودقّة.صدرت الارادة الملكية بدعوة مجلس النواب لعقد اجتماعه غير الاعتيادي في 10 أيار 1958، في الوقت الذي عقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية برئاسة رئيس الوزراء نوري السعيد لبحث صيغة خطاب العرش الذي سيلقيه الملك في افتتاح المجلس وقد افتتحت الجلسة الاولى للدورة السادسة عشر في 10 أيار 1958 بخطاب العرش الذي اشار فيه الى السياسة القومية التي تبناها العراق والتي تمثلت في قيام الاتحاد العربي, ولتحقيق الوحدة العربية لابد من تعديل القانون الأساسي، وبعد ان قدمت الحكومة لائحة التعديل وافق عليها مجلس النواب وحلّ وجرى انتخاب المجلس الحالي, وأن أهم اعماله اتمام تشريع لائحة التعديل الثالث للقانون الاساسي.بدأ مجلس النواب انتخاب اعضاء ديوان الرئاسة فأحرز عبد الوهاب مرجان (134) صوتاً ليكون رئيساً للمجلس, ثم انتخب عز الدين ملا نائباً اول وقد احرز (125) صوتا، اما النائب الثاني كان من نصيب فوزي الخضري والذي صوت له (112) نائب.

عن رسالة (الانتخابات النيابية في العهد الملكي في العراق)