أمينة رزق في حوار عمره 63 عامًا: الحب شك وعذاب.. وصفحته طويت فى حياتي

أمينة رزق في حوار عمره 63 عامًا: الحب شك وعذاب.. وصفحته طويت فى حياتي

سماح جاه الرسول

لقب الفنانون "أمينة رزق" بـ "أم الفنانين"، لأنها أشهر وأفضل فنانة قدمت دور "الأم"، سواء على المسرح أو على الشاشتين الصغيرة والكبيرة؛ و"أمينة رزق" هى فنانة عاشقة للمسرح فى المقام الأول، فقد عاشت فى محرابه 78 عاما هى عمر مسيرتها الفنية،

وقدمت خلال هذا العمر الممتد 300 مسرحية، وكان أول أعمالها المسرحية على مسرح "على الكسار" ثم انتقلت إلى مسرح "رمسيس" الذى قدمت معه بطولتها المسرحية الأولى فى "راسبوتين"، وكان عمرها حينذاك 12 عاما، وقدمت العديد من المسرحيات منها "الليله الثانية بعد الألف، كرسى الأعتراف، المائدة الخضراء، البخيل عطيل، بينما قدمت آخر أعمالها المسرحية "الأرنب الأسود" من إخراج عصام السيد، أما عن أعمالها السينمائية فقد قدمت 200 فيلم، أولها عام 1928 تحت اسم "سعاد الغجرية"، وكانت بطلة مطلقة فى الكثير من الأفلام، مثل أفلام "عاصفة على الريف" و"أولاد الفقراء" و"قلب امرأة" و"البيت الكبير" و"الطريق المستقيم".

أسست "أمينة رزق" شركة للإنتاج الفني، وأنتجت من خلالها العديد من الأعمال، منها "بداية ونهاية، الأم، أعز الحبايب، أربع بنات وضابط، مصطفى كامل، شفيقة القبطية، قنديل أم هاشم"، كما كانت أحد الشركاء الأربعة بشركة "اتحاد الفنانين"، وسافرت أمينة عام 1964 فى منحة للاطلاع على تطور الحركة الفنية، وعند عودتها عملت كمساعد مخرج لمدة عامين وأخرجت مسرحيتين بالمسرح الشعبي، لكنها توقفت عن الإخراج لتتفرغ للتمثيل.

وعلى الشاشة الصغيرة قدمت "أمينة رزق" مسلسلات "أحلام الفتى الطائر، السمان والخريف، الأيام، ليلة سقوط غرناطة، محمد رسول الله، قال البحر، ليلة القبض على فاطمة" وغيرهم الكثير.

نالت "أمينة رزق" العديد من الأوسمة، منها وسام الرئيس جمال عبدالناصر، ومنحها الرئيس أنور السادات معاشا استثنائيا، أما الرئيس حسنى مبارك فقد اختارها عضوا بمجلس الشورى عام 1991، كما حصلت على العديد من الدروع من جميع الدول العربية، حتى رحلت عن عالمنا فى 24 أغسطس 2003. "الإذاعة والتليفزيون" تنشر حوارا نادرا للفنانة "أمينة رزق" أجرته معها الصحفية "زينب محمد حسن" للباب الذى كانت تشرف عليه بعنوان "نساء فى القمة"، وتحدثت "أمينة رزق" فى الحوار عن بدايتها الفنية وعن الحب فى حياتها، نشر الحوار فى عدد المجلة رقم 1321 الصادر بتاريخ 9 يوليو 1960. فإلى نص الحوار:

دموعها تسبقها دائما.. على المسرح.. فى السينما.. فى الإذاعة.. حتى إذا جلست إليها ورأيت ابتسامتها.. واستمعت لكلامها الحلو فلابد أن تلمح أسى فى عينيها.. ودمعة حائرة فى ثنايا ألفاظها وعباراتها.

لماذا؟.. لمَ الأسى؟ وفيمَ البكاء؟

هى نفسها لا تدرى.. كل ما تقوله إن مخرجى السينما والمسرح والإذاعة.. يسندون إليها دائما الأدوار الباكية، وأنها إذا بكت هطل الدمع غزيرا، لدرجة أنها اندمجت فى دورها على المسرح ذات يوم.. ثم لم تستطع أن تمنع نفسها من البكاء وظلت تبكى وتبكى.. واضطر مدير المسرح لإنزال الستار.. حتى تفيق من نوبة بكائها.. هذا زعمها.. ولكن من يطالع قصة راهبة الفن، يرى فيها أكثر من سبب للدموع.

فتاة من طنطا

تبدأ قصة حياتها، كما تقول شهادة الميلاد، 10 أبريل سنة 1912.. فى مدينة "طنطا"، لأب من عرب الجعافرة، الذين نزحوا من غرب الوادى إلى طنطا، حيث اشتغل بالتجارة.. ومن أم تصغره بنحو أربعين عاما، نشأت فى أسرة محافظة جدا، ترى فى "الحرمة" أن يرى الباب طرف ثوبها.. جرماً وألماً.

وتغلق "أمينة" ابتسامة على جانب من شفتيها، "قالت لى أمى إننى عندما ولدت لم أصرخ شأن المواليد، وإنما استقبلت نور الدنيا صامتة باسمة.. وظللت محتفظة بهذا الهدوء وذلك الصمت، حتى بلغت السادسة، ثم قفزت الدموع إلى عينى بالكرباج".

كان الأب شديد القسوة فى بيته.. ولعله كان يشعر بعظم الفارق بين عمره وعمر زوجته، وخيل إليه أن قسوته هذه تعوضه عما يراه فى نفسه من شيخوخة، فكان يثور لأتفه الأسباب، ويصب كامل غضبه على زوجته الشابة، وطفلته الحلوة، أذكر لك أن الأب كان أسمر اللون، ولذلك كان أخشى ما تخشاه زوجته أن يجىء مولودها بلون أبيه، ولكن أمينة ولدت بيضاء كأمها..

ولنعد إلى الكرباج.. فعندما بلغت "أمينة" السادسة من عمرها، وكانت طالبة بمدرسة المدير- طنطا- اصطحبها خالها إلى السينما لأول مرة، وبعد عودتهما تلقـــاها أبوهـــا بالكرباج.. وتفجرت الدموع من عين أمينة.. ومن يومها عرفت عيناها الدموع.

يتيمة.. وأرملة.. وسفاح

ومرت الأيام.. وبعد سنتين من واقعة الكرباج؛ أى عندما بلغت "أمينة" الثامنة من عمرها، مات أبوها، فبكته مع أمها.. لم تكن تدرى لماذا تبكى ولكنها بكت كما يبكون..

وانتقلت الأم بابنتها إلى بيت والدتها.. فى طنطا، ومرت الأيام الأولى بعد الوفاة، والأسرة تعيش قانعة بالثروة المتواضعة التى ورثتها، وكفلت لها حياة مستورة..

ولكن الباب طرق ذات يوم، وإذا برجل يقدم نفسه للأرملة وأمها العجوز باسم "الشيخ علام".. وأظهر الشيخ شديد إشفاقه على الأسرة، وقال إنه يعرف أن الفقيد يدين الكثيرين بأموال طائلة، وأن هؤلاء المدينين يعيشون فى قرية مجاورة، وأبدى استعداده لمرافقة الأرملة وأمها للمطالبة بالديون..

وخدعت المرأتان بعواطف الرجل.. وكادتا تذهبان معه.. ولكن الله سلم.. حدث أن وقع خلاف بين الشيخ وزوجته، وارتفع الصراخ، وفى نوبة الغضب أعلنت المرأة رأيها بصراحة فى زوجها، وسمع الجيران أنه رجل سفاح يتزعم عصابة من سفاكى الدماء، تنشر الرعب تهجم عليهن، وتسلبهن مصوغاتهن التى يتحلين بها.. وكان هذا هو الذى ينتظر أم أمينة وجدتها..

وتقول أمينة: "وسمعت إحدى الجارات ما جرى بين السفاح وزوجته، وهرعت إلى إبلاغنا بما حدث، فى الوقت المناسب.. وكان أن هربنا من طنطا".

على مسارح روض الفرج

الأسرة التى هربت من طنطا فرارا من عصابة الشيخ علام، كانت تتألف من أربعة أشخاص. أمينة رزق، وأمها، وخالتها، وجدتها..

ولا يزال الكثيرون يذكرون حتى الآن خالة "أمينة رزق".. أنها "السيدة أمينة محمد"، التى جلست زمنا طويلا على عرش الرقص الشرقى.. واشتركت فى تمثيل عدد من أفلام السينما فى أوائل أيامها..

"أمينة محمد" كانت تكبر أمينة رزق بسنوات قليلة.. ولذلك فقد كانت صاحبة لها أكثر منها خالة.. وعندما جاءت الأسرة للقاهرة، توطدت الصداقة بين الصغيرتين، أمينة، وأمينة.. وصارتا لا تفترقان أبدا..

وتقول أمينة رزق:

"كانت خالتى أمينة جريئة، لا تهاب أحدا، وكانت تأخذنى معها إلى مسارح روض الفرج، فنقف ونشاهد من بعيد لبعيد كل شىء.. وحفظنا الأدوار.. كل الأغانى.. وكل المونولوجات.. وعشقت هذا المسرح.. واشتريت كتاب "بربرى حول الأرض".. وبدأت أمثل مع أمينة الأدوار التى نشاهدها على مسارح روض الفرج.."

وذات يوم بينما كانت الصغيرتان تتسلان من فرجة فى ستائر المسرح الخلفية.. كراهية منهما لشباك التذاكر.. وجدتا ضجيجا وحيرة وارتباكا.. ولما أصغيتا السمع، تبينتا أن الممثلة التى تؤدى دور الأطفال غائبة عن المسرح تلك الليلة، مع زميلة لها تقوم بدور مماثل، فوقع صاحب الفرفة فى مأزق، لا يدرى كيف يتخلص منه.. وخاصة أن جمهور الصالة بدأ يتذمر صائحا: "كازينو أونطة.. هاتو فلوسنا"..

ونفخت أمينة محمد صدرها، وانكمشت خلفها أمينة رزق، ثم تقدمتا لصاحب المسرح، وقالت

وبعد أخذ و رد، واستهانة بقدر مبعوثتى العناية الإلهية، من جانب صاحب المسرح، وإصرار من جانب عاشقتى الفن.. وافق الرجل، وخطت أمينة وبنت أختها على المسرح خطواتهما الأولى..

وتذكر أمينة رزق: "وصعدنا إلى خشبة المسرح لأول مرة، وأحسست رجفة مجنونة تستبد بجسدى الدقيق النحيل.. ولكننى تمالكت نفسى.. وألقيت "الكوبليه" واستقبلنا الجمهور بالتصفيق.. نفس التصفيق الذى أصم أذنى يوم خرجت مع طالبات "مدرسة ضياء الشرق" لنستقبل "سعد زغلول" عند عودته من المنفى فى "سيشل"، ولكى أخطب أمامه مرحبة به.."

فى مدرسة يوسف وهبى

وتحول بيت الأسرة إلى مسرح.. وأمنت كل من الفتاتين بأن فى السويداء فنا.. ولكن كيف يصل إلى الجمهور؟.. وأخيرا نجح الترام فى الكشف عن الفن!

كانت "أمينة" وخالتها تركبان الترام عائدتين من المدرسة إلى البيت، عندما التقى بهما جارهما "المرحوم أحمد عسكر"، وكان يعمل بالمسرح الجديد الذى أنشأه "الأستاذ يوسف وهبى" سنة 1923.. قال لهما إنه سمع بمواهبهما الفنية من أهل بيته.. وأنه على استعداد لتقديمهما إلى يوسف وهبى.. واتفق الطرفان على أن يتم اللقاء سرا.. بعيدا عن أنظار الأسرة المحافظة..

ولندع أمينة تروى قصة لقائها بيوسف وهبى:

"أعجب بى الأستاذ يوسف وهبى منذ رآنى لأول مرة.. وأخذ يلاطفنى ويغمرنى بعطفه، وأعطانى دورا فى رواية "راسبوتين" وعلى الرغم من أننى أبديت براعة فى الاختبار الأول أمام الأستاذ، غير أننى عندما وقفت فى البروفة لألقى جملتى، تعثرت وتلعثمت وارتبكت، ووقف لسانى فى حلقى.. وجعل "الأستاذ يوسف" يشجعنى.. ولكن المأساة تكررت.. فهاج وألقى بالرواية المطبوعة فى وجهى وهو يصيح: "بلاش كلام فارغ".. جايبين لنا عيال يمثلوا.. وبكيت.. وصممت على الرجوع للبيت وعدم العودة لمثل هذا.. هذا المسرح، الذى لم أكد أضع قدمى عليه. ولكن بعد قليل كان يوسف وهبى قد هدأ.. وعاد يلاطفنى ويدربنى، حتى أتقنت الدور.. وتلك كانت البداية.

غرامة 100 جنيه

وفى مسرح "يوسف وهبى"، وجدت "أمينة رزق" مفاجأة.. قدم لها الأستاذ عقدا للعمل معه، مقابل أربعة جنيهات شهريا، وغرامة 100 جنيه لمن يخل بشرط العقد.. والمفروض أن يوقع ولى الأمر على عقد القاصر.. ولكن كيف؟.. حملت أمينة عقدها.. وفى الطريق أخرجتها خالتها من حيرتها.. وكان التزوير.. تزوير توقيع الأم على العقد، ثم انكشف الأمر.. وعرفت الأم قصة العقد، والغرامة، والتزوير. فرضخت.. ولكن بعد أن وقعت العقوبة اللازمة على أمينة وخالتها.. وارتفعت الجنيهات الأربعة إلى خمسة، وستة، وسبعة بعد سنة واحدة..

كانت المرحومة "السيدة روز اليوسف" هى بطلة الفرقة وقتئذ.. وكانت المثل الأعلى لأمينة رزق.. تتمنى أن يجىء اليوم الذى تقف فيه موقفها على المسرح..

وتقول أمينة: بعد خروج "روز اليوسف" من الغرفة وحلول "فاطمة رشدى" محلها.. ثم خدمهما الحظ فخرجت "فاطمة" أيضا، وخلفتها "زينب صدقى"، فتقدمت خطوة ثانية وخرجت "زينب صدقى" كذلك فوثبت أنا إلى المقدمة.. وأصبحت بطلة رمسيس سنة 1920.. وبلغت القمة فى رواية "الذبائح".. وعندما حل "يوسف وهبى" الفرقة.. امتنعت عن التمثيل تضامنا معه".

ولكن من أين تأكل الممثلة الشريفة؟

قبلت العمل بالفرقة القومية.. ولما كان المرتب ضئيلا اضطرت أن تشرك فى المسرح ميدانا آخر.. السينما..

وكما سجلت أمينة نجاحا رائعا فى المسرح وعرفت كيف تتألق فى فجر عهدنا به.. حين كان الناس ينظرون إلى الممثلة نظرتهم إلى الراقصات وبنات الطريق.. عرفت أيضا كيف تثبت قدميها فى السينما، والإذاعة..

كيف لم يخفق قلب "أمينة رزق" مرة واحدة؟

ألم تعرف الحب أبدا؟.. أمثل هذه الإنسانة الرقيقة العاطفية تستطيع أن تعيش بلا حب؟

وتجيب أمينة: لا.. لقد أحببت.. لكننى أدركت أن الحب بالنسبة للرجل هو نوع من الأنانية.. امتلاك يقارب درجة الاستعباد.. وحش يفترس حمامة.. كالثعبان يسلط مغناطيسية عينيه على الطائر الصغير حتى يخدره ويطمئن إليه، ثم يفترسه.. هذا هو مفهوم الحب عند الرجل..

"أحببت وأنا فى الرابعة عشرة من عمرى، وكان شابا معروفا فى المجتمع.. ولكن الفارق الاجتماعى بيننا جعلنى أكتم حبى فى صدرى، فلم يعرف عنه شيئا، وكانت صدمة لى عندما قرأت ذات يوم أنه خطب إحدى بنات الأسر المعروفة".

"وحبى الثانى كان بعد الأول بسنوات، وحبنا أيضا عن مصارحة من أحببته، فقد أيقنت أن الحب كما تعلمته على المسرح شك وعذاب، فطويته هو الآخر"..

"والثالث توسمت فيه إخلاصا.. ولكن الشك فى إخلاص الرجل ووفائه عاد ليعصف بنفسى.. فطويته كذلك.. والمهم أن هؤلاء الثلاثة، يعرفون أننى أحببتهم ذات يوم.. ومع هذا فقد تقدم لى الكثيرون جدا يطلبون يدى.. ولكننى فى أعماقى لم أتجاوب معهم.. فرفضت.. وصممت أن أعيش للفن وحده".

لكن كيف تقضين أوقات فراغك؟

وضحكت أمينة وأجابت: أوقات فراغى من المسرح، والسينما والإذاعة قليلة كما تعلمين.. فإذا اتسعت ذهبت إلى النادى الأهلى إذ أنا عضو فيه.. ويقولون إننى بارعة فى رياضة الاسكواش راكيت.. فهى لعبة جميلة توفر للجسم الخفة، والرشاقة.

ألم تمثلى فى حياتك أدوارا مرحة؟

وضحكت "أمينة رزق" حتى اغرورقت عيناها بالدموع وقالت:

تصورى أننى كدت أتحول ذات يوم إلى المسرح الفكاهى؟!.. حدث أن جاءنى فى أحد المرات، "المرحوم الأستاذ نجيب الريحانى"، وعرض علىّ أن أقوم ببعض الأدوار الفكاهية زاعما أنه لمس عندى استعدادى لهذا النوع من التمثيل.. وأننى سوف أصادف فيه نجاحا كبيرا.. ولكن العرض جاء بعد فوات الأوان، بعد أن تشبعت أعصابى بتمثيل المأساة.

عن مجلة الاذاعة والتلفزيون المصرية